Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فاتورة اللبناني الغذائية تزيد 5 أضعاف الحد الأدنى للاجور

فلسفة الاستغناء تزحف على ضروريات المعيشة

استغنت الأسر اللبنانية عن أمور كثيرة باتت تعتبرها من الكماليات لصعوبة تأمينها (رويترز)

في الأشهر الأخيرة، تسارعت وتيرة الانهيار الاقتصادي الذي يعتبر من الأسوأ في العالم من منتصف القرن التاسع عشر بحسب البنك الدولي، وفقدت الليرة اللبنانية أكثر من 90 في المئة من قيمتها مقابل الدولار الأميركي، وبات أكثر من نصف المواطنين تحت خط الفقر.

هذه الأزمة غير المسبوقة تلقي بأعبائها على الأسرة اللبنانية التي بلغت تكاليف غذائها وحده خمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور، وفق دراسة قامت بها الجامعة الأميركية في بيروت في يوليو (تموز) الماضي.

وعدلت الأسر اللبنانية في نمط حياتها قسراً بما يتناسب مع الظروف الحالية، واستغنت عن أمور كثيرة باتت تعتبرها من الكماليات لصعوبة تأمينها، إلا أن فاتورتها زادت بمعدل أضعاف ما كانت عليه.

إذا احتسبنا السعر الرسمي لصرف الدولار وهو 1515 ليرة، ومع قدوم شهر أكتوبر (تشرين الأول) يبدو وكأن رب العائلة اليوم أمام استحقاق إضافي لدى عودة الأطفال إلى المدارس، وما يترافق مع ذلك من تكاليف لا مفر منها كتأمين الكتب والأدوات المكتبية والنقل واللباس المدرسي، وكلها زادت بمعدل أضعاف ما كانت عليه. فالغذاء ليس وحده من الأساسيات للعائلة، بل إن تأمين المحروقات لا يقل أهمية للتنقل، وبات ملء خزان سيارة رب العائلة يتخطى الحد الأدنى للأجور بعد ما زاد سعر صفيحة البنزين بمعدل سبعة أضعاف ما كانت عليه.

كذلك بالنسبة إلى تكلفة الاشتراك في المولد الكهربائي، التي زادت فاتورته بنحو خمسة أو ستة أضعاف. فاتورة رب العائلة في مختلف الأوقات ومع عودة الأطفال إلى المدارس بشكل خاص، زادت بمعدل أضعاف ما كانت عليه، فيما يقف عاجزاً وهو يلغي الكثير من حاجات لأسرته لعدم قدرته على تأمينها.

الأولويات فقط

سيمون سيف من الذين تخلوا عن أمور كثيرة كانت من الأولويات للعائلة قبل أشهر مضت. اليوم، يشير بأسى إلى الحال، خصوصاً مع دخول أطفاله الأربعة إلى المدرسة وضرورة تأمين كل احتياجاتهم التي كانت ولا تزال من الأساسيات التي لا مفر من توفيرها لهم.

يقول، "رفعت المدرسة القسط 30 في المئة، مقارنة بما كان عليه في العام الماضي. وبلغت كلفة الكتب لطفلين فقط نحو 1300 دولار أميركي، لاعتبار أن ابنتي تستخدم كتب شقيقتها الكبرى وطفلي الأصغر لا يستخدم كتباً بعد. تضاف إلى ذلك تكاليف الأدوات المكتبية التي تخطت الـ1500 دولار واللباس الرسمي للمدرسة نحو 400 دولار".

هذه تكاليف العودة إلى المدرسة وحدها في أكتوبر، إنما فاتورة الأسرة لا تقتصر عليها. تضاف إليها كل المصاريف الأساسية والمعتادة كاشتراك المولد الكهربائي الذي زاد بمعدل خمسة أضعاف، وتخطى الـ700 دولار فيما يرفض صاحب المولد اعتماد العدّاد لتحديد ساعات الاستهلاك.

