الاقتصاد الانتقالي لا يكتفي بالاستغلال بل يشمل التمييز الجنسي

القواعد المتعلقة بالتبليغ عن التباين في الأجور بين الجنسين لا تشمل عمال الوكالات أو المتعاقدين أو العاملين المستقلين، ما يعني أن أكثر الحالات إجحافا تمر ولا يلتفت أحد إليها

أنجز عملك وامض لا ضمانات ولا تقاعد ولا إجازات. تلك هي خلاصة الاقتصاد الانتقالي  وهو يميّز ضد المرأة أيضاً (أ.ف.ب.)

بينما تنشغل رئيسة الوزراء بتقليب البلاد على جمر صفقة بريكست التي لم تسمح لنا بالتصويت عليها، فإن نيران الظلم الذي سلطت تيريزا ماي الضوءَ عليه عندما دخلت إلى "دوانينغ ستريت" (مقر الحكومة) ما زالت مستعرة.

لنأخذ نشاطات الاقتصاد الانتقالي او الاقتصاد الموقت المعروف بـ "gig economy" مثلاً. لقد أعلن "معهد الدراسات المالية" في وقت سابق من هذا الأسبوع مراجعة لموضوع عدم المساواة، فانتهزت الفرصة شركة "إي تي زد بايمنتس" ETZ Payments المتخصصة في تقديم برامج كومبيوتر إدارية إلى شركات التوظيف، كي تسلط الضوء على معاناة موظفاتها تفاوتاً أساسيّاً في الأجور بالمقارنة مع نظرائهن من الذكور. وجرى بحث حديث في تلك القضية مِنْ قِبَلْ "مجلس اتحاد الحِرَف" في عام 2017 كجزء من تقرير حول العمل غير الآمن. ووجد أن المرأة العاملة في المؤسسات، أو عن طريق التعاقد الموقت في الـ " gig economy "،  تتقاضى أجراً أسبوعياً يقلّ في المتوسط بـ 80 جنيهاً استرلينياً عن نظرائها من الرجال.

وبات من المعروف أن العاملات غالباً ما يقعن ضحية الاستغلال والتمييز في مكان العمل.

ولربما من غير المُفاجئ حقيقة أن هذا الأمر يحدث في قطاع من سوق العمل يتعرض جميع العاملين فيه للاستغلال وسوء المعاملة والاستبدال من دون سابق إنذار.

وعلى الرغم من أن دوافع شركة "إي تي زد" في إثارة تلك القضية لم تكن صافية تماماً (إذ كانت تسعى للترويج إلى برنامج كومبيوتر عن المدفوعات تتولى بيعه) ، فإن الرسالة وصلت بشكل جيد.

على كل حال، ربما تمكنتم الآن من تحديد الخلل في كلام الشركة. تعود أرقام "مجلس اتحاد الحِرف" إلى عام 2017 ووصلنا الآن إلى منتصف عام 2019 تقريباً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هناك نقص في البيانات الرسمية المُحدّثة. وعلى الرغم من أن الحكومة أرست نظام التبليغ عن الفجوة بين الجنسين في الأجور السنوية في الشركات التي يزيد عدد موظفيها عن 250 موظفاً، إلا أن قواعده لا تشمل عمّال الوكالات أو المتعاقدين أو العاملين المستقلين. إذ تُطالب الشركات بمجرد نشر البيانات المتعلقة بالأشخاص الذين جرى توظيفهم مباشرة على أساس دوام كامل.

وبحسب تلك الطريقة، فإن البيانات المقدمة من شركة "أوبر" لسيارات الأجرة أو "ديليفرو" لتوصيل الطعام، تغطي العاملين بشكل مباشر في المكتب الرئيسي، والتقنيين، والمسؤولين الإداريين، والمدراء، والمحاسبين، والمسوّقين وما إلى ذلك، لكنها لا تشمل السائقين وعمال التوصيل الخاصين بها، الذين لا يُعتبرون موظفين، على الرغم من حقيقة أنهم الدعامة الأساسيّة لتلك الأعمال.

لا ندري ما الذي يحصل معهم. لكن أصدقاءً لي في"مجلس اتحاد الحِرَف" لفتوا انتباهي إلى بحث صدر في الولايات المتحدة ويعطي فكرة عن المشكلة التي تفتقر إليها الأرقام الرسمية.

إذ حددت دراسة أجرتها "جامعة ستانفورد" عن سائقي "أوبر" في أميركا، نُشرت قبل شهرين، أن الفجوة بين ما يكسبه العمال الذكور والإناث تصل إلى 7 في المئة تقريباً.

يعد التبليغ عن الفجوة في الأجور بين الجنسين مثالاً نادراً لسياسة جيدة وضعتها الحكومة الحالية. ولكن، نظراً للحجم الكبير للاقتصاد الانتقالي ونموه والمشاكل التي يسببها، فإن هذه السياسة باتت في حاجة إلى تحديث.

يجب التوسّع بها بشكل مُستعجل، في الأقل بسبب التأثير المفيد الذي يمكن أن تحدثه في كل مناحي الاقتصاد الانتقالي.

في مقال كتبته هانا سميث في "الإندبندنت" وتزامن مع نشر "مجلس اتحاد الحِرَف" تقريره، حُدّد عدد من الأسباب التي تقف وراء حصول العاملات المستقّلات، أو العاملات بشكل مؤقت في الـ "gig economy " ، على دخل أقل في مختلف الوظائف ضمن مجموعة واسعة من الصناعات. في بعض الأحيان، يكون السبب ضعف الثقة بالنفس لطلب زيادة في الأجر، وأحياناً يكون ذلك نتيجة لضغط من "صاحب العمل".

حان الوقت لقلب ذلك الوضع رأساً على عقب. وقد أسفر الضغط على أرباب العمل التقليديين الذي أحدثته التبليغات عن تباين الأجور وفقاً للجنس، عن بعض النتائج المفيدة. إذ تبنّى عدد من المُشغِّلين برامج تهدف إلى محاولة معالجة القضايا التي أدّت إلى حالات عدم التوازن في الأجور بين الجنسين التي جرى التبليغ عنها، مثل الافتقار الصارخ في بعض الأحيان إلى وجود نساء في مناصب ذات أجور مرتفعة.

قد يكون لنفس الضغط الأثر ذاته على ممارسات في الأنواع الجديدة من الشركات التي بنت أعمالها التجارية على ظهور العمال المؤقتين والعاملين المستقلين والأنواع الأخرى من العاملين غير المتمتعين بأمان وظيفيّاً.

يحتاج الاقتصاد الذي يعتمد على عمل مؤقت من دون عقود او ما يعرف بالـ " gig economy "  بالعموم إلى هزّة كبرى. إذ يستغل بلا رحمة العمال الذين يتمتعون بحقوق قليلة وقد يجدون أنفسهم يحصّلون دخولاً أقل من الحد الأدنى للأجور مع عدم تمتعهم بالإجازات المرضية أو العطلات المدفوعة أو المعاشات التقاعدية التي يعتبرها الموظفون التقليديون أموراً مفروغة منها.

تؤكد الحكومة أنها تريد معالجة موضوع عدم المساواة، لكن الفجوة في الأجور بين الجنسين التي يبدو أنها موجودة، إضافة إلى تلك القضايا، تؤكد بشدة الحاجة إلى الإصلاح، وتفضح فشل الحكومة في تحقيقه.

© The Independent

المزيد من اقتصاد