Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجوع يتسبب بـ"مجزرة صامتة" في تيغراي والعالم يتفرج

أطفال يموتون في أحضان أمهاتهم والحكومة الإثيوبية متهمة بمحاصرة الإقليم

تظاهرة أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك أثناء انعقاد الجمعية العامة للمنظمة تنديداً بالصراع في تيغراي (أ ف ب)

خلف ضجيج الأسلحة، يتقدم الجوع بصمت في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا التي تهزها الحرب منذ أكثر من عشرة أشهر، وحيث تقول أمهات إنهن اضطررن إلى إطعام أطفالهن أوراق الشجر لإبقائهم أحياء.

تشق تلك النساء طريقهن بين مواقع المعارك بحثاً عن مساعدات غذائية، فيما يشاهدن علامات سوء التغذية لدى أطفالهن: الخمول والطفح الجلدي وفقدان الشهية من بين علامات أخرى.

تتزايد هذه الأعراض وتنذر بالأسوأ، وفق وثائق داخلية وصور لوكالة إنسانية اطلعت عليها وكالة الصحافة الفرنسية هذا الأسبوع، توضح بالتفصيل الوفيات بسبب المجاعة في منطقتين. وسُجلت حالات وفاة أخرى يشتبه في أن الجوع تسبب بها.

تنقل وثائق الوكالة شهادة لأم طفلة تبلغ 20 شهراً من مدينة أديغرات تقول فيها، "قبل الحرب، كانت ابنتي بصحة بدنية وعقلية جيدة... أنظر إليها الآن. لقد فقدت شهيتها لأسابيع ولا يمكنها المشي، لقد فقدت ابتسامتها".

وأتاحت الوكالة الإنسانية الوثائق بشرط عدم الكشف عن اسمها، خوفاً من عقوبات تفرضها الحكومة الإثيوبية التي أوقفت نشاط عدد من المنظمات غير الحكومية.

"مجزرة صامتة"

مرّ نحو ثلاثة أشهر منذ أن نبّهت الأمم المتحدة إلى أن 400 ألف شخص في تيغراي "تجاوزوا عتبة المجاعة".

وازداد مذاك الوضع سوءاً في المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا والخاضعة وفق الأمم المتحدة لـ"حصار فعلي" يمنع وصول غالبية المساعدات الإنسانية.

وبعد أشهر من القتال والمذابح التي خلّفت آلاف القتلى، يخشى الأطباء موجة وفيات جديدة نتيجة مجاعة مماثلة لتلك التي عاشتها إثيوبيا في الثمانينيات.

وقال مدير الأبحاث في مستشفى آيدر في ميكيلي عاصمة تيغراي، الدكتور هايلوم كيبيدي، لوكالة الصحافة الفرنسية، إن ما يجري "مجزرة صامتة".

وأضاف أن "أسوأ ما في المجاعة هو أنك سترى الناس يحتضرون، لكنهم لن يموتوا على الفور. يستغرق الأمر وقتاً، تضعف أجسادهم تدريجاً. ذلك أسوأ من الموت رمياً بالرصاص".

اندلاع النزاع

وبدأ القتال في نوفمبر (تشرين الثاني) في تيغراي، بعد أن أرسل رئيس الوزراء آبي أحمد، الحائز على جائزة نوبل للسلام عام 2019، قوات حكومية لإطاحة السلطات الإقليمية المنبثقة من جبهة تحرير شعب تيغراي التي اتهمها بتدبير هجمات على معسكرات الجيش الفيدرالي.

وحال القتال دون حصد المحاصيل في منطقة تعاني أصلاً انعدام الأمن الغذائي. وازداد الوضع سوءاً مع منع وصول المساعدات الغذائية ونهبها.

واستعادت جبهة تحرير شعب تيغراي السيطرة على غالبية الإقليم نهاية يونيو (حزيران) الماضي. وانسحب عندها معظم القوات الفيدرالية، وأعلن مكتب آبي أحمد وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية. لكن القليل جداً من المساعدة وصل إلى تيغراي، فيما أفادت الولايات المتحدة عن تسليم أقل من 10 في المئة من الإمدادات الضرورية الشهر الماضي.

ويتهم القادة الفيدراليون جبهة تحرير شعب تيغراي بعرقلة الوصول إلى شمال البلاد نتيجة هجماتها الأخيرة في منطقتي عفر وأمهرة المجاورتين.

الأمم المتحدة أكدت من جهتها الأسبوع الماضي أن مئات شاحنات المساعدات الإنسانية "لم تعُد" من الإقليم.

نفاد الإمدادات

وصرح متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لوكالة الصحافة الفرنسية هذا الأسبوع، بأن "الولايات المتحدة منزعجة من التقارير التي تتحدث عن موت الناس جوعاً في إثيوبيا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف أن "الوصول البري والجوي إلى جانب الكهرباء والاتصالات والبنوك وإمدادات الوقود ضرورية للسماح بإيصال المساعدات، وهو ما ترفض إتاحته الحكومة الإثيوبية، ما يُعدّ علامة على حالة حصار".

ووقّع الرئيس الأميركي جو بايدن الجمعة أمراً تنفيذياً يسمح لإدارته بفرض عقوبات على أطراف النزاع إن لم يلتزموا حلاً تفاوضياً.

وفي مستشفى آيدر نقص في كل شيء، وما لا يقل عن 50 طفلاً هم في العناية المركزة بسبب سوء التغذية لكن الأطباء عاجزون عن مساعدتهم، وفق الدكتور كيبيدي.

ويضيف الطبيب، "اعتدنا توفير الغذاء لهؤلاء الأطفال، لكن نفدت الأدوية ومخزون الطعام. لا يمكننا مساعدتهم