كما زادت فاتورة السوبرماركت بمعدل عشرة أضعاف، على الرغم من إلغاء منتجات كثيرة منها تعتبرها العائلة حالياً من الكماليات، بهدف خفضها. حتى إن أسعار الخضر والفاكهة والحبوب التي تركز عليها العائلة اليوم في ظل ارتفاع أسعار اللحوم زادت بشكل جنوني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما عن الوقود، فيشير سيف إلى أن الأسرة باتت لا تخرج إلا عند الضرورة، للحد من مصروفها، ما ساعد في الحد من استهلاكه. على الرغم من ذلك كان يملأ خزان الوقود في سيارته بـ400 دولار شهرياً، ويحتاج إلى هذا المبلغ الآن أسبوعياً، وإن كانت الأسرة لا تخرج إلا للتوجه إلى المدرسة والعمل.

أجر سيف ارتفع قليلاً مقارنة بالسابق، إلا أنه لم يرتفع بشكل متوازٍ مع مستوى غلاء المعيشة. فزيادة الأجور ترتبط في الشركات الخاصة بمزاج أصحاب العمل اليوم وطريقة تعاطيهم مع الواقع ومع الموظفين لديهم.

يقف سيف اليوم عاجزاً أمام الواقع المرير وما يسببه من ضغوط نفسية، ولا يجد أمامه سوى التأقلم مرغماً عبر الحد من التكاليف غير الأساسية لخفض فاتورته الشهرية من نزهات واحتفالات ومناسبات وملابس، فكلها أصبحت من الكماليات في ظل الوضع الحالي.

ويبقى تأمين تعليم أطفاله وغذاء العائلة وزيارات الطبيب من الأساسيات. إنما ارتفاع سعر المحروقات يعدّ الأكثر صعوبة له كونها من المواد التي لا غنى عنها لتوصيل الأطفال إلى المدرسة في الأقل والذهاب إلى مكان العمل.

خلدون المر اضطر في هذا العام إلى نقل ابنتيه إلى مدرسة رسمية، لعدم قدرته على الاستمرار بتسديد القسط في المدرسة الخاصة. كان هذا أحد الحلول له للاستمرار، إنما تبقى الأعباء كثيرة وإن تم تأمين الكتب مجاناً أيضاً. فتكلفة النقل في الباص خلال العام الدراسي بلغت ستة آلاف دولار أميركي. ولملء خزان الوقود في السيارة من 50 دولاراً في الأسبوعين زادت الكلفة إلى 400 دولار على الرغم من أن العائلة ألغت كل النزهات في السيارة، ولا تستخدمها إلا عند الضرورة.

ولم تطرأ أية زيادة على أجر المر، ويحاول بشتى الطرق الصمود عبر خفض فاتورته الشهرية. حتى إنه لم يعد قادراً على الاستمرار بتغطية تكلفة اشتراك المولّد الكهربائي التي بلغت 700 دولار ما دفعه إلى إلغاء الاشتراك.

أما ميشال حاوي فيشير إلى أن أجره لم يزد، فيما ارتفعت المصاريف بمعدل أضعاف. زاد قسط المدرسة لطفلته التي تعود إلى المدرسة في بداية الشهر المقبل. أما طفلته الصغرى فتدخل إلى الحضانة أيضاً، وتصل تكلفة القسط فيها إلى 700 دولار شهرياً. كما زادت تكلفة ملء خزان الوقود في سيارته بمعدل سبعة أضعاف، وتكمن المشكلة في أن منزله على مسافة بعيدة من مكان عمله، وإن كان لم يعد يقصد مكان العمل إلا ثلاثة أيام في الأسبوع.

