Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائية سالي روني تفتقد العالم الذي أبعده زمن الحجر

روايتها الجديدة حظيت برواج كبير قبل 4 أشهر من صدورها

الروائية الهولندية سالي روني (صفحة الكاتبة على فيسبوك)

أكثر ما يسترعي الانتباه في رواية سالي روني الجديدة "أيها العالم الجميل، أين أنت"، طريقة الدعاية الذكية التي جعلت من صدورها حدثاً أدبيّاً لعام 2021. مشهد القبعات وحقائب اليد المشغولة على غلاف الرواية، يجعلك تشعر بالإحباط لكونك كاتباً عربياً، تتذكر كم مرة كظمت غيظك حتى لا تنفجر في وجه الناشر لأن كتابك الذي تنتظره بفارغ الصبر، ما زال في قبو مظلم حبيس الكراتين، على الرغم من إعلانه على صفحته الشخصية عن صدوره منذ أسابيع.

ناد لبيع الكتب

قبل صدور الرواية بأربعة أشهر، وزعت دار النشر النسخ غير المخصصة للبيع، فاشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بالوجوه المتباهية جوار نسخة من رواية لم تصدر بعد. على الجانب الآخر، منشورات القراء غير المحظوظين، وهم يتحسرون على عدم حصولهم على نسخة مسبقة. وسرعان ما أقيم مزاد ساخن لبيع النسخ المجانية، بيعت واحدة منها على موقع eBay مقابل 209 دولارات، حتى الحقيبة القماش وصل ثمنها إلى نحو 80 دولاراً.

لم يكن هذا مستساغاً في عالم صناعة الكتاب لفترة قريبة، لكن هواة جمع الكتب استطاعوا خلق سوق لبيع الكتب النادرة والمرغوبة من القراء. في هذا الصدد يقول دان باسيت، بائع الكتب في بريستول الذي يرسل بانتظام نسخاً من الكتب التي قيد النشر "عندما يظهر كتاب على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أشهر من صدوره، يصاب المدونون والقراء بالجنون، وأدى ذلك إلى قيام الأشخاص ببيعها". بينما يرى آدم هوارد، أحد المسؤولين في النشر "جزء من هذا النشاط هو جعل الناس يشعرون وكأنهم في نادٍ حصري، لكن ما حدث مع سالي روني لم نشهده من قبل".

في 7 سبتمبر (أيلول)، صدرت الرواية أخيراً بعد أربعة أشهر من التشويق، وكان طبيعياً أن تتصدر قائمة أكثر الكتب مبيعاً على موقع "أمازون" منذ اليوم الأول، فبادر الناشر بفتح متجر مستقل لتلبية زيادة الطلب.

العاديون ليسوا عاديين تماماً

روني كاتبة إيرلندية، مواليد 1991. برز اسمها بقوة منذ أربع سنوات فحسب، مع صدور روايتها الأولى "أحاديث الأصدقاء"، وقد بادر سبعة من الناشرين بالتنافس على شراء حقوقها عن طريق مزاد، وبيعت في 12 دولة.

أحاديث روني عن الأصدقاء كانت نقطة انطلاقها الحقيقية، وأصبح مألوفاً جداً أن تلمح العنوان مدرجاً في قوائم الجوائز المرموقة لهذا العام. فازت الرواية بجائزة "التايمز" وجائزة "الكتاب الإيرلندي". وفي العام التالي مباشرة كان عملها الثاني في المكتبات.

في "الناس العاديون"، اتضح مشروع روني الكتابي. الحديث الحي، بكل نواقصه وفضائحه، توسلت به للمرة الثانية لرصد حكاياتهم المخجلة في كثير من الأحيان، التي أدرجت في قائمة البوكر وديلان والمرأة للخيال، وحصلت على جائزة "كوستا" وجائزة "أنكور".

إلى جانب الرواية، كتبت روني الشعر والقصة والمقال. وأسهمت في كتابة وإنتاج الفيلم المقتبس عن روايتها الثانية على تلفزيون "هولو/ بي بي سي".

المعيبون في عالم غير مكتمل

عنوان روايتها الثالثة " أيها العالم الجميل، أين أنت"، استلهمته من قصيدة لفريدريش شيلر. ومن خلال أربعة أبطال، أليس وإيلين وفيليكس وسيمون، شيدت شبكة من القنوات لشباب في أواخر العشرينيات / أوائل الثلاثينيات، يدخلون في علاقات حب، يجربون الجنس وهم يشقون طريقهم بحثاً عن الجمال في الحياة. الحياة التي رضخنا لمرورها كسحبة وتر، واقتصر رد فعلنا على الشعور المنغص بالخديعة، ونحن ندرك تماماً أن لا شيء مهما اجتهدنا، بوسعه أن يسترد زمناً مفقوداً. هذه الحياة لم تنتظر روني أن تراها كغيرها في عداد المفقودين، تكتفي بالجلوس والتحسر، واختارت أن تتشبث باللحظة الراهنة، تمددها على طاولة التشريح، عسى يكون بوسع جيلها "الأذكى" أن يفهم درسه مبكراً.

