خليل صويلح يكتب في "عزلة الحلزون" ملحمة أسلاف التاريخ المبتور

الرواية المفقودة للسلالات التي غلبها قدرها

الروائي السوري خليل صويلح (اندبندنت عربية)

 

لا يذهب خليل صويلح في روايته الجديدة "عزلة الحلزون- هاشيت أنطوان- بيروت" إلى نبش قبور الأسلاف، بالقدر الذي يبحث في هويات مشوّشة تتخلّلها مستويات عدة من السرد. الأول يختص بشخصية "ميخائيل جبران- اسم مستعار" الذي يعمل مدققاً لغوياً في دار نشر وموقع إلكتروني، فتحيلنا المخطوطات التي يقوم بتنقيحها على مستوى آخر يختصّ بمقص الرقابة الذي يطلب من "جبران" حذف مقاطع منها، أو القيام بإعدادها كما تجري العادة لتتوافق مع ذهنية الرقيب وسياسته.

يبقى المستوى الذي يعود فيه صاحب "ورّاق الحب" إلى شجرة العائلة، وعبر أغصانها المتباعدة، يدقّق "ميخائيل" في السلالة الوراثية لأجداده، فمن الجد الحادي عشر مروراً بالجد الثاني والعاشر والرابع والسابع...، يجس الروائي السوريّ طبقاتٍ مختلفةً من التاريخ المبتور، وذلك بعد أن نُسِفت معظم الجسورِ التي تربطه بماضيه.

سيرة الأسلاف هنا، تأتي "تاريخ رواة لا تاريخ نظر وتدقيق وعلم بالأسباب" كما يقول ابن خلدون في مقدمته، لتعمل الحبكة الروائية على إعادة تجميعها والتنقيب في مفارقاتها الصادمة، بعيداً من قيم الاعتزاز والمكابرة، بل في السعي إلى إخضاعها لمونتاجية وثائقية عالية. يصوغ التخييل هنا أرشيفاً ضخماً من الأحداث المتشابكة والمتجاورة في السيرة الحكائية، بالتوازي مع التعليق الضمنيّ على هذه الأحداث، ومصائر الشخصيات التي تبزغ بسلاسة الصنعة الروائية بين مسارات حكائية عدة.

الحفيد التائه، الذي تخبره الجدة بأن جده أطعمه قلب ذئب لا قلب طائر عندما كان طفلاً صغيراً، سيكون الشاهد على مجازر وغزوات وحروب تُنجب حروباً ومجازرَ وغزواتٍ لا تنتهي. إنها سيرة متراكبة يُنجزها "صويلح" مقتفياً خيطَ الدم الطويل على رمال مضاربَ وعشائر وقبائلَ، فما إن تنتهي سيرة الجد الثاني "الهلالي الكبير" الذي فقد محاشمه بسبب اكتشاف أمره في خلوة مع إحدى نساء القبيلة المضادة، تأتي سيرة الجد العاشر الذي لقيَ المصيرَ ذاته، وفق تناصٍ مع كتاب "حياة الحيوان الكبرى" لكمال الدين ابن محمد الدميري، المخطوطِ الذي يجد طريقاً إليه في طبعة "بولاق" في القاهرة عبر تاجرٍ مصري كان يأتي لشراء محاصيل القمح من الجزيرة السورية.

سرد الكاتب والقارئ

تحضر شخصيات عديدة في "عزلة الحلزون" بأسماء ألف حيوانٍ وطير، فمع كل مولود جديد من "السلالة المباركة" يعُطي الجد اسماً من كتاب "الدميري" لأحفاده، فالجدة غزالة والجد الحصيني، والجد الذئب الهلالي، والجد الرابع ابن آوى، والكلاب كانت قديماً تنطق بلسان بشر! وهكذا دواليك من طبائع الحيوان التي تقع على الإنسان فور انتحاله أسماءها كوشمٍ لا يزول ولا يحول عن سيرته الذاتية.  يطوّح بنا صاحب "اختبار الندم- جائزة الشيخ زايد- 2018" عبر ثنائيات تجعل القارئ يتنقل قفزاً بين أجيال مترامية زمنياً، لكنها تحضر في النص وفق متتاليات رمزيةٍ شديدة الثراء، وذلك لما تختزله من تشويهاتٍ للخط السرديّ التقليدي، مزاوجةً بين سرد الكاتب من جهة، وسرد القارئ.

متلازمة الكاتب والقارئ هنا، تنتهج سياقَين متجاورَين، لا يغلب أحدهما على الآخر، بل يتناسلان من نسق الأفكار والقيم التي تشكّل البنية التحتية للنصّ، من دون إغفال التوليد الحتميّ للسلالة الوراثيةِ التي تروي ويُروى عنها، مرةً من خلال "الوظيفة التفسيرية" التي يقوم بها المدقّق اللغويّ لشجرة عائلية تتكوّن من صوفيّين وقطاعِ طرقٍ وأطباءٍ شعبيين، ومرةً عبر إطلالات متواترة على مخطوطات يقوم بالعمل على تحقيقها وإعدادها للنشر، رافضاً المساس بنسخها الأصلية.

