موائد الرحمن في مصر... "اللقمة" تجمع شعبا على مرّ الأجيال

قبطي يشرف على أشهر مائدة بحي شبرا... استحداث خدمة "العمود اليومي" أفادت المتعففين وكبار السن

تتسع الساحات في مصر لموائد الرحمن خلال شهر رمضان، حرفيّاً بطول "المحروسة" وعرضها، وتمتدّ طاولات بلا نهاية. وموائد الرحمن هي وجبة طعام يقدمها أهل الخير للصائمين بالمجان، وتشير إحصاءات إلى أنها قد تصل إلى أكثر من أربعين ألف مائدة تتوزع على جميع المحافظات، وتستأثر العاصمة القاهرة وحدها بعشرين ألف منها تقريبا، رغم أن التقليد العتيق الممتد منذ أكثر من 11 قرنا يبدو قديم الطراز في نظر البعض، ولكنه واجه المظاهر البديلة، وكل عام يحقّق حضورا أكبر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"موائد الرحمن" في مصر علامة على التكافل والمشاركة، "كُلْ ما شئت ولا تدفع شيئا"، حيث يولي المصريون اهتماما ملحوظا بهذه اللفتة التي تتطور كل سنة وتبدو كعلامة ترحيب وبهجة بشهر رمضان، وتحية للصائمين.

 

"موائد الرحمن"... بهجة رمضانية لا تنقطع

"موائد الرحمن" في مصر، بحسب بعض التقديرات، تتراوح تكاليفها ما بين 3 إلى 5 مليارات جنيه مصري كل عام (176.3 مليون دولار إلى نحو 294 مليون دولار)، ويشرف على عدد كبير منها جهات رسمية، وأخرى متطوعون، فيما يستفيد من الولائم التي تتفاوت وتتنوع، من المأكولات العادية في كل بيت إلى أخرى يصنعها طهاة من فنادق الخمسة نجوم، ملايين المواطنين الذين تضطرهم ظروف عملهم إلى الإفطار في الشارع، وآخرون دخلهم لا يسمح بتقديم وجبات إفطار مُشبعة وشهية، فتكون تلك الموائد مقصدا لهم خلال هذا الشهر.

من أشهر "موائد الرحمن" بمصر تلك الموجودة بمحيط مسجد السيدة نفيسة في قلب العاصمة القاهرة، حيث تعتبر من أضخم الموائد، وتخدم عددا كبيرا من الصائمين، حيث يستقدم القائمون عليها أكثر من مئة عامل، بعضهم متطوعون وبعضهم بأجر، كذلك تنتشر موائد الطرق الصوفية، وبخاصة "الأشراف المهدية"، بمحافظات كثيرة، وأبرزها، ويستفيد منها ما يزيد على الـ 500 صائم يوميا.

الموائد تقدم شتى أنواع الطعام والحلويات، والمشروبات، ويعمل القائمون عليها مثل خلية النحل، منذ مطلع النهار وعادة لا يفطرون إلا بعد مغاردة آخر صائم، وبعد الاطمئنان على رضا الجميع.

ومن بين الموائد الشهيرة أيضا مائدة شارع "السبتية" بوسط البلد، ومائدة منطقة "الموسكي"، بالإضافة إلى موائد شهيرة معروفة بأسماء القائمين عليها من المشاهير، مثل شريهان وفيفي عبده، بالمقابل تتفرد منطقة "شبرا مصر" بطقس لافت، حيث أن أشهر مائدة بالحي الشهير يشرف عليها قبطي، هو السيد جميل بنايوتي، فيما كانت أبرز مائدة رحمن رمضانية يشرف عليها مسيحيون أيضا بالحي نفسه في سبعينيات القرن الماضي، وكان يشرف ليها رعاة كنيسة مار جرجس.

 

