Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عبود الجابري يخترق شعرياً أسلاك العراق الشائكة

ديوان "أثر من ذيل حصان" ينفتح جمالياً على الجروح الغائرة في روح الجماعة

لوحة للرسام العراقي كاظم حيدر (صفحة الفن العراقي على فيسبوك)

في ديوانه السابع "أثر من ذيل حصان"، الصادر حديثاً في بغداد عن منشورات اتحاد الأدباء (2021)، يطارد الشاعر العراقي عبود الجابري (58 عاماً) ما يتبقى في الذاكرة من رائحة الحياة قبل أن تبتلعه الأدخنة، ويستدعي في أوقات تهدأ فيها النيران قليلاً، وجه الوطن القريب البعيد، الذي بات فريسة للأقنعة.

وهو في ترحالاته اليومية المضنية المهلكة، من أول السراب إلى آخره، لا يمتلك غير جمر الأشواق الصافية، وجماليات القصيدة المشحونة التي يتحدى بها آلات الحرب والمعابر الحدودية والأسلاك الشائكة، لينفتح بحروفه المتشظية على الجرح العراقي والشتات العربي والأوجاع الإنسانية، مستشعراً الخطورة المحيطة في معترك التفاصيل الحياتية الاعتيادية، ومستشرفاً النهاية في أية لحظة يتوقف فيها النبض فجأة وينتهي التدفق، "مهنة قاتلة/ أن تحمل في يدك نقطة/ وتنفق حياتك باحثاً عن آخر السطر".

التشبث والتقصي

يواصل عبود الجابري ما اقترحه في دواوينه السابقة "فهرس الأخطاء" و"يتوكأ على عماه" و"متحف النوم"، و"فكرة اليد الواحدة"، و"تلوين الأعداء"، و"في البيت وما حوله"، من تشبث بالأرض حتى الرمق الأخير، فلربما تتقلص الاختناقات التي وصلت به وبالأحياء إلى نفق مسدود، وهواء لا يصلح للتنفس، "لا أزاحم أحداً في قبره/ فلماذا يضيق بعض الموتى، بمناجاتي للأرض، كي تكون أكثر اتساعاً؟... أنا رجل فضفاض، يضيق علي هذا العالم، كلما اتسخ قماشه، وصار علي أن أغسله".

وهو بهذا التشبث بالأرض يبدو كجندي منخرط في المقاومة، وفي إحدى يديه قنبلة صغيرة وفي يده الأخرى فسيلة خضراء يود لو يزرعها ذات فجر، إذا أتيحت له تربة خصيبة أو حضن امرأة طيبة لديها روح شفيفة ووعي بما يعتريه من ألم وأمل في آن، وما يتنازعه من ربيع وخريف متناقضين، "كما ترين فإن الدم يبدو أخضر على طين جلودنا/ لكننا لم نكن حدائق ولم تكن أوردتنا أغصاناً/ فهل لديك تسمية لبكاء السواقي قرب منازلنا كل يوم؟/ هل لديك من الحب ما يجعل الدم يسيل من الشرايين، دون أن يترك أثراً على القميص؟".

وتتعدد دلالات هذا "الأثر" الذي يتحدث الشاعر عنه كثيراً في ديوانه المحتفي بشعرية التقصي، إذا جاز التعبير، فالعنوان الدال يحيل منذ البداية إلى أثر حصان، ثم يكتشف القارئ على امتداد النص صوراً متنوعة ومختلفة لهذا الأثر، سواء كان أثر حصان أو غيره من أبجديات الجموح والانفلات والمغامرة والانطلاق في هذا العالم الرتيب الضيق.

وبرقة المايسترو الذي يموت في ما تبقى من الحداء، ولا يزال يخطط لأسفار بعيدة في أنين النايات، يكتشف الشاعر المفتش دائماً عن الجذور أن في الموسيقى أيضاً أثراً من ذيل حصان أصبح وتراً، كما أن في الموسيقى ندبة من وجه عازف، أخطأ الطريق إلى الحنين وأومأ إلى الراقصة أن تتمايل على جرح المسافر.