تتناوب فصول الرواية بين ضمير الغائب ومراسلات عبر البريد الإلكتروني بين أليس وصديقتها المقربة إيلين. طريقة الحديث وتطور الحوار بين الفتيات ونطاق الموضوعات المطروحة، تخبرنا بالكثير عن طبيعة المرأة في العصر الافتراضي؛ الحرية التي ظهرت إرهاصاتها في الجيل السابق، أصبحت هنا ملموسة تماماً. غير أن فكرة الجرأة من خلف حائط افتراضي، تتقوض رأساً على عقب بمجرد أن تلتقي الوجوه العارية في عالم حقيقي!

شخصيات روني مزعجة، وغالباً ما تكون بغيضة ومتغطرسة إلى حد منفر، حين تطرح أفكارها الفلسفية المنقوصة الضاجة بالجدل. ولا عجب في ذلك، فهم يعرفون جيداً كيف يتكيفون للعيش في عالم ناقص.

أليس كما في الرواية، كاتبة مشهورة، ما يسمح لروني بمناقشة موقعها الخاص في مشهد الرواية المعاصرة من خلال الشابة الحائزة على جوائز، وليس لديها سوى فكرتين جيدتين للكتابة، كل منهما تثير الضحك، لذا تفكر ألا تكتب رواية أخرى، ليس فقط لأنها تكره الضجيج وتطفل وسائل الإعلام، ولكن لأن كتابة الروايات تبدو "مبتذلة ومنحلة وحتى عنيفة من الناحية المعرفية".

يظهر الفنان الحزين كشخصية متكررة في كل رواياتها، "لها صفحة على ويكيبيديا"، أحدهم يغمغم في حفلة، وهو يبحث عن اسمها على النت. يسألها فيليكس "ربما كتبتها بنفسك". فترد أليس "لا، بالكتب وحدها".

بين الذات والموضوع

تنتصر روني كعادتها للأحاديث الحية بين الأصدقاء، بعيداً عن القص على طريقة الحكائين، لكنّ فرقاً على المستوى الفكري بين رسائلها في أعمالها السابقة وروايتها الأخيرة. هنا تمنح نفسها الفرصة لمناقشة كل شيء من الرأسمالية وأزمة المناخ إلى انهيار العصر البرونزي المتأخر، فيتكدس عالمها الجميل بمجموعة واسعة من الأفكار الكبيرة "كانت تفكر أخيراً في سياسة الجناح اليميني وكيف أن هذه النزعة المحافظة (القوة الاجتماعية) أصبحت مرتبطة برأسمالية السوق الجشعة". من بين الموضوعات الأخرى المطروحة للنقاش عبر رسائل الصديقتين، ما إذا كان "البشر فقدوا ملكة الجمال في عام 1976"، أو مناقشة "الخطأ الفلسفي في نظام الإنتاج الأدبي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ما يحرك الرواية حقاً، تلك النزعة الفردية والحوار الدائر، بتدفقه وحيويته. الاستفادة من شخصيتها المبطنة، بمساحات فريدة وعميقة، كما في الأجزاء المخصصة عن سايمون، في رسم صورة واضحة للتناقض بين الطبقات الاجتماعية. فبينما يعمل سايمون لساعات طويلة في مستودع، تشرب أليس الشاي وتراجع بريدها الإلكتروني. يكاد يكون من السخرية الأهمية التي يوليها الفنانون للفن لأن أليس مليونيرة وسيمون معدم بل ومديون، وهو أمر تؤكده روني حين تقول إن المؤلفين المشهورين أقل اهتماماً بالحياة وأكثر هوساً بما إذا كان سيتم مراجعة كتابهم الأخير في "التايمز"!

الجحيم ليس الآخر

أعوام من العزلة والانغلاق تحت رحمة "كوفيد-19"، تكفلت بفضح هشاشة الذات من دون الآخر. اكتشفنا أن الأهل والأصدقاء والجيران ورفاق العمل، وكل من أضجرونا بإلحاحهم، كانوا جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ما إن يغيبوا، تختفي الحياة برمتها وينتفي حضورنا ذاته. "أيها العالم الجميل، أين أنت" ضمن الروايات التي انتبهت إلى قيمة الآخر المهدورة واستكشفته على طريقتها.

وصفها براندون تايلور في صحيفة "نيويورك تايمز" بأنها "أفضل رواية لروني حتى الآن"، بيد أنه أعرب عن قلقه من أنها تفتقر إلى النقد السياسي أو الأخلاقي الموضوعي. من وجهة نظر بعضهم أنها لا تقدم حلولاً واضحة للمشاكل الاجتماعية التي تتناولها، لكن، متى كانت مسؤولية الأدب تقديم مثل هذه الحلول؟

لقد أمسكت روني، وهذا يكفي، بلحظة نادرة من الضعف البشري وهو رهن الحجر الصحي، والعالم قاب قوسين أمام أعيننا من محطته الأخيرة. كل ما كان يشغل الجميع، من سيعبر معي الضفة الأخرى إلى الموت أو الحياة. هنا اختفت القضايا الكبرى بكل جلالتها، وظهر الآخر كمطلب وحيد.

المزيد من ثقافة