عقد على "السلام" الهش في سريلانكا ولكن النزاع يحتدم مع خوض النخبة لعبة خطيرة

قبل عقدٍ من الزّمن، نظّم جنودٌ في الجيش عرضاً احتفالياً على الشاطئ. ومذاك، لم تُبذل جهود تُذكر لترجمة هذا المشهد الرمزي في عالم الواقع

أفراد من عائلات جنود قتلوا في الحرب الأهلية أمام النصب التذكاري للحرب في الذكر العاشرة على انتهائها (رويترز)

عندما سارت الفرقتان الثامنة والخمسون والتاسعة والخمسون من الجيش السّريلانكي الواحدة باتجاه الأخرى والتقيتا عند منتصف شاطئ بوثوماثالان في 15 مايو (أيار) 2009، كان مشهداً مُحكم الرمزية.

"حرّرنا البلاد برمّتها من قبضة الإرهاب"، أعلن ماهيندا راجاباسكي، الرّئيس السّابق لسريلانكا بعد أيّام قليلة. وفيما كان يخطب في البرلمان باللغة التّاميلية، أكّد للحضور أنّ الحرب لم تكن موجّهة ضدّ الشّعب التّاميلي. وقال آنذاك بالحرف الواحد "من الضّروري أن نجد حلّاً محليّاً لهذا النزاع، ومن الضروري أن يكون هذا الحلّ مقبولاً في جميع أطياف المجتمع. لا بدّ أن نجد حلاً يرتكز على فلسفة بوذا".

اليوم، وبعد عقد على نهاية الحرب الأهلية الدّامية بين الحكومة السّريلانكية ومنظمة "نمور تحرير إيلام تاميل" والتي أسفرت عن مقتل حوالي 200 ألف شخص وتسجيل ثاني أكبر عدد من المفقودين في العالم على مدى 26 عاماً، لا زلنا بانتظار هذا الحل. وتنتظر ما بين 60 ألفاً و100 ألف حالة اختفاء من أواخر ثمانينيات القرن الماضي، البتّ فيها. ثمة قضايا كثيرة لا يُمكننا التطرّق إليها هنا، لكن الأكيد أنّ تاريخ سريلانكا متجذّر في العنف والدّم.

 

إثر انتهاء الحرب، وجّه المجتمع الدّولي ادّعاءات ارتكاب جرائم حرب إلى الحكومة السريلانكية. وعيّن أمين عام الأمم المتحدة آنذاك هيئةً من الخبراء للتحقيق في الاتهامات، وعقدت مفوضية حقوق الإنسان للأمم المتحدة (UNHRC) سلسلة دورات في هذا الخصوص، لعلّ أشهرها جلسة السادس والعشرين والسابع والعشرين من أيار 2009 السيئة الصيت، التي شهدت على صدور قرار امتدح الحكومة السّريلانكية وأثنى عليها – على الرّغم من اتهامها بارتكاب جرائم حرب.

وفي تلك الأثناء، سعت سريلانكا ببراعة وإتقان إلى تنظيم حلفٍ من دول قوية تدعم حربها ضد منظمة نمور تاميل؛ وكان لها ما سعت إليه.

مُذ نالت سريلانكا استقلالها في العام 1948، تسلّمت مجموعة من نخبة السياسيين السنهاليين الانتهازيين مقاليد الحكم فيها. وعلى مرّ السنين، استمدّت هذه النخبة قوّتها من استبعاد مجتمعات الأقليات وتهميشها وحرمانها من حقوقها، تحت لواء القومية السّنهالية البوذية التي استأثرت بالسلطة وتلاعبت بأغلبية سكان البلاد

وخلقت الحاجة إلى عدو دائم لأجل البقاء في السلطة. وسريلانكا اليوم، دولة أمنيّة مُشبعة بالقومية السّنهالية البوذية.

فالجهود التي بذلتها الأمم المتحدة اعتباراً من العام 2009، لم تُسفر سوى عن تحسّنٍ ضئيل. والدورات الخاصة المختلفة وزيارات أمين عام الأمم المتحدة والمفوضين السّاميين لحقوق الإنسان والتقارير اللاحقة لخبراء حقوق الإنسان لم تُحدث أثراً يُذكر. وبعد مضي سنوات على رفض سريلانكا، في عهد الرئيس راجاباسكي، التعاون مع آلية حقوق الإنسان الدولية، قرّر رئيس البلاد الحالي مايثريبالا سيريسينا، بُعيد انتخابه في العام 2015، أن يكون أكثر انفتاحاً من سلفه.

