Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نولاند بين موسكو وأوكرانيا وقائمة العقوبات

روسيا ترفع اسمها من القائمة السوداء وبيروت ولندن تنضمان إلى جولتها الأوروبية

نائب وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية فيكتوريا نولاند  (أ ف ب)

وصلت نائب وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية فيكتوريا نولاند إلى موسكو في جولة تضم أيضاً كلاً من بيروت ولندن وتستمر حتى 15 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. وكان الجانب الأميركي استبق وصولها إلى العاصمة الروسية بسلسلة من التصريحات والمشاورات المتبادلة حول مدى استجابة السلطات الروسية لرفع اسمها من قائمة العقوبات التي أقرّتها رداً على قائمة مماثلة تضم عدداً من كبار ممثلي السياسة الخارجية الروسية ممن سبق ومنعتهم الإدارة الأميركية من مرافقة سيرغي لافروف، وزير الخارجية خلال مشاركته في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومنهم قسطنطين كوساتشوف، نائب رئيس مجلس الاتحاد (المجلس الأعلى للجمعية البرلمانية، أو مجلس الشيوخ) وكان آنذاك في منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالمجلس.

وعلى الرغم من أن موسكو كانت صاحبة مصلحة مباشرة في المباحثات مع الجانب الأميركي الذي كانت ولا تزال تعلّق عليه الكثير من آمال الضغط على أوكرانيا لقبول تنفيذ اتفاقيات مينسك التي يتعثّر تطبيقها منذ توقيعها في فبراير (شباط) 2015، فإنها أبدت الكثير من التحفظات تجاه رفع اسم نولاند من قائمة العقوبات الروسية، في محاولة استهدفت كما اتضح لاحقاً ضرورة التزام واشنطن تطبيق مبدأ "المعاملة بالمثل". وهو ما كشفت عنه الخارجية الروسية بإعلانها عما توصلت إليه بشأن رفع أسماء بعض الشخصيات التي كانت الولايات المتحدة حظرت دخولها إليها من قوائم العقوبات الأميركية، وإن لم تكشف عن أي من أسماء هذا الشخصيات التي استجابت لرفعها من هذه القوائم التي سبق وفرضتها ضد موسكو، في الوقت الذي تظل تعترف لنولاند بجدوى وأهمية دورها في التوصل إلى الهدف المنشود، من حيث كونها "المتخصص" الأكثر فاعلية وإلماماً بدقائق تفاصيل الأوضاع في الفضاء السوفياتي السابق، منذ عملها في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما.

الثورة البرتقالية في أوكرانيا

ويربط الكثيرون من ممثلي الأوساط السياسية، بل والاجتماعية الروسية بين فيكتوريا نولاند، ونجاح الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وهي التي لطالما نشرت وسائل الإعلام ومنها القنوات التلفزيونية الفيدرالية الروسية، مشاهد زيارتها للميدان الذي انتشرت فيه مخيمات المتظاهرين وفصائل المعارضة في قلب العاصمة كييف، وتوزيعها للفطائر والشطائر على المعتصمين هناك خلال أحداث فبراير 2014 التي سرعان ما أسفرت عن إطاحة الرئيس الشرعي فيكتور يانوكوفيتش. 

وتذكر وسائل الإعلام لها بعض أوجه الشبه مع سابقتها كونداليزا رايس، المتخصصة في شؤون روسيا والدراسات السلافية التي سبق وشغلت مناصب سكرتيرة مجلس الأمن القومي ثم منصب وزيرة الخارجية الأميركية في إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن. ويمكن القول إن نولاند التي تعرف الروسية كما سابقتها، تقتفي أثر كونداليزا رايس التي لطالما كانت معروفة بتأييدها لفكرة الثورات الملونة في الفضاء السوفياتي السابق، مثلما تبدو الأولى أكثر حماسة لهذه الثورات والتحركات التي دفعتها إلى النزول بنفسها لحفز وتأييد المعتصمين في قلب العاصمة الأوكرانية، لكنها ومع ذلك تظل أكثر براغماتية من سابقتها، وهي التي ينقلون عنها ما قالته للسلطات الأوكرانية الرسمية حول أن "اتفاقيات مينسك، ليست المثلى لأوكرانيا، لكن قيادات الأخيرة تبدو ملزمة تنفيذها، ما دامت وقّعت عليها"، وهو ما أثار الكثير من الأسى والأسف في نفوس أعضاء القيادة الأوكرانية ممن كانوا يعوّلون على موقف آخر موغل في العداء للسياسات الروسية. 

