الدبلوماسية الإيرانية تبحث عن وسيط دولي لحل الأزمة مع واشنطن

تحركات إقليمية لمساعدة طهران في إيجاد المخرج

 إيرانيان يمران من أمام كشك للجرائد والمجلات في طهران (أ. ف. ب.)

قد لا يكون كلام رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه عن ضرورة فتح باب الحوار المباشر بين طهران وواشنطن، كلاماً صادراً عن عبث أو من خارج السياقات الإيرانية المعنية بالقرار الاستراتيجي للنظام. كما تندرج في الإطار ذاته، إشارة فلاحت بيشه إلى إمكانية أن تلعب بعض الدول دور الوسيط في الأزمة، محدداً العراق وقطر كطرفَين مؤهَلين لذلك.
وإذا كان رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي عمد إلى تشكيل لجنة تتولى مهمة الوساطة بين طهران وواشنطن، مؤلّفة من وزير الخارجية محمد علي الحكيم ومدير الاستخبارات العامة مصطفى الكاظمي ومستشار الأمن القومي فالح الفياض، فإنها خيارات تحمل رسائل عراقية في جميع الاتجاهات، لأن الأشخاص المكلفين، يتمتعون بعلاقات متشعبة إن كان باتجاه واشنطن أو دول الخليج أو إيران، إلا أنه يمكن القول إن هؤلاء الثلاثة يتمتعون بمظلة إيرانية وأميركية وعربية تسهّل عليهم لعب دور في نقل الرسائل والتخفيف من حدتها بين الجانبين.
في موازاة الخطوة العراقية، كشفت مصادر إعلامية في الحزب الشيوعي الإيراني (توده) عن حركة طيران غير عادية تشهدها الأجواء الإيرانية ومطار طهران تحديداً. وقالت المصادر إن ذلك المطار استضاف السبت الماضي في الثامن عشر من الشهر الحالي (18/5/2019) طائرة خاصة تحمل الرقم A7MBK تقل وفداً من دولة إقليمية أجرى زيارة استمرت 7 ساعات، لكنها لم تكشف النقاب عن مهمة الوفد وهوية الشخصيات الإيرانية التي التقى بها، ولا طبيعة المهمة التي جاء فيها. وأكدت المصادر ذاتها بوضوح أن تحركات دولية وإقليمية بدأت ترتفع وتيرتها بهدف التوسط بين الطرفين للتوصل إلى نقاط مشتركة تسمح بفتح باب الحوار بينهما للخروج من الأزمة والتخفيف من حدة التوتر وإبعاد الخيار العسكري نهائياً عن المنطقة.
في هذا السياق، أتى كلام حميد بعيدي نجاد، سفير طهران لدى العاصمة البريطانية لندن، عن التزام بلاده بالبقاء في الاتفاق النووي وعدم الانسحاب منه بعد انتهاء مهلة الـ 60 يوماً التي منحتها إيران للدول الأوروبية لاتخاذ خطوات عملية بشأن التعاون الاقتصادي وتفعيل آلية التعامل المالي (انستكس) التي أعلنت عن تشكيلها لهذا الهدف. ولم ينف بعيدي نجاد أن تقوم بلاده بخطوات جديدة بعد هذه المهلة، لكنها ستكون في إطار الاتفاق النووي بما لا يمس التزامها به، من دون أن يُسقِط خيار الانسحاب من على طاولة القرار الإيرانية.

ردود سلبية

موقف السفير الإيراني أثار ردود فعل شاجبة وإدانات من قبل أقطاب في التيار المحافظ المتشدد الداعم لخيار التصعيد والمواجهة، وصولاً إلى ضرورة الخروج من الاتفاق، واعتُبر أن كلامه يصب في إطار إضعاف الموقف الإيراني. وذكّرت الشخصيات الرافضة لتصريحات فلاحت بيشه بأن الموقف النهائي يدخل في إطار صلاحيات المجلس الأعلى للأمن القومي حصراً، كما أن هذه القرارات لا تصبح نافذة إلا بعد حصولها على موافقة المرشد الأعلى للنظام علي خامنئي.

