Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاقتصاد العراقي... الغائب الحاضر في البرامج الانتخابية

خطط للإصلاح تفتقر إلى التطبيق على أرض الواقع

عانى العراق خلال العقود الماضية غياب الخطط الاستراتيجية للنهوض مجدداً بواقع الاقتصاد الذي أنهكته الظروف الأمنية والسياسية وتفشي الفساد في جميع مفاصل الدولة العراقية. وعلى الرغم من تقديم غالبية الحكومات المتعاقبة بعد 2003 خططاً لإصلاح واقع الاقتصاد، فإنها تفتقر إلى التطبيق على أرض الواقع، حيث بات الاقتصاد منذ سنوات طويلة يعتمد على الاستيراد بالدرجة الأولى، على الرغم من أن البلاد تمتلك مقومات هائلة للنهوض بواقع اقتصاده.

وفي كل دورة انتخابية يقدم الكثير من مرشحي الكتل برامج انتخابية تتضمن فقرات عن الاقتصاد وكيفية النهوض به، وتلامس شريحة الفقراء والطبقات المتوسطة وأصحاب الدخل المحدود، إلا أنها لم تنجز منه إلا الشيء القليل جداً، متعمدةً بذلك الحشد الجماهيري لانتخاب مرشحيهم، حيث يعد الاقتصاد الغائب على أرض الواقع والحاضر في البرامج الانتخابية.

75 في المئة من مطالب الشعب تُحل بواسطة الاقتصاد

يقول المتخصص في الاقتصاد الدولي، نوار السعدي، إن "90 في المئة من الشعب العراقي ترى أن هذه الانتخابات لن تغير من الواقع شيئاً، والسبب هو أن هذه الانتخابات جاءت بفعل احتجاجات تشرين عام 2019، والتي طالبت بأربعة مطالب رئيسة هي: عدالة، كرامة، عمل، حرية، الثلاثة الأولى من هذه المطالب يعالجها الاقتصاد، والمطلب الأخير تعالجه السياسة".

ويتابع، "نستنتج من هذا أن 75 في المئة من مطالب الشعب العراقي تحل بواسطة الاقتصاد، لكن للأسف الشديد، ومن خلال متابعة البرامج الانتخابية للعديد من المرشحين، نكتشف أنها مجرد تحشيد للناس من خلال دفع المقترعين إما للحصول على وظائف أو امتيازات، وإما التصويت لأقرباء أو لأحد من عشيرتهم، أو تخدير الناس من خلال الوعود العشوائية، مثل بعض المرشحين الذين يوعدون الناس بتوزيع أموال من حصص النفط على كل فرد عراقي، وهنا تستنتج أن هذا المرشح ليس لديه أي فكرة عن الاقتصاد العراقي الذي يتحمل ديوناً تصل إلى أكثر من 150 مليار دولار، وأن إيرادات النفط لا تكفي لسد العجز والرواتب التشغيلية، لذا فإن الاقتصاد يأتي في مرتبة لاحقة بعد ملفات مثل الخدمات، والأمن، والانتماء السياسي، وحتى ملفات فئوية مثل التعيينات، وغيرها".

يضيف، "من خلال تركيز غالبية الدعايات للمرشحين في برامجهم السياسية على الانتماءات السياسية أولاً، وبعدها الوعود الفئوية، والأمن، قبل الوعود المتعلقة بالاقتصاد، لذا يجب أن يكون الملف الاقتصادي على رأس قائمة الملفات الانتخابية لمرشحي مجلس النواب المقبل، لتدارك خطورة خط الفقر المتعاظم، والبطالة المتزايدة، وزيادة الموازنات التشغيلية على حساب الاستثمار".

ويوضح السعدي، "هي ملفات عاجلة ومؤثرة، يجب الانتباه إليها بشكل كبير والأخذ بها على محمل الجد، حيث كنا نأمل أن يتكون مجلس النواب المقبل بالكامل من الاقتصاديين والإداريين لمعالجة مشاكل اقتصادية طال بها الزمن حتى تجذرت، حيث لا توجد صناعة فعلية، ولا بنى تحتية للاثنين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتساءل المتخصص في المجال الاقتصادي، "لا أعرف كيف سيعيش العراقيون في حال ضعف أو اختفى الطلب العالمي على النفط، كما هو متوقع في العقود المقبلة مع دخول الطاقة النظيفة في الخدمة فعلياً، وأحد أهم المؤشرات على هذا الكلام، ما حصل بعد انخفاض النفط في بداية أزمة كورونا، حيث أصبح انهيار الاقتصاد العراقي حتمياً، لولا أن ارتفاع أسعار النفط خلال الآونة الأخيرة أعطى جرعة من الأوكسجين للاقتصاد العراقي المنهك".

وقال السعدي، "يجب أن تركز الحكومة المقبلة بشكل كبير على إيجاد بدائل اقتصادية، والإعداد لمرحلة ما بعد النفط، وليس فقط كلام استهلاكي غير قابل على التطبيق على أرض الواقع".

نحو مستقبل اقتصادي وسياسي مجهول

من جهة ثانية، يقول نبيل جبار العلي، الباحث في الشأن السياسي والاقتصادي، "من المؤسف جداً أن نفتقد وجود برامج انتخابية تتعلق بالإصلاحات الاقتصادية، في بلد نتفق فيه جميعاً على ضرورة إجراء إصلاحات اقتصادية موسعة به، تعيد للدولة ترتيب مواردها المالية، وترتب أولوياتها في عملية الإنفاق، لينتفع بها المواطن العراقي، ولتعيد تنظيم العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وتدفع بعجلة النمو والتقدم، بل الأغرب من ذلك، افتقدنا حتى تلك البرامج الانتخابية المتشابهة والمكررة التي تتبناها التحالفات في كل جولة انتخابية، واستبدلت اليوم ببرامج الحث للانتخاب العشائري، أو اتباع الرمزيات والأيقونات السياسية".

وبحسب العلي الذي أشار في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، "مخاطر ذلك هي أننا أمام مستقبل اقتصادي وسياسي مجهول، لن يكون مخططاً له بفعل اختيارنا المشروع السياسي والاقتصادي، ولن يتعدى كوننا مشجعين لفرق سياسية في دوري محلي وفي ملعب متهالك".

غياب الاهتمام بالشخصيات الأكاديمية الكفؤة

أما المحلل إيفان شاكر فقد ذكر بأن "الطبقة السياسية الحالية تعتمد في برامجها الانتخابية على شخصيات لها ثقل عشائري أو طائفي أو مناطقي من أجل كسب الأصوات، لذلك لا تهتم بالشخصيات الأكاديمية الكفؤة، وليست في حساباتهم، وكذلك بسبب الفجوة في الأيديولوجية الفكرية لبناء الدولة بين الطبقة السياسية الحاكمة الفاسدة والشخصيات الاقتصادية الكفؤة، والتي تأمل في نهوض الاقتصاد العراقي".

ويتابع، "نرى هشاشة كبيرة في الفكر الاقتصادي لدى غالبية المرشحين في برامجهم الانتخابية، لأنهم ليسوا أهل الاختصاص".

موقعها إنشائي لا أكثر

بيد أن الباحث السياسي، علي البيدر، عزا ذلك إلى "العقلية السياسية للزعماء السياسيين في العراق"، مبيناً أنهم "لا يدركون أهمية ومكانة المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية التي تسهم في تطوير البلاد، وتركيزهم منصب على مواضيع سطحية في الجانب الاقتصادي بسبب ضعف الوعي، وكذلك عدم إدراك الجمهور لقيمة تلك المشاريع وتفاعلهم معها، حتى عندما يتم وضع الجوانب الاقتصادية في للبرامج الانتخابية فسيكون موقعها إنشائياً لا أكثر".

ويضيف، "لم تتم الاستعانة بشخصيات أكاديمية في الجانب الاقتصادي تخطط لمشاريع حيوية، كما أن ذهنية الزعامة السياسية أو المطبخ السياسي داخل الأحزاب الانتخابية لا تحبذ اقتراب الشخصيات الأكاديمية بشكل عام، كون تلك الشخصيات لا يمكن أن تقبل بما هو غير منطقي أو حقيقي، فيما تكون عقلية الزعيم السياسة ميالة إلى الديكتاتورية إلى حد كبير، وهذا ما جعل مواقفهم سلطوية غير قابلة للنقاش".

المزيد من العالم العربي