قضايا إقليمية ودولية

وكشفت المصادر الروسية أن مباحثات فيكتوريا نولاند في موسكو التي تستمر حتى يوم غد الأربعاء، تتركز في جوانبها المحورية على العلاقات الثنائية، إلى جانب عدد من القضايا الإقليمية والدولية، التي تتصدرها الأزمة الأوكرانية، وإن كانت استهلت زيارتها بقولها إن "الموضوع الرئيس لمباحثاتها في موسكو يظل في إطار العلاقات المستقرة بين الولايات المتحدة وروسيا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقول المصادر الروسية إن نولاند مدعوة إلى مناقشة كل ما يهم البلدين من قضايا ثنائية وإقليمية ودولية مع نظيرها الروسي سيرغي ريابكوف، المسؤول عن ملف العلاقات مع واشنطن، وكذلك مع يوري أوشاكوف مساعد الرئيس فلاديمير بوتين للشؤون الخارجية.

 وكانت نولاند استبقت هذه المباحثات بتصريح كشفت فيه عن استعداد بلادها، وتلبية لطلب القيادة الأوكرانية، حول انضمام الولايات المتحدة الى "آلية نورماندي"، التي تضم على المستوى الرئاسي كلاً من روسيا وألمانيا وفرنسا.

وأجرت نولاند برفقة وزير خارجيتها أنتوني بلينكن، زيارة "تفتيشية" إلى كييف في مايو (أيار) الماضي، للاطلاع على حقائق الأوضاع في أوكرانيا، على ضوء ما أعلنت عنه سلطات كييف من مخاوف تجاه تصاعد الحشود العسكرية الروسية على مقربة مباشرة من الحدود الأوكرانية جنوب شرقي البلاد. وهي المنطقة التي تتجدد فيها وبشكل دوري المعارك القتالية بينها وبين جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك اللتين أعلنتا انفصالهما من جانب واحد عن أوكرانيا منذ بداية اندلاع الأزمة في 2014.

ومن مفارقات القدر أن الزيارة جاءت تالية لعدد من القرارات التي اتخذها الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي بإقالة عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين، بينهم أندريه كوبوليف، رئيس مؤسسة النفط والغاز "نفط-غاز" وآخرين، مثلما يحدث اليوم في توقيت تأتي فيه زيارة نولاند إلى موسكو بعد قرار زيلينسكي وتبنّي الحزب الحاكم "خادم الشعب" لعملية إقالة رئيس مجلس الرادا (البرلمان) الأوكراني دميتري رازومكوف، الذي ثمة من يقول في كييف إنه صار من أهم المنافسين المحتملين لزيلينسكي في الانتخابات الرئاسية المقبلة بعد عامين.

تجاوزات الرئيس الأوكراني

ونقلت صحيفة "غازيتا-رو" الإلكترونية عن فلاديمير بروتر، خبير المعهد الدولي للأبحاث الإنسانية والسياسية، ما عزاه ضمن أسباب الزيارة إلى أن "رئيس أوكرانيا فلاديمير زيلينسكي يسمح لنفسه بالكثير من التجاوزات في السياسة الداخلية، لذا فهو بحاجة ماسة إلى أن يجد من يضعه في مكانه الذي يستحق". ولم يتوقف بروتر عند هذا الحد ليمضي إلى ما هو أبعد بقوله إن "واشنطن تعتقد أن زيلينسكي يحاول إعادة تخصيص عدد من التدفقات المالية لنفسه لإقالة الكثير من المسؤولين من الخدمة المدنية الذين تم تعيينهم في هذه المناصب مباشرة بمشاركة واشنطن"، وذلك "ما لا يروق لوزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن"، على حد قوله. وأضاف، أن "الجانب الأميركي سيواصل استخدام أوكرانيا من أجل كبح جماح روسيا، في الوقت الذي يمكن الإعلان رسمياً عن دعم زيلينسكي الكامل، وإن كان ذلك لا يمكن أن يعني أنهم يعاملونه معاملة حسنة، أو أنهم بشكل عام يحبون الطريقة التي يدير بها البلاد"، بحسب تقديرات الخبير الأوكراني. 

