Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"وثائق باندورا": عائلة كينياتا في كينيا راكمت ثروات على مدى عقود

شبكة سرية من الشركات تملك إحداها أصولاً بقيمة 30 مليون دولار

الرئيس الكيني أوهورو كينياتا (أ ف ب)

ورد اسم الرئيس الكيني أوهورو كينياتا ضمن "وثائق باندورا" على أنه يمتلك مع عائلته حسابات وأصولاً خارجية وشبكة شركات سرية تبلغ قيمتها عشرات الملايين من الدولارات، وقيمت إحداها على أنها تمتلك أصولاً بقيمة 30 مليون دولار. 

وتمثل هذه الثروة جزءاً من ثروة عائلية تُقدر بنصف مليار دولار. وكتب ويل فيتزجيبون، في موقع شبكة الصحافيين الاستقصائيين الدوليين، وهي مصدر الوثائق، أن "أسرة كينياتا بدأت تجميع كثير من ثروتها الخارجية، بينما كان أوهورو كينياتا نجماً سياسياً صاعداً، إذ تم إنشاء شركتين أوفشور خلال تحقيق في مزاعم نهب للخزانة العامة أثناء حكم الرئيس دانيال أراب موي، الراعي السياسي السابق لكينياتا".

ظهرت هذه التسريبات في الوقت الذي يرفع فيه كينياتا راية محاربة الفساد، فسارع على الفور إلى إصدار تصريح رسمي ذكر فيه أنه سيرد بشكل كامل على الاتهامات عندما يعود إلى بلاده من جولة خارجية. وقال إن "عمليات المتابعة سترفع حجاب السرية عن أولئك الذين لا يستطيعون شرح مصدر أصولهم وثرواتهم"، مشيراً إلى بعض الملاحقين في عمليات فساد من مسؤولين حكوميين ونافذين في كينيا، محاولاً إبعاد التهمة عنه. 

وتحكم عائلة كينياتا منذ عقود كينيا، التي تُصنف كإحدى أكبر الاقتصادات في أفريقيا، بينما يتفشى الفقر في جنبات البلاد. وبعد نشر هذه الوثائق، تندر الكينيون بمقولة ساخرة هي "أن أوهورو كينياتا لا يحتاج لأن يفسد، لأن والده لم يترك في كينيا شيئاً يُسرق".  

الرمح المحترق

كينياتا هو الرئيس الرابع لكينيا، وهو ابن أول رئيس لها وزعيم استقلالها البارز، وسليل عائلة تنتمي إلى قبيلة الكيكويو المهيمنة التي أخذ منها الأب اسمه (جومو)، وتعني "الرمح المحترق". ويعتز أوهورو بهذا التعريف لوالده، كما يحتفظ بـ"حزام الخرزة" الذي يرتديه غالباً. وعلى المستوى الشخصي، استطاع بعد مواجهته اتهامات أمام المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب أعمال عنف عام 2007 وتبرئته عام 2014، أن يسلك سلوكاً ودوداً مع شعبه.

وتُعد قبيلة الكيكويو ذات ثقل سكاني ونفوذ سياسي واقتصادي واسع، وهي إحدى أكبر القبائل وأكثر الجماعات العرقية انتشاراً فى كينيا، وتضم أكثر من 47 قبيلة، حيث يصل عدد الكيكويو إلى أكثر من 9 ملايين شخص، أي حوالى 22 في المئة من إجمالي عدد السكان، وفقاً لإحصاءات نُشرت عام 2014. واشتُهرت القبيلة بأن نسبة كبيرة من أفرادها هم من كبار الساسة في كينيا وصفوة المجتمع من المتعلمين والأغنياء وكبار رجال الأعمال.