يقول، "نبحث حالياً عن كل الوسائل التي يمكن أن تخفف من الأعباء المترتبة عن ارتفاع فاتورتنا الشهرية، خصوصاً مع العودة إلى المدرسة وما يترتب عن ذلك من مصاريف. وقد اخترنا مدرسة وحضانة قريبتين من المنزل لهذا السبب. لكن ثمة أمور أساسية لا يمكن الاستغناء عنها مهما حاولنا، ومنها اشتراك المولد الكهربائي الذي تخطت فاتورته الـ700 دولار".

مصادر أخرى للاستمرار

مهما حاول المواطن، تحديداً رب العائلة، خفض الفاتورة الشهرية، ثمة ما لا يمكن الاستغناء عنه خصوصاً في وجود أطفال. فمَن من اللبنانيين اليوم لا يلغي مكرهاً كماليات كانت حتى فترة وجيزة من الأساسيات له، ليتمكن من الاستمرار، هي خطوة ملحة للاستمرار بالعيش.

يقول الاقتصادي جاسم عجاقة في حديثه مع "اندبندنت عربية"، "عندما ينخفض دخل الأسرة بالنسبة إلى مصروفها، لا بد لها من إلغاء الكماليات والإبقاء على الأساسيات، ومن ضمنها الغذاء والمحروقات والدواء. فعمل المواطن اللبناني لم يعد يكفيه أبداً للاستمرار والعيش كما يبدو واضحاً. يلجأ المواطن المسؤول عن أسرة إلى خطوات مختلفة هي بمثابة حلول للعيش، في شهر أكتوبر الذي تزيد فيه الضغوط عادةً مع عودة الأطفال إلى المدارس لما يترتب عن ذلك من مصاريف إضافية، وأيضاً في مختلف الأوقات".

ويضيف، "من أرباب العائلات من أصبحوا يعيشون من مداخيل عديدة من خارج إطار العمل. فإما أن تعتمد الأسر على مدخول من المغتربين الذين يشكلون دعماً مهماً اليوم مع الارتفاع الكبير في سعر صرف الدولار (تسهم أموال المغتربين بصمود الأسر اللبنانية في هذه الظروف الصعبة بمبالغ تعتبر بسيطة)، وإما العمل في أماكن عدة إذا كان مجال العمل يسمح بذلك، وقد أصبح أرباب العمل يتساهلون في ذلك".

إضافة إلى هذه الفئات التي أوجد فيها رب العائلة مدخولاً إضافياً لمساندته يشير الدكتور عجاقة إلى طبقة حاولت الاستفادة من الأزمة بشكل أو بآخر لتأمين القوت اليومي "ما أسهم في خلق السوق السوداء سواء في البنزين أو الدواء أو الدولار أو غيرها".

أما من لا مداخيل أخرى لهم، فينفقون من مدخراتهم ليتمكنوا من الصمود. وإلا فكيف لرب العائلة أن يصمد ويغطي تكاليف فاتورته الشهرية من غذاء وبنزين ودواء ومدارس وباقي المستلزمات الأساسية.

في المرحلة الحالية، إذا أراد رب عائلة مؤلفة من طفلين تأمين أبسط المستلزمات الأساسية، يحتاج إلى مدخول لا يقل عن خمسة أو ستة آلاف دولار أميركي، بحسب عجاقة. فيما يتوقع أن تصل فاتورة رب العائلة في حال رفع الدعم الكلي إلى 13000 دولار. ويستحيل على من يقتصر مدخوله على الحد الأدنى للأجور وحتى على الـ1000 دولار أميركي أن يتمكن من الصمود ولا يمكن أن يكفيه لسدّ حاجاته الأساسية، ولا بد من أن تكون له مداخيل ثابتة أخرى. أما رفع الأجور فلا يخلو من التداعيات السلبية بغياب الدعم الخارجي، ويؤدي إلى زيادة معدل التضخم فتتراجع أكثر القدرة الشرائية للمواطن. فما الحل البعيد المدى حتى تتمكن الأسر من العيش بكرامة بحد أدنى من الضغوط؟