ولم يمضِ من الزمن الكثير حتى عاد زيلينسكي إلى خلافاته مع أصدقاء الأمس، في توقيت مواكب لتراجع شعبيته لأسباب يقف في صدارتها عجزه عن تنفيذ ما سبق وتعهد به إبان حملته الرئاسية الانتخابية منذ قرابة العامين، وفي مقدمة وعوده اجتثاث جذور الفساد والتوصل إلى وقف الحرب وتحقيق التسوية السلمية ولمّ شمل الوطن واستعادة جنوب شرقي أوكرانيا. وذلك ما يمكن أن يفسره خلافه مع دميتري رازومكوف وأحد أهم أعضاء فريقه السابقين، الذي يقولون في كييف إنه أكثر جدارة ومعرفة بدروب السياسة من الرئيس الحالي زيلينسكي الذي جاء إلى منصبه من كواليس الحركة المسرحية الكوميدية في أوكرانيا.

وفي هذا الشأن، نقلت وسائل إعلام روسية ما قاله رازومكوف حول أنه "لم يكُن أبداً صديقاً للرئيس، وأن ما يربطه به علاقة عمل". وأضاف أن "أصدقاء الرئيس أكثر ارتباطاً بفرقته المسرحية التي تحمل اسم كفارتال 95، وبحياته في الأمس القريب". 

وإذا كانت الأنظار تظل متعلقة بأروقة وزارة الخارجية الروسية في انتظار معرفة ما يمكن أن تسفر عنه مباحثات نائب وزير الخارجية الأميركية مع نظيرها الروسي ريابكوف ومساعد الرئيس بوتين للشؤون الخارجية، من نتائج بشأن عدد من جوانب العلاقات الثنائية، فإن هناك من يظل يترقب ما يمكن أن يسفر عنه لقاء نولاند مع دميتري كوزاك، المفوض الشخصي للرئيس بوتين والمسؤول المباشر عن ملف الأزمة الأوكرانية وما يتعلق بآلية "نورماندي".

سياسة موسكو تجاه الجمهوريات السوفياتية السابقة

تقول صحيفة "كوميرسانت" الروسية، إن "المحاور الرئيس لفيكتوريا نولاند في موسكو سيكون دميتري كوزاك، نائب رئيس ديوان الكرملين، الذي يلعب دوراً مهماً في تحديد سياسة موسكو وموقفها في ما يتعلق بجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة".

ومن المعروف أن دميتري كوزاك يشغل منصب نائب رئيس ديوان الكرملين ومفوض الرئيس لشؤون بلدان الجوار القريب أو ما يعرّفونها تحت اسم "بلدان الفضاء السوفياتي" السابق، وقضايا جنوب شرقي أوكرانيا، بما يعني أنه المدعو إلى بحث أهم القضايا التي جاءت نولاند من أجلها، وسبق لها والتقت سلفه فلاديسلاف سوركوف، مستشار الرئيس الروسي الذي استقال في ظروف غامضة، وتوارى عن الأنظار بعيداً من دهاليز السياسة والكرملين، وهو الذي كان ملء السمع والبصر لأعوام طوال إلى جوار الرئيس بوتين.

 ويقول مراقبون في موسكو إن قناة كوزاك- نولاند يمكن أن تكون كثيرة الجدوى على مسار عملية التفاوض بشأن قضايا منطقة الدونباس في جنوب شرقي أوكرانيا، سواء على مستوى مجموعة الاتصال مع منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، أو على مستوى العلاقات الثنائية الروسية الأميركية. وحتى ذلك الحين، تظل الأنظار مشدودة إلى موسكو، في انتظار ما يمكن أن تسفر عنه مباحثات نولاند في العاصمة الروسية قبل مغادرتها غداً، قاصدة بيروت ومنها إلى لندن. 

المزيد من تقارير