وفي نطاق الأسرة، تكاد والدة أوهورو "ماما إنجينا"، التي يُطلق عليها "أم الأمة"، تمتلك كل شيء في كينيا. ووفق ويل فيتزجيبون، فإنها مُنحت حوالى 264 فداناً على مدى عقود، وفقاً لتحقيق أوصى بإلغاء حيازات الأراضي. وسميت بعض الشوارع في نيروبي ومومباسا باسمها.

أما شقيقه الأصغر موهوو فهو يشرف، بعيداً عن الأضواء، على اقتصاد الأسرة التي تنافس عائلة الرئيس الكيني السابق دانيال آراب موي في النفوذ السياسي وربما المالي. 

طريق النفوذ

واجه أوهورو كينياتا "وثائق باندورا"، في بيانه، بإشادة عامة من دون أن يرد على الاتهام المباشر له مع ستة من أفراد عائلته. ويبدو الأمر محرجاً له، هو الذي دفع بإجراءات تقشفية وشن حملات على الفساد والكسب غير المشروع، فقد وصف نفسه بأنه عدو للفساد. وفي عام 2018، صرح بوجوب الإعلان عن أصول كل موظف حكومي علناً حتى يتمكن الناس من الحصول على إجابة بشأن ما هو شرعي أو غير شرعي. 

وعلى الرغم من أن كينيا من أكبر الاقتصادات في أفريقيا، إلا أنها تتسم بوجود هوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء. وأفاد الصحافي الاقتصادي الكيني فيكتور أمادالا لصحيفة "ذا ستار" الكينية، في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، أن نيروبي مصنفة بين أفضل 100 مركز مالي دولي في العالم، واحتلت المرتبة 98 عالمياً، والمركز السادس أفريقياً بعد الدار البيضاء وجوهانسبرغ، وكيب تاون، وموريشيوس، وكيغالي.  

وكحال أغلب البلدان الأفريقية، تتحكم الإثنية السياسية في المجتمع الكيني، ليس من أجل التمثيل في الحكم فحسب، بل من أجل التحكم بالموارد أيضاً. وتنافس قبيلة كينياتا قبيلة اللوو، التي يمثلها رئيس الوزراء الكيني السابق رائيلا أودينجا، منذ الاستقلال على السلطة والنفوذ. وتعتقد الإثنيات الـ 45 الأخرى أن دورها قد حان لتولي الرئاسة.

توجد معارضة قوية في كينيا، وهناك تحالفات سياسية في الحكومة والمعارضة تعتمد على البعد الإثني، أكثر من الاختلاف الأيديولوجي أو البرنامج السياسي. وتعتمد النخبة الحاكمة على الاصطفاف الإثني في أجواء يسودها الاحتكاك العرقي وعدم المساواة في الدخل وارتباط الفساد بالعنف الانتخابي وتفشي خطاب الكراهية. ولم ينجح تطبيق الديمقراطية التفاوضية من خلال خلق مزيد من المناصب التنفيذية في استيعاب القبائل المتناحرة وعلى رأسها الكيكويو وكالينجين واللوو ولوهيا بشكل أساسي.

ردود فعل متباينة

اشتعلت وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في كينيا التي تضم وفق أحدث إحصائية قدمها موقع "داتا ريبورتال" لعام 2021، حوالى 21.75 مليون مستخدم للإنترنت، من مجموع عدد السكان البالغ 54.38 مليون نسمة، من بينهم 11 مليون مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي بما يعادل 20.2 في المئة من إجمالي السكان حسب إحصاءات يناير (كانون الثاني) 2021. وهي الثالثة في أفريقيا بعد مصر 42 في المئة، وجنوب أفريقيا 37 في المئة. 

