Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متحف متروبوليتان يفتح أبواب السوريالية على تجلياتها العالمية

معرض يضم أعمالا من 45 بلدا ويقترح قراءة شاملة للحركة التي أحدثت ثورة عصرية

"البحر" لوحة للرسام السوريالي كوغا هارو يومي (الخدمة الإعلامية للمعرض)

على خلاف الحركات الطلائعية التي عرفها القرن العشرين، وبقيت محصورة في جغرافيا وزمن محددين، اتسمت السوريالية، منذ ولادتها في باريس عام 1924، بطابع دولي ولا زمني خسفته الدراسات النقدية والأكاديمية والمعارض التي حظيت بها، عبر مقاربتها غالباً كحركة أوروبية فقط انتهت مع وفاة رائدها أندريه بروتون، وإهمالها المجموعات والأفراد من سائر أنحاء المعمورة الذين انتموا بشكل صريح إليها أو داروا في فلكها، وشكلوا بالتالي جزءاً لا يتجزأ من نواتها المشعة. من هنا أهمية المعرض الضخم الذي ينظمه حالياً متحف "متروبوليتان" في نيويورك تحت عنوان "السوريالية أبعد من الحدود"، ويعيد منظموه قراءة هذه الحركة خارج الحدود الجغرافية والزمنية التي فُرِضت عليها، مقدمين إياها بوصفها مجموعة لا تحصى من الشبكات التي تمتد من أوروبا الشرقية إلى منطقة البحر الكاريبي، ومن آسيا، والشرق الأوسط تحديداً، إلى شمال أفريقيا، ومن أستراليا إلى أميركا اللاتينية. تقديم يرتكز على مخطوطات وأعمال وقطع فنية مختلفة تم إنتاجها في أكثر من 45 بلداً على مدى ثمانية عقود، من أجل اقتراح تقييم جديد لبعض الاهتمامات والتبادلات السوريالية الجماعية، للخصوصيات التاريخية، الوطنية والمحلية، وبالنتيجة لهوية حركة لم يعرف التاريخ مثلها في جانبيها الثوري والدولي.

فضاءات عالمية

ومن خلال هذا التقديم، تسقط النظرة الخاطئة والشائعة للسوريالية ككتلة متجانسة وجامدة في قوانينها، إذ تتراءى في كل ديناميكيتها كحركة سمحت - وما تزال - للفنانين بتخيل العالم أبعد من وضعهم الفني والثقافي والاجتماعي والسياسي الخاص. معرض في غاية الأهمية إذاً، لا يفتح فقط حقل الدراسات السوريالية من جديد، بل يثير أسئلة أوسع حول مفهوم الحداثة نفسها. وبدلاً من اعتماد منظميه مقاربة عامة فيه، يقترحون على زواره سردية مفصلة لتاريخ السوريالية تتناول الفضاءات المحلية التي دخلتها وظروفها الثقافية والتاريخية والجيوسياسية الخاصة، وتنير فيض التأثيرات المتقاطعة لوجوهها عبر العالم.

ولا شك في أن حيوية هذه الحركة، وسفرها وتطورها من مكان إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، وتفجيرها الحدود الوطنية بغية توحيد الأفكار والأفراد وفتح الطريق لاندفاعها الثوري المحرر، كل هذه الأشياء هي التي جعلت منظمي المعرض يختارون كفاتحة له عملاً مهماً للشاعر العراقي السوريالي عبد القادر الجنابي، ونقصد جواز سفره العراقي الشهير. فلأنه "من المفترض بوثيقة السفر، من وجهة نظر مثالية، أن تكسر الحدود، لا أن تقيم حدوداً أخرى عصية أمام ملايين المهاجرين"، ولأن الجنابي اختبر شخصياً حقيقة أن جوازه شكل "وثيقة طرد، لا سماح بالمرور"، عزم عام 1981 على "تنفيذ انتقام شخصي صغير - لكن شعري - من فكرة الجواز" عبر تحويل جوازه إلى "وثيقة فنية لمتعة العين". كيف؟ عبر دعوته "الأصدقاء وعابري السبيل والغرباء في الحانات إلى إصدار ما يحلو لهم من تأشيرات دخول إلى بلدان يتخيلونها هم، وختم الجواز على هواهم". فمحضه فنانون وشعراء وفلاسفة من أماكن قصية سمات دخول بلا قيد، نذكر منها ما كتبه الشاعر اللبناني أنسي الحاج له داخل الجواز: "نداء إلى جميع المخافر والعساكر: حذار أن تقبضوا على عبد القادر الجنابي لأنه سيحرركم".