يأخذ الروائيّ عن الرواة مُقلّماً إضافتهم الزائدة ونزعتهم الحماسية للبطولة، مطّلعاً على اللحظة التاريخية لتلك القبائل والعشائر الخرافية لحظة اشتباكها بهواء المدن، والانتساب إلى دوائر النفوس الحكومية، مستشهداً بكتاب "البدو" للألماني ماكس فون أوبنهايم، والذي يختزل مؤلفه عن هجرات الأسلاف وغزواتهم بثلاث كلمات: "الإطراء، التفخيم، التعظيم"!

ضعف التوثيق التاريخي، وتبديد موارد الذاكرة الجمعية؛ يحضران عبر قصة الجدّ الرابع الذي كان جندياً في الجيش الإنكشاري، جنباً إلى جنب مع سيرة العمّ الخامس الذي تطوّع خفيراً في حرس الحدود "الهجّانة" والذي ستأتي مرويته كتكملةٍ لسيرة مفقودة لبلاد منهوبة، يتحوّل فيها من حرس حدود إلى مهرّبِ آثار، وذلك برفقة منقِّبة فرنسيةٍ تدعى "كارين سيمون" تكون مادةَ أحلامه الجنسيةِ الأكثر إثارة!

الخريطة الوراثية للأجداد والأعمام والآباء، سوف تقود صاحب "بريد عاجل" إلى مذابح وتمزّقات تطيح "صفاء الدم" وتقلّب مواجعَ كثيرة، وتحلّل بعيداً في الجينات التي تعود لتتشابك مع مخطوطات تراثية نفيسة، نالت هي الأخرى طعنات متتاليةً من محقّقين ورقباء مجهولين لجهة التفسير والحذف والاصطفاء والتحوير "تحت بند نسخة منقّحة" من مثل "ألف ليلة وليلة" و"رشف الرضاب وفاكهة الأحباب" لمحمد راجي الحلبي الساعاتي، و"فتوح البلدان" للبلاذريّ.

طقوسية الثأر

الاغتسال بدم العدوّ بعد ذبحه، طقوسيةٌ للقتل والانتقام والثأر، ستفضي هي الأخرى إلى ملامسة الأكفّ التي تذبح وتقتل وتشطب أيضاً محيلةً "مؤرخ اللحظة" إلى "مزوّر اللحظة". المهمة الصحافية التي ينتقدها الروائيّ بفعل "تدوير الشعارات القديمة للسلطة ببلاغة جوفاءَ وطلاء براق وبذاءة في تفسير الوقائع". إذ لن يكون سهلاً تفكيكُ الحمض النووي للأجداد، ما لم يكن هذا المختبر معنيّاً بتداخلاتِ اللحظة الراهنة وشدةِ تعقيدها ودمويتها، حيث يتغلّب المكر التاريخيّ على الحتمية التاريخيةِ، في الوقت الذي تنهض عظامُ الأسلاف لتكتسي لحم الأكاذيبِ والتلفيق التاريخيّ الذي يكتبه المنتصرون بين عصرٍ وآخرَ.

إحالةٌ لافتة يدوّنها صاحب "سيأتيك الغزال" عن أن التزوير الحاصلَ كان تربةً ملائمة لانحطاط اللغة، وظهور طبقة الشُطار والعيارين، على خلفية انقسامات طائفية ومذهبية حادةٍ، وانتشار الفتنِ، وانعدام الأمن. ظروف تاريخيةٌ سوف تودي إلى إحراق كتب ابن رشد وسقوط الأندلس وبغداد، وصولاً إلى "سرديات الهويات الصغرى" في يومنا هذا، وما كان لها من تجريفٍ لطبقات غرائزية تحت الجلد، يتنقل الروائي إلى إسقاطات ماهرةٍ عن إدوارد سعيد في شكل سيرة دائرية تلتفّ بين الشخصيّ والموضوعيّ، ومنهما إلى قسمات آلة الحربِ المجنونة التي نجحت في تقشير جلود الأخوة، وجعلهم وجهاً لوجه في مواجهة أكثر دموية من بشر بقلوب ذئابٍ وطيور وثعالبَ، نحو ثقافة التوحّش والعنف وإلغاء الآخر، واستعارة قصص نضالية كما فعلت "ثريا الصباغ" في مطلع الرواية، بعد هجرتها للبلاد إلى باريس، وادعائها سيرةً ذاتيةً لا تخصّها، "سيرةٌ متخمة بالاضطهاد والملاحقات الأمنية وأخطار العيش في البلاد" كان كافياً لتحصل على راتب لجوء، وجوائزَ عن رواياتها المقتبسة من صفحات مدوِّنات شاباتٍ على فيسبوك!

هذا التوليف الممتع والمضنيّ في آنٍ واحدٍ لا يترك فراغاتٍ بين حاضر وماضٍ، بل يناكف القوالب الجاهزة لتاريخ الانتصارات المزعومة، ويميط اللثام عن تواريخَ وبشرٍ وأمكنة، معيداً تحليل شذرات من المرويّات الشفهية، كي تلاقي حتفَها أمام آلة الكتابةِ وتمحيصها في زمرة الدماء النقية قومياً وعقائدياً، للولوج إلى نصٍ طويلٍ من اللعنات والويلات التي تحضر من دون رتوشٍ أو تجمّلٍ، بل توغلُ بعيداً في أمجاد السلالةِ الملعونةِ!  

 

 

                        

 

المزيد من ثقافة