اتهم البعض أوهورو بإساءة استخدام منصبه، في حين دافع عنه آخرون. قالت سيلفيا وانجيسي في تغريدة على "تويتر"، "في حين أنه في البلدان الأخرى، بدأ الرؤساء التحقيق مع المواطنين المذكورين في وثائق باندورا، في كينيا لم يتم التحقيق مع الرئيس"، مشيرة إلى تغريدة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان الذي تعهد فيها بأن حكومته ستحقق مع المواطنين المرتبطين بنقل أموال هائلة من البلاد إلى ملاذات ضريبية آمنة، حسب الوثائق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى الأكاديمي الكيني كنانورا كينيث، أن وجود كينياتا النشط على وسائل التواصل الاجتماعي منذ حملته الانتخابية في عام 2017، خلق قاعدة واسعة، تمخضت عنها هذه الآراء بين مدافعين عنه ومتفقين مع التهمة الموجهة له.

أما خبير التفويض والحوكمة ماكودينغو واشنطن فقد قال في "ذا ستار"، مدافعاً عن كينياتا "يُقال إن هذه الحسابات فتحت عام 2003، حين كان أوهورو كينياتا قد خسر للتو الانتخابات الرئاسية أمام الرئيس السابق مواي كيباكي في ديسمبر (كانون الأول) 2002. كان زعيماً مهموماً بالمعارضة الرسمية، ولم يكن لديه إمكانية الوصول إلى المال العام سوى راتبه". 

وأضاف "بعض الأصوات المعارضة لكينياتا ترى أن هذه فرصة ذهبية ليس لمجرد تغيير موضوع ملاحقة الفساد، بل توجيه الاتهام ضده، بحجة أنه متهم بارتكاب جريمة بالقدر نفسه من الفظاعة أو أسوأ مما اتهمت به أطراف أخرى سابقاً". 

تطبيق القانون

الجدير بالذكر أنه على مدى العامين الماضيين، سُلط الضوء في كينيا على بعض المسؤولين والسياسيين والذين يشغلون مناصب عليا في الحكومة للاشتباه في مصادر ثرواتهم. وورد في صحيفة "نيشن" الكينية أن سجلات البرلمان كشفت عن ممتلكات بمليارات الشلن الكيني مملوكة لنائب الرئيس، في حين تحرس الشرطة شركات تابعة له. 

وواصلت الصحيفة أن عضو مجلس الشيوخ المرتبط بشكل وثيق بنائب الرئيس قد أعلن على حسابه على "تويتر" أن الانتخابات العامة لعام 2022 ستكون معركة بين الرئيس كينياتا ونائبه، على الرغم من الحقيقة الواضحة بأن الولاية الثانية والأخيرة للرئيس ستنتهي دستورياً في أغسطس (آب) 2022. 

وأوضحت أن الهدف من هذا التأطير تحقيق شيئين، هما جعل كل من يدعمه الرئيس يبدو وكأنه عميل، وثانياً، جعل الرئيس وعائلته هدفاً لاستراتيجية مكافحة الفساد لتحييد التصور المقبول على نطاق واسع للمرشح المنافس على أنه فاسد بحيث لا يمكن إصلاحه. 

ترى المديرة التنفيذية لمنظمة الشفافية الدولية شيلا ماسيندي، حسب ما أوردته صحيفة "ذا ستار"، أن "وثائق باندورا" ستحث النظام الكيني على تنفيذ قانون أخلاقيات الموظفين العموميين، فعلى الرغم من التحديات التي واجهها تطبيق إعلانات الثروة وتدقيق نمط الحياة، فإن "إعلان الأصول المحددة جيداً ونظام التدقيق يُعد أداة قوية لمكافحة الفساد في القطاع العام، كما أنها أداة مثالية ضد إساءة استخدام السلطة".

ولفتت ماسيندي إلى أن هذه التحقيقات التي أجراها الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، تؤكد الحاجة إلى التنفيذ السليم للوائح معلومات الملكية لعام 2020. وأوضحت أن "تطبيق القانون سيقطع شوطاً طويلاً في خلق بيئة من الشفافية والمساءلة والانفتاح على التدقيق، ومثل هذا التركيز المنسق أساسي في سد الثغرات التي تسمح للفساد بالازدهار".

المزيد من متابعات