تلفون سلفادور دالي

ولأن السوريالية تمنح الأولوية للاوعي والحلم فتقدمهما على المألوف واليومي، وغالباً ما أثمرت أعمالاً شعرية بحس دعابي، يحضر في المعرض عدد من هذه الأعمال، كجهاز التليفون الشهير الذي استبدل سلفادور دالي سماعته بسلطعون، أو قطار رنيه ماغريت الصغير الذي يخرج من مدفأة. لكن خطاب المعرض يتركز على كيفية استثمار فنانين من العالم أجمع مبادئ السوريالية كسلاح جدي وناجع في نضالهم من أجل الحرية السياسية والاجتماعية والشخصية. وفي هذا السياق، تعكس المسارات الحيوية العابرة للحدود والهويات داخله ليس فقط اهتماماتهم المشتركة والخاصة، بل أيضاً الظروف التي عاشوا ونشطوا فيها.

ومن خلال الأعمال المختارة التي تتوزع على 14 صالة، يستكشف المعرض هذه الاهتمامات والظروف عبر تسليطه الضوء على مناطق محددة من العالم شهدت تقاطراً وتبادلاً في الأفكار والقيم السوريالية. يتفحص أيضاً بعضاً من الأحداث والظروف التي أثرت على تطور السوريالية، مثل سعي شعوب "العالم الثالث" وراء الاستقلال، ديمومة الاستعمار، وتجارب المنفى والتهجير الناتجة من الصراعات الدولية. أما السردية المعتمدة فيه فتتجاوز في عدم احترامها أي تسلسل زمني السرديات التقليدية السابقة، من أجل رسم خريطة للعالم خلال الحقبة السوريالية على شكل شبكة مترابطة تتجلى داخلها حيوات وأماكن جمعتها الإمكانات التي وفرتها هذه الحركة.

ومن الصالات الـ14، رُصدت ثمان لمقاربة بمنظور جغرافي وزمني جديد وواسع موضوعات مألوفة مرتبطة بالسوريالية واستكشافها للاوعي. ففي الصالة التي تحمل عنوان "عمل الأحلام"، تجاور لوحة ماكس أرنست الشهيرة "طفلان خائفان من عندليب" (1924) لوحة "لاندرو في الفندق" (1932) الأقل شهرة للأرجنتيني أنطونيو بيرني، ولوحة "رحلة الرهبة والبهجة الليلية" (1964) التي رسمها الإثيوبي سكوندر بوغوسيان إثر اكتشافه لوحات ويلفريدو لام وروبرتو ماتا التي ألهمته وسيلة لصهر تجربته للشتات الإفريقي مع السوريالية. وفي الصالة التي تحمل عنوان "أجساد الرغبة"، تم التركيز على الرابط بين اللاوعي وموضوع الحب والهوس الإيروسي، من خلال أعمال مختلفة، نذكر منها صور هانز بلمر المعروفة التي عرى فيها رغبات الرجال المعقدة ونظرتهم لجسد المرأة، ولوحة البريطانية إيثيل كولكوهون، "سيلا" (1938)، التي دشنت فيها صورية متحولة للإروسية تستحضر جسد المرأة ورغباته وأحاسيسه من منظور نسائي، وصور السريلانكي ليونيل ويند التي أسقط فيها على أجساد سوداء إيروسية مثلية.