وقد تكون حقوق الإنسان وسيلةً قيّمة يُعوّل عليها قادة دول العالم الثالث للدفع بشرعيّتهم الدولية قدماً واستقطاب التجارة والاستثمارات. لكن في سريلانكا، لم يُنفذ سوى القليل من القوانين التي من شأنها التمهيد لعدالة انتقالية (باستثناء إنشاء مكتب للمفقودين، وكانت عملية إنشائه بالغة البطء) أو إرساء ثقافة المساءلة.

فغلبت ثقافة الإفلات من العقاب على تاريخ سيريلانكا، مع مرور جرائم الحرب فيها من دون محاسبة وبقاء مصير آلاف السريلانكيين المفقودين مجهولاً، إلى جانب قضايا أخرى مهمة، منها وقف الدعم المخصّص للأسر التي تُعيلها امرأة في مجتمعٍ أبوي، وحظر التداول العام في الفيدرالية إلى حد كبير ومواصلة عسكرة دوائر الحياة العامة.

 

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، لفتت مفوّضة الأمم المتحدة السامية الجديدة لحقوق الإنسان، ميشيل باشليه، إلى بدء المشاورات حول مكتب المفقودين، منوّهةً بأنّ "إحراز مزيد من التقدم في تعزيز المساءلة وتقصّي الحقائق، قد يكون له وقع كبير على استقرار الأمّة وازدهارها في المدى الطويل".

إلى ذلك، أعربت باشليه عن قلقها إزاء "الأحداث التي تتكرر فيها أعمال العنف بين الأعراق والجماعات". والحوادث العنيفة في أحد الفصح كانت أشد مظاهر هذه المخاوف.

فجاءت التفجيرات المروّعة يومها، بمثابة تذكيرٍ مؤلم بالعنف المستمرّ في سريلانكا. وفيما لا تزال الهجمات تُثير علامات استفهام كثيرة، ثمة إقرار بوجود إخفاقات في تبادل المعلومات الاستخبارية. وبرأيي، من الصّعب فصل هذه الواقعة عن الأزمة الدستورية التي عصفت بالبلاد في العام 2018 وأدّت إلى إقالة الرئيس رانيل ويكريميسينغي من منصبه في رئاسة الوزراء.

علاوة على ذلك، أسهمت أحداث الشّغب الديني بين المجتمعين الإسلامي والبوذي في العامين 2014 و2018 في خلق تربة خصبة للإرهاب. وها هي هذه التوترات تعود إلى الواجهة من جديد. يبدو أنّ العقيدة السنهالية البوذية تحتاج إلى عدو دائم لتبقى على قيض الحياة. وما أنظمة الطوارئ التي سنّتها حديثاً، بما فيها تلك التي تُحظّر غطاء الرأس، سوى نتاج هيمنتها الإيديولوجية ونبذ شريحة مهمّشة أصلاً من الأقليات؛ كما أنها تشبه إلى حدّ كبير "قانون السنهالية فقط" الذي كان له تأثير كبير في التاميل.

يبدو أنّ جزيرة سريلانكا الكائنة في المحيط الهندي، وهي تعرف بجمالها وضيافة أهلها وكرمهم، هي مكان حافل بالعنف. وقد تكون في مرحلة ما بعد الحرب، ولكنها ليست بعد في مرحلة ما بعد النزاع. فالأقليات لا تزال مقصيّة عن مقدّرات الدولة المشتركة، ولا تزال معاناة عامة الرجال والنساء من غير علاج، والثقافة الحالية والسردية الغالبة لا يخدمان سوى زمرة نافذة وتستندان إلى عقيدة مدمّرة. وعلى حدّ قول مارك تواين: "التاريخ لا يُعيد نفسه لكنّه كثيراً ما يتشابه". وبالنظر إلى التطورات الرّاهنة على الساحة السريلانكية، يبدو أن التاريخ يتشابه من جديد.

الدكتور ثاميل انانثايناياغان هو محاضر في القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي في كلية غريفيث دبلن.

© The Independent

المزيد من آراء