Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مؤمن سمير يواجه بؤس العالم بالسخرية العبثية

 "أبعد بلد في الخيال" ديوان المفارقات الشعرية والكوابيس

لوحة للرسام محمد خياطة (صفحة الرسام على فيسبوك)

يمثل الشاعر مؤمن سمير ظاهرة شعرية، من حيث غزارة إنتاجه الإبداعي والتنظيري، فعلى الرغم من أنه لم يبلغ الخمسين بعد – من مواليد 1975- أصدر 17 ديواناً وأربع مسرحيات، إضافة إلى ثمانية كتب نثرية. لكن هذه الغزارة اللافتة لم تؤثر بالسلب في المستوى الفني لإبداعاته الشعرية التي كان آخرها ديوان "أبعد بلد في الخيال"، الذي فاز مخطوطه بجائزة الشاعر المصري حلمي سالم في دورتها الثانية، قبل أن يصدر عن دار "الأدهم" في القاهرة. وعنوان هذا الديوان يوحي بحضور تيمة "الخيال" الذي يُعدّ وسيلته للوصول إلى أبعد "بلد"، بما لا تتيحه سبل الواقع. وهو ما يوحي به عنوانا القسمين اللذين يتكون منهما الديوان: "طائرة ورقية تفر من سرير متحرك"، و"طائرة ورقية تتنفس تحت الرمال". إن إسناد الفعلين "تفرّ" و"تتنفس" إلى تلك الطائرة الورقية يقترب بها من أن تكون معادلاً موضوعياً يشير إلى الشاعر نفسه في محاولته الفرار من العجز ومقاومته الموت بتنفسه تحت الرمال. الشاعر إذاً شخص خيالي متعلق بالأمل ومؤمن به، وإن كان يراه في بعض الأحيان مرضاً يخفي عنه قسوة الواقع.

قسوة الواقع

يقول في قصيدة "رعشات" إن الحبيبة "تظن أن القسوة مثلما ترعى في الأسفل تحلق في الأعلى"، وهو ظن يقترب من الرؤية الحقيقية للواقع الذي يعلن الشاعر عجزه إزاءه بقوله: "لكن ماذا أفعل في نفسي وأنا خيالي / والأمل يسري في أوصالي كأنه مرض". بل إنه بفعل اليأس يعلن زهده في ما يجتذب الآخرين... "لا أطماع عندي / لا أحب أن أضيف حصوناً / ولا أراضي ولا سبايا مثلكم / فقط شجرة / ودعاء يُنزِل المطر والسكينة".

وعلى الرغم من تحول الخيال إلى ملاذ من قسوة الواقع، فإن الشاعر يراه خيالاً عاجزاً لا يستطيع إسعاده: "طوبى له هذا الخيال حقاً / لكنني للحق وحيد / وخيالي طول الوقت عاجز عن إسعادي / طول الوقت". ومن الواضح اعتماد الشاعر ظاهرة التكرار لتأكيد هذا المعنى الذي يشيع على مدار الديوان، وأحياناً يتحول الرسم إلى مرادف للخيال وبديل له في مواجهة الواقع. يقول تحت عنوان "حياة"، ولنلاحظ صيغة التنكير التي تدل على التهوين: "لاحظَ أن ساقيه تجرحهما فِخَاخ طالعة نازلة / فرسم حياة حقيقية / لمدة يوم كامل".

إنه يستعين بالرسم فى تصوير حياة حقيقية في مقابل حياته البائسة بفخاخها الطالعة النازلة. هذا الصراع الدرامي الدائم بين الخيال العاجز والحقيقة البائسة يستدعي تيمة الكوابيس والفزع والتهيؤات غير المنطقية، حين يحدق الشاعر في الظلام فترات طويلة حتى يهل، كما يقول فى قصيدة "البهاء": "الوحش الجديد / المختلف في كل يوم / والذي كان مبدعاً يغير ألعابه وأرديته بما يكفي لرعبي ومحاصرتي / فأغلق بوابات خيالي / وأحبس الصرخات حتى أسقط في الدوامة".

مصباح الشِعر

يصارع الشاعر هنا وحشاً لا يستقر على حال، متغلباً على الخيال الذي يغلق بواباته. وكما واجه الشاعر واقعه بخياله العاجز البسيط، فإنه يواجه هذا الظلام المحيط بمصباح صغير، في قصيدة "الرائي"، وهي أولى قصائد الديوان: "في جيبي دائماً مصباح صغير / لطيف وبريء / لا يصحو إلا في الليل / أخرج وأدندن بمقطع مجرب / وأسلط الضوء القاسي فأرى المدينة عارية".

هذا المصباح الصغير الذي يحرص الشاعر على أن يكون في جيبه دائماً، كأنه الشِعر الذي يلازمه، هو الذي يضيء في ساعات الظلام ويصحو في الليل على غير المعتاد، ويكشف بضوئه القاسي عري المدينة. إن حياة الشاعر أشبه بالممر الطويل – أو الدهليز – الذي لا يزيل عتمته سوى هذا النور الأصيل الذي يصفه بالبهاء...

