Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تستخدم روسيا سلاح الطاقة مع أوروبا؟

عوامل كثيرة تدفع الأسعار لأعلى غير اتهام موسكو بالضغط على القارة العجوز

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ينفي تدخل موسكو رفع أسعار الطاقة  (أ ف ب)

استقرت أسعار الغاز بنهاية الأسبوع، بخاصة بعد تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي لمح فيها إلى احتمال زيادة إمدادات الغاز الروسية إلى أوروبا. مع ذلك، تظل أسعاره، بخاصة في تعاقدات الشراء الفورية، مرتفعة بشكل غير مسبوق. وزادت وتيرة الزيادة منذ أغسطس (آب) الماضي مع نقص الاحتياطيات في مخزونات الغاز إثر السحب الهائل منها في فصل الشتاء السابق الذي جاء أكثر برودةً في نصف الكرة الأرضية الشمالي.

وواكبت الزيادة في الطلب نقصاً في العرض مع تعطل بعض الإنتاج خلال عام وباء كورونا، واستمرار الاختناق في جانب العرض بالسوق. وكانت أسعار الغاز الطبيعي قد وصلت، الأربعاء الماضي، إلى مستوى غير مسبوق بزيادة نحو 600 في المئة عما كانت عليه بداية هذا العام في أسواق أوروبا، بينما ارتفعت في الأسواق الأميركية إلى مستوى لم تشهده منذ نحو 12 عاماً.

ويؤدي الارتفاع في أسعار الغاز الطبيعي إلى زيادة أسعار الجملة للطاقة الكهربائية، التي يتم توليد أغلبها من محطات تعمل به. كما ارتفعت أسعار الفحم في السوق، مع زيادة الطلب من آسيا، وأيضاً من بعض دول أوروبا على الفحم لتشغيل محطات طاقة تعمل به على الرغم من أنه أكثر تلوثاً للبيئة، وتزيد انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون منه بمراحل عن الانبعاثات من مصادر الوقود الأخرى. وتعد انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون من الأسباب الرئيسة للتغيرات المناخية التي تحاول دول العالم مكافحتها.

ومع صعود أسعار الغاز الطبيعي ارتفعت معها نظيرتها للنفط الخام كذلك لتضيف هذا الأسبوع 4 في المئة. ووصلت أسعار خام برنت في إحدى مراحل التعامل خلال الأسبوع المنتهي، الجمعة، إلى ما فوق 83 دولاراً للبرميل، قبل أن تعود وتستقر عند نحو 82 دولاراً للبرميل.

سوق الغاز الطبيعي

على الرغم من أن منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) وشركاءها في تحالف "أوبك+" ملتزمون بخطة تقليل خفض الإنتاج، أي ضخ مزيد من النفط في السوق بشكل تدريجي، فإن معادل العرض والطلب في سوق الطاقة إجمالاً تتجه نحو الضغط على الأسعار صعوداً. ويعود ذلك إلى زيادة الطلب العالمي في فترة التعافي الاقتصادي ما بعد أزمة وباء كورونا منذ الربع الأول من هذا العام. في الوقت الذي لم يشهد فيه جانب العرض ضخ استثمارات كبيرة أو تطوير إنتاج خلال فترة الوباء لأسباب تتعلق بحالة الإغلاق التي شهدها العالم للوقاية من فيروس كورونا والحد من انتشاره.

لكن، تظل سوق الغاز الطبيعي الأشد تأثراً منذ مطلع هذا العام. كما أن احتمالات زيادة الطلب على الغاز والكهرباء في الأسابيع المقبلة نتيجة دخول فصل الشتاء وتوقعات بأن يشهد برودة شديدة وهطول ثلوج تزيد الطلب أكثر على الغاز والكهرباء. وتتأثر أسواق أوروبا أيضاً بزيادة الطلب الآسيوي على الغاز الطبيعي، بخاصة المسال في الشحنات على الناقلات. وتتجه أغلبها إلى الصين، التي تحاول تلبية احتياجاتها من الطاقة حتى لو رفعت الأسعار عن منافسيها.

وتنقل وكالة "رويترز" عن جون كيلدوف من "آغين كابيتال" قوله، "الخلفية الأساسية في السوق الآن هي نقص الإمدادات، الذي سيستمر في دفع الأسعار للأعلى أكثر"، لكن نقص الإمدادت يعود إلى عوامل سابقة على الأزمة الحالية، ومنها بالأساس أن المنتجين يقومون بملء احتياطيات تخزين الغاز تحت الأرض التي تم السحب منها بكثافة في عام الوباء وفصل الشتاء الأخير".