جميل بنايوتي... المسيحي الذي يشرف على إفطار الصائمين

الآن السيد جميل بنايوتي "73 عاما" اسم مرتبط منذ 37 عاما بمائدة رحمن بشارع "أبو رافع" المتفرع من شارع "يلبغا" بـ"شبرا مصر"، حيث بدأ الأمر معه حينما كان مع صديقه السيد "أبو عبد الرحمن" قبل أكثر من ثلاثين عاما، وكان الصديق هو صاحب فكرة المائدة ويشرف عليها مع أسرة "آل عباس"، وبحسب ما يقوله جميل بنايوتي "مدير عام حسابات متقاعد بجامعة عيين شمس" لـ"إندبندنت.عربية"، فهو "كان يقول بعض المقترحات لصديقه فطلب منه أن يأتي ويمدّ يده ويشارك"، ومن هنا بدأت الرحلة، حيث ظلّ من أساسيات المائدة، طوال فترة خدمته في وظيفته الحكومية تقريبا، وزاد الارتباط بعد أن خرج إلى المعاش عام 2006، يواصل: "البداية كانت بعدد طاولات قليل، ثم توسعنا بفضل التبرعات والجهود الذاتية، حيث كنا نعتمد أولا على إعداد الطعام في منازل الأسرة القائمة على تنفيذ المائدة، وهي أسر مسلمة وقبطية أيضا، يجتهدون في صنع الوجبات الرئيسية والحلويات والمشروبات، ثم أصبح لدى المائدة مطبخ خاص، وفي بعض الأوقات نستعين بمجموعة من السيدات، كما أن لدينا طاهياً يعدّ الطعام الطازج يوميا، وكنا في البداية أيضا نستأجر الطاولات والكراسي وتدريجيا بات لدينا معدات نمتلكها بعد شهرة المائدة وتوسع نشاطها".

التوسع في النشاطات مقصود به هنا، التركيز على التكافل بصورة أكثر عملية، وعصرية، حيث استحدثت المائدة نظام "العمود"، وهو عبارة عن عدة علب متراصة فوق بعضها تشبه "العمود"، يتم توزيعها من بداية الشهر فارغة على بعض الأسر ذات الدخل المحدود، ويوميا يذهب أحد أفرادها إلى مطبخ المائدة ليضع فيها أصناف الطعام واللحوم، وفي نهاية الشهر تُسلّم إلى المائدة، ويؤكد بنايوتي أن "تلك الفكرة وسّعت من دائرة المستفيدين من خدمات المائدة، خصوصا مما يخجلون من الأكل أمام التجمعات، وكبار السن، وسهّلت كثيرا عليهم خدمة أكبر عدد ممكن"، مؤكدا أن "هناك أكثر من مئة أسرة تستفيد من هذه الخدمة ما بين مسلمين وأقباط، وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار إلا أننا نحاول دوما تلبية الطلبات خصوصا وأن كثيرين يعبّرون عن رغبتهم في تناول طبخة معينة، فلا نتردد في تنفيذ ما يطلبه الصائمون"، ويقول بنايوتي أيضا أنه يتم التبرع بالمواد الغذائية المتبقية بعد انتهاء الشهر لعدد إضافي من الأسر، حيث أن "بَركة" المائدة لا تمضي سريعا وتظل أياما بعد انتهاء شهر رمضان.

 

كل الأجيال في خدمة المائدة

جميل بنايتوي واحد ممن شاركوا في صنع نصر أكتوبر 1973، حيث كان من ضمن الجيش الثالث الميداني، يقول إن "المائدة تجسيد حيّ وحقيقي وبدون شعارات لفكرة النسيج الواحد بين المسلمين والمسيحيين"، ويضيف "الكل يحب المشاركة بدءا ممن يعطوننا المواد بأسعار مخفضة نسبيا، مرورا بعمال القمامة، وحتى الشباب الذين ينهون دوامهم المدرسي والجامعي ويأتون سريعا للمشاركة تطوعا، وكذلك بعض الموظفين، كذلك الارتباط امتد عبر عدة أجيال، فأبناء شقيقي مثلا يقيمون الآن بالولايات المتحدة الأميركية، ولكنهم حريصون على الاطمئنان على سير العمل بالمائدة و يهتمون بها، والارتباط يزاداد مع مرور السنوات، بل كثيرون ممن تزوجوا وغادروا الحي يـعودون خلال رمضان تحديدا ليقيموا في منازلهم القديمة ويساعدوا في المطبخ وفي التقديم".

ويلفت جميل بنايتوي إلى مهمة أساسية يقوم بها أحد المتطوعين الأقباط في الكواليس، ورغم بساطة تلك المهمة ولكن لا يمكن الاستغناء عنها، وهي تذوق الطعام، مشددا على أنه "مع الكميات الكبيرة من الأكل والحاويات الضخمة للطعام من الصعب على الطاهي المسلم أن يضبط احتياجاته من الملح والتوابل وحتى مستوى النضج، وهنا يأتي دور التذوق كي تخرج الوجبات على أكمل وجه"، مشددا على "أنه واثق من استمرار المائدة بهذا الشكل بمعاونة الأجيال الجديدة من الأبناء والأحفاد الذين تعلّموا فيها معنى المساعدة والتكافل".

المزيد من هوايات وغرائب