سباق مع الزمن

في غضون ذلك، يبدو أن إيران والأطراف المعنية بالوساطة بينها وبين الإدارة الأميركية، دخلت في سباق مع الزمن، إذ ارتفعت وتيرة المخاوف خصوصاً لدى الدول الإقليمية وطهران من مغبة وقوع أحداث او صدامات غير محسوبة وخارجة عن السيطرة، تساهم في إشعال فتيل حرب ستكون مدمرة وستُدخل المنطقة في نفق لا أحد يرغب فيه. ولعل إطلاق صاروخ "كاتيوشا" في اتجاه المنطقة الخضراء، حيث تقع السفارة الأميركية في العاصمة العراقية بغداد، قد يشكل مؤشراً على إمكانية انفلات الأمور وعدم قدرة أي من طرفي الأزمة على وقف تداعيات أي عمل عسكري أو ردود أفعال محتملة. وجاء تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي أكد من خلاله أن مصير أي حرب تشعلها طهران مع أميركا ستعني "تدمير إيران بالكامل"، ليحمل تحذيراً واضحاً للنظام الإيراني بضرورة ضبط القوى التي تدور في فلكه ومنعها من التسبب في أي إحراج لإدارته كي لا تكون مجبرة على اعتماد خيار الحرب.

شروط التفاوض

وفي وقت يؤكد ترمب أنه بانتظار القرار الإيراني للجلوس إلى طاولة المفاوضات، إلا أنه لم يتراجع عن الشروط التي وضعها للتفاوض والتي لخصها خامنئي بالبرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى وتهديد أمنها واستقرارها، إضافة إلى ضرورة التوصل إلى ملحق للاتفاق السابق، يضم نقاطاً تتعلق بهذه الشروط. في المقابل، وبموازاة رفضها للشروط الأميركية، رفعت طهران سقف المواجهة السياسية مع واشنطن بأن وضعت بدورها شروطاً على أي عملية تفاوضية في المستقبل، حددتها باعتذار الولايات المتحدة عن قرار انسحابها من الاتفاق النووي والعودة إلى الالتزام العملي والفعلي به، معتبرةً أن على واشنطن الاعتراف بالدور والنفوذ الإقليمي لإيران وإلغاء كل العقوبات التي فرضتها عليها.

رسالة إلى البيت الأبيض

لكن إيران وفي خطوة قد تُفسَر بأنها تدخّل في الشؤون الداخلية للإدارة الأميركية، وجهت رسالة إلى البيت الأبيض عبر إحدى القنوات التي تعمل على خط التهدئة وفتح حوار بين الطرفين، تطلب فيها أن يُبعد ترمب مستشاره للأمن القومي جون بولتن ووزير الخارجية مايك بومبيو عن الملف الإيراني. وتتهم طهران هاتين الشخصيتين بالعمل مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو على دفع الرئيس الأميركي إلى اتخاذ قرار بالمواجهة العسكرية وإشعال الحرب. وشهدت المواقف الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف التي أدلى بها خلال زيارته الأخيرة إلى نيويورك أو خلال جولته الآسيوية، وتحديداً في الصين واليابان، استهدافاً مباشراً لبولتن وبومبيو واتهامهما بجرّ الموقف بين طهران وواشنطن إلى مواجهة عسكرية.
قد لا تحتاج طهران لقنوات دولية عدة لفتح قناة اتصال مع الإدارة الأميركية، فوزير خارجيتها يُعتبر من الشخصيات الأكثر معرفةً بآليات التواصل مع هذه الإدارة منذ بداية الألفية الثالثة وعشية الحرب الأميركية على أفغانستان، وهو قادر على التواصل مباشرةً مع مراكز التأثير في حال حصوله على الغطاء السياسي من القيادة الإيرانية. ويبدو أن التخويل الذي حصل عليه قد يمكّنه من القيام بذلك. كما يشكّل ما نقلته وكالة "ايلنا" شبه الرسمية عن اتصال ظريف بالسناتور الأميركي دايان فاينستاين مؤشراً على استعداد إيران لفتح حوار مباشر مع واشنطن. وأكد السناتور في بيان أصدره بعد تلقيه اتصال ظريف أن "لا حاجة للحرب من أجل حل المشاكل، وعندما يعلن الطرفان أنهما يبحثان عن طريق للحل، فإنني أشدد على إجراء حوار بين وزير الخارجية بومبيو ووزير الخارجية ظريف، لأنني أعرف أن ظريف لا يريد التوتر مع الولايات المتحدة".

المزيد من الشرق الأوسط