 

سياسة أم سوق؟

هناك عوامل أساسية إذاً في السوق، بخاصة معادلة العرض والطلب، التي تدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، لكن لحساسية لطاقة في حياة البشر، لا يخلو الأمر من السياسة. كما أن الأسواق، والمتعاملين في عقود النفط والغاز يضاربون أحياناً على أساس "عوامل نفسية" تتداخل فيها السياسة مع عوامل السوق.

وتصدرت أوكرانيا وبولندا الدول الأوروبية التي اتهمت روسيا باستخدام الغاز كسلاح ضغط سياسي على أوروبا. وترددت مجدداً التحذيرات الأميركية لدول الاتحاد الأوروبي بأنها تضع نفسها "رهينة" لروسيا باعتمادها على إمدادت الغاز الروسية.

لكن المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بسكوف، نفى أي تدخل روسي يؤدي إلى رفع الأسعار، وقال لصحافيين في موسكو، "لا دور لروسيا إطلاقاً في كل ما يحدث في سوق الغاز الطبيعي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، فاستغل كلمة له في اجتماع حكومي، الأربعاء، لتأكيد هذا النفي، مشيراً إلى أن دول الاتحاد الأوروبي، التي تستورد نحو 90 في المئة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، فضلت الشراء الفوري على التعاقدات طويلة الأجل لإمدادات الغاز. وقال، "دعونا نفكر في احتمال زيادة الإمدادات في السوق. فقط علينا أن نفعل ذلك بحرص، وأن نتناقش مع (غازبروم) ونتفق على ما نفعل. هذه المضاربة الجنونية لا تفيدنا إطلاقاً".

وكان نائب رئيس شركة "غازبروم" الروسية، وهي مورد رئيس للغاز الطبيعي إلى أوروبا، قد قال، "إن الشركة تواصل ضخ الغاز في مواقع التخزين تحت الأرض لزيادة الاحتياطيات، وإن الشركة الروسية تضع السوق المحلية أولوية على التصدير، بخاصة مع توقع شتاء روسي أكثر برودة وهطولاً للثلوج".

لكن تصريحات الرئيس بوتين طمأنت الأسواق إلى حد كبير. كما أن تصريحات للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أكدت عوامل السوق هذه، نافية استخدام الروس لسلاح الغاز. وقالت إنه "ليس صحيحاً" أن روسيا تخلفت عن توريد إمدادات غاز متعاقد عليها.

وأضافت المستشارة الألمانية، "روسيا تضخ إمدادات الغاز طبقاً للتعاقدات المسبقة. علينا أن نسأل أنفسنا إذا كنا طلبنا ما يكفي في تعاقداتنا. وربما يكون ارتفاع الأسعار الآن ناتجاً عن وضع أننا لم نطلب ما يكفي منه". يذكر أن النرويج، التي توفر إمدادات الغاز الأكبر في أوروبا أعلنت قبل أيام أن الإمدادات قد تشهد تراجعاً يصل إلى نحو 60 في المئة مقابل الزيادة في الطلب.

تخويف وسياسة

مع ذلك، وعلى الرغم مما يبدو من منطقية عوامل السوق كسبب رئيس لارتفاع الأسعار، يشكك كثيرون في النوايا الروسية، بخاصة أن روسيا بحاجة إلى تصديق رسمي أوروبي سريع على خط أنابيب الغاز الطبيعي "نوردستريم2" لتوصيل الغاز الروسي إلى ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى. وتحمل عناوين وسائل الإعلام الغربية تخويفاً من فصل شتاء قارس ليس فيه ما يكفي من الطاقة. ويتهم نواب في البرلمان الأوروبي روسيا بتعمد الضغط على أوروبا لتسارع بإقرار خط الأنابيب.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، "أعتقد أنه علينا أن نكون واضحين بأن أسعار الغاز الطبيعي ترتفع بشكل صاروخي". وطالبت بالتركيز على الطاقة المتجددة، مشيرة إلى أن روسيا "لم تلتزم بزيادة الإمدادات مثلما فعلت النرويج".

أما مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، كادري سيمسون، فقال، "لا شك أن علينا اتخاذ إجراءات تتعلق بسياسات الطاقة". ويقترح البعض أن تعمل بريطانيا على تنويع مصادر الطاقة لتقليل الاعتماد على الإمدادات الروسية.

وبدأت بعض دول الاتحاد الأوروبي بالفعل في إعادة مخصصات دعم الطاقة لتخفيف عبء ارتفاع الأسعار عن كاهل مواطنيها، والمحتمل أن تزيد أكثر في شهور الشتاء المقبلة.

المزيد من البترول والغاز