شعرية القسوة

وتتجلى تلك الالتفاتات الموسيقية في لوحة الغلاف التي تجسد العازف والأوتار والأنغام المؤثرة، وهنا يتلاقى الشعري والموسيقي والتشكيلي معاً، وهو منحى يتكرر على امتداد صفحات الديوان المئة، لا سيما في النصوص المختزلة ذات الطبيعة المشهدية التي تنفتح كذلك على العلبة المسرحية، وكادرات السينما وتقنية السرد والحوار، وغيرها من الألوان والثيمات الإبداعية. ومن ذلك قصيدته "زووم" التي يقسمها إلى لقطات بصرية قصيرة، وإحدى هذه اللقطات التشكيلية ترسم لوحة "ثمة ما يستحق الانتظار وإن لم يأتِ، الضربة الأخيرة من ريشة امرأة على لوحة ترسم فيها رجلاً ينحني كل لحظة، ليلتقط قلبه من بين قدميه".

على أن الأثر الأعظم الذي لا يكف الشاعر عن اللهاث خلفه بوصفه الحقيقة المتوارية أو الفضاء المحجوب الموازي، هو ذلك "الوطن" بكل ما تحمله الكلمة من معان وإشارات ومساحات للتأويل، فحجارته الداكنة تظل لها قلوب بيضاء، وبين ذراعيه فقط يكون العناق: عناق العشب، والتراب، والحبيبة: "أعرف رجلاً مفدوحاً يحب التراب/ يمرغ جسده وروحه في قلبه/ ويعانق العشب بأجفانه/ يحب تراب الحديقة/ تراب البلد الهارب/ وتراب المدن التي تدفنه في حفرها/ وكأي قصيص أثر، يحب آثار خطوات امرأة بعينها، مطبوعة على التراب/ وحين يعثر على ما يلمع في روح التراب/ يعيده إليه/ كي لا يمسح عنه فضيلة لونه الداكن/ حتى أنه حاول أن يصير تراباً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يذهب عبود الجابري في أخيلة ديوانه "أثر من ذيل حصان"، وفي صوره المركبة المنحوتة من لحم الواقع إلى تمثيل كل ما تحفل به حركة الحياة من شرور وصراعات ودمار وكبت لحرية البشر وتضييق على إرادتهم واختياراتهم، خصوصاً في الهزيع الأخير من عمر الإنسانية الذي اشتدت فيه المحن بمستوياتها المتعددة، وذابت الفواصل بين الأحياء المعذبين في الشوارع والجثث المحشورة في القبور، "كل شيء ينتحب في قلب الشاعر: المرأة الكسيرة، المعنى الكسيح، والسهم الراشد".

لكن شعرية القسوة هذه التي تبدو ظاهراً كأشواك مسنونة لا تخفي عن الرائي المتأمل جماليات الوردة ورحيقها المركز المحمل بالفكرة الفلسفية والرؤية العميقة، "حتى وهم يضربون على الأرض بأقدامهم لا يجدون ضيراً من الركون إلى أقرب منعطف مظلم/ في سبيل تأجيل الصباح/ ربما من أجل أن ينزع أحدهم سترته/ ويغطي بها جثة يتيمة/ إنهم قتلاك الذين يتجولون دون رقيب/ في صفحة الوفيات من جرائد الأعوام الماضية/ ولعلك تدركين معنى أن يتحادث الأموات للتباحث في شؤونهم ليلاً".

تتخلى القصيدة أحياناً عن تلك المكابدات المأساوية في الواقع الدامي الملموس، لتنعطف من مسار التفاصيل اليومية الممزقة للجسد إلى هدنة تحت شجرة العشق تلتئم فيها الروح، ربما في لحظة مسروقة من الزمن أو في حلم يقظة أو عند تحليق أسطوري في الخيال.

ومن دون هذه المناورات الفانتازية للتخفف من الضغوط والأثقال يصعب تصور مواصلة الحياة الشحيحة، "قبل أن أعود لأعتكف/ في علبة الكبريت الواسعة/ سآخذ معي صورتك/ والقليل من نبرات صوتك/ والكثير من الأسف/ لأني أشهرت غيماتي الحزينات/ في عرض سمائك الصافية".

المزيد من ثقافة