سوريالية مصرية

وإلى جانب التعمق في الموضوعات المألوفة، يتوقف المعرض في صالات خمس عند عدد من الأماكن التي تقاطر إليها فنانون وتبادلوا فيها أفكاراً حول السوريالية، مثل باريس طبعاً، ولكن أيضاً القاهرة مع مجموعة "الفن والحرية" الغنية عن التعريف، وجزر هايتي ومارتينيك وكوبا وبورتوريكو، ومكسيكو وشيكاغو حيث شكلت السوريالية أداة لنضال سياسي راديكالي. ومن خلال أعمال لفنانين مجهولين، مثل صور الكوري الجنوبي ليمب أونغ سيك وفيلم للتشيكي دوسان ماريك، نستشف الطرق المتنوعة التي تم فيها تبني السوريالية في مختلف أنحاء العالم.

ولا يهمل المعرض الظروف السياسية والاجتماعية التي كان لها تأثير على الفنانين وارتباطهم بالسوريالية، كأثر تكنولوجيا القرن العشرين والتطور الاجتماعي، ونتائج الاستعمار والعنصرية والاضطهاد. فالصالة التي تحمل عنوان "تحت الضغط"، على سبيل المثال، تتضمن أمثلة على كيفية تعامل هؤلاء الفنانين مع الرقابة والتهديد بالقمع في بلدانهم، أبرزها الصور الفوتوغرافية المجهولة لسيسيليا بوراس وإنريكي غرو اللذين تحديا في سرديات صورهما الانتهاكية الأعراف الاجتماعية المحافظة في كولومبيا خلال الخمسينيات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولأن الفنانين الذي ارتبطوا بالسوريالية اعتمدوا بشكل رئيس على المجلات لتبادل الأفكار وتوسيع شبكاتهم خارج الحدود الوطنية، ولم شمل الأشخاص الذين يشاركونهم أفكارهم والمشتتين جغرافياً، يتضمن المعرض عدداً منها، كمجلة "ييفينغ" التي أصدرتها مجموعة "آرت ويند" السوريالية في شنغهاي عام 1935، و"من الصفر" التي صدرت في بوينس أيرس بين عامي 1952 و1956، و"تروبيك" التي أصدرها شاعر الزنوجة إيميه سيزير في فور دو فرانس بين عامي 1941 و1944، و"الانتفاضة السوريالية" التي صدرت في شيكاغو بين عامي 1968 و1972.

وإذ لا مجال هنا لمقاربة مختلف جوانب ثراء هذا المعرض، نتوقف أخيراً عند العمل المدهش الذي أنجزه بتقنية "الجثة اللذيذة" الشاعر والرسام والموسيقي الأميركي الأسوَد تد جونس، "مسافة طويلة"، وأسهم فيه 132 فناناً وشاعراً من مختلف أنحاء العالم. عمل يتوسط المعرض ويعكس بطبيعته هوية صاحبه التي قولبها ترحاله الثابت. فبالنسبة إلى جونس، السفر هو التخلي عما كان يعتبره قيوداً وطنية ولغوية وثقافية، وبالتالي عن حدود يمكن أن تفرض قيوداً مصطنعة، وأحياناً عنيفة، على الحرية، كالعنصرية التي عانى منها في وطنه. وفي هذا السياق، يعكس قوله "الجاز ديني والسوريالية وجهة نظري" أسلوب الحياة الحر والجوال الذي تبناه أثناء ترحاله عبر أميركا الشمالية والوسطى، وأفريقيا الشمالية والغربية، وأوروبا. سفر لم يوفر له الحرية فقط، بل طائفة من الأصدقاء والعلاقات، كما تشهد على ذلك أعمال جماعية عديدة يقف خلفها، أبرزها "مسافة طويلة" الذي بدأه عام 1976 ورافقه على مدى ثلاثين عاماً أثناء تجوله بين لندن ولاغوس وداكار ومراكش ونيويورك وروما وبرلين ومكسيكو وتورونتو وباريس...

المزيد من ثقافة