هذا الممر الطويل الذي يشهد كوابيسه المفزعة حين يرى مثلاً أنه كان في الكابوس الأخير، "مربوطاً وألهث من العطش والعرق يعمي عيني". وهي حالة تستدعي الحذر والخوف الدائمين، فالشِعر حذر ولا يحب الأجساد إلا من بعيد، فالأمان "يكمن في الحذر والرداء الثقيل الحامي / الذي يكون مثل الأخ هو الخوف". تلك الكوابيس التي لا تنتهي تدفع الشاعر إلى التعلق بالموت والفرح به، كأن يقول في "أفرح في الموتى": "... والعجيب أن السعادة حدثتني لما هبط الطائر وحدّق شامتاً وقال: مات". والتعلق بالموت وانتظاره ليسا فقط  بمثابة خلاص من هذا الواقع، بل لأن الموت هو المرآة التي نكتشف بها حقيقتنا، أو هو بتعبير الشاعر، "أوضح وأقسى جبل تقف أمامه / لا يجدي التمثيل والتشخيص في هذا المقام أبداً". أما "الحب" بوصفه تشبثاً بالحياة، فإن الشاعر، وهذا أمر متوقع، لا يستطيع احتماله ولا يفهمه ولا يستوعبه ولا يقدر على تعاطيه لأنه فوق طاقته. إنه يحذر هذا الحب ويراه شبيهاً بالشرك البرّاق الخادع. يقول في "شلال غابات ونبيذ": "كان راقداً بحذر المذعور من بريق الشرك".

صيغة التجريد

ومن الواضح أن الشاعر يتكلم عن نفسه بصيغة التجريد حين يستبدل ضمير الغائب بضمير المتكلم. وأحياناً تتم صيغة التجريد من خلال استبدال ضمير المخاطب بضمير المتكلم، كما في قوله "ضحكوا عليك عندما أقنعوك بأن لكل اسم نصيباً من صاحبه". غير أن للشاعر تفسيراً آخر لهذه الاستبدالات حين يرى أن كل الضمائر "عدم": الغائب والمخاطب والمتكلم. ففي صيغة مونولوغية يستخدم ضمير المتكلم. يقول تحت عنوان "الهِمة العالية": "سأختار ماذا؟ ستختار؟ فخ آخر/ لا أبداً بل سأكون مجرد أخيكم الطيب / لا أحد أو سراب أو شبح أو هو أو أنا أو ذلك البعيد أو الذي هنا / أو ما تشاؤون من علامات تشير إلى أنه لا تصح الإشارة؛ لأن المذكور عدم".

هذه العدمية تؤدي إلى تفعيل آلية التحولات التي تصل إلى الخيال السريالي، حين يتحول الأب إلى وحش يلتهم الشاعر... "انتظرتك يا أبي / منذ أن صعدت وأنا بردان / أوقن أنك الوحش الجميل الذي سيلتهمني بعد النفَس القادم". وفي قصيدة "بزاوية صاخبة"، يصعد  "المقعد" إلى السماء ويصير صقراً كما يبدو فى قوله " المقعد يصعد للسماء / ليصير صقراً / يحوم قرب الفجر". بل إن التحول يطال الشاعر نفسه حين يصحو ذات يوم فيجد شَعر جسده كله قد صار أبيض. وهو ما يشير إلى تيمة الإنسان والزمن حين يحس الشاعر بأنه صار عجوزاً أسرع من المفترض، فانحنى ظهره وضعف بصره مع أنه كان "شاباً" بالأمس. لكنها آلية التحولات المشار إليها والتي حوَّلته من طور الشباب إلى طور الكهولة وهو المعنى نفسه الذي يعبر عنه في قصيدة "أنقاض"... "كل يوم يتضاءل حجمي ويقل ضجيج جثماني".

الاستدعاء بالتماثل

 حتى إن الشاعر يتمنى أن يكون له شبيه فيرتاح من نفسه؛ "مَن لي بشبيه فأرتاح مني"؛ في استدعاء خفي لقصة المسيح عليه السلام. وهو ما يمكن أن نسميه الاستدعاء بالتماثل فى مقابل الاستدعاء بالمخالفة في قوله – مثلاً- "سوداء من غير سوء"، و"عمياء من غير سوء". على أن هناك ظاهرة أخرى يمكن أن نطلق عليها "القصيدة التي تتأمل نفسها"، فحين يقول  مثلاً: "الذراع ملتوية تحت التشاؤم"، يعلق على هذا المجاز بقوله: "ياه على المجاز الجبار المتساقط مني / إنها حقاً جملة مقعَّرة ومتكلسة وتشبه الجدران السميكة التي تضغط بلا جهد على الروح والذاكرة... جملة بنت ستين كلب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستخدام العامية يلجأ إليه الشاعر أحياناً، ربما لأنه أدق تعبيراً عن المعنى الذي يريده. وهذا ما نجده أيضاً في قوله: "إن مَن يعيش مثلي عالةً على الآخرين / ليس من حقه أن يعترض أو يطرح أفكاره / هم صواب دائماً في احتمالاتهم ويقينياتهم / وكتَّر خيرهم على كل حال". وامتداداً للكوابيس والفزع والحذر المشار إليها، يتحدث الشاعر عن القهر بوصفه ملازماً لما سبق... "القهر يجعل الإنسان بين خيارين / إما أن يستسلم فيكون سمك خطواته بسيطاً، وإما أن يستسلم أيضاً لكن استسلامه يلبس شكلاً آخر".

إن الاستسلام هو النتيجة المنتظرة دائماً، وإن تعدّدت صوره وأشكاله. إن استسلام الشاعر لهذا القهر الذي لا يقوى على مواجهته جعله يقارن بينه وبين نبات الصبّار الذي يتحمل شظف الحياة في الأماكن القاحلة. وهكذا تتعدد التيمات والأساليب والتقنيات داخل هذا الديوان البديع.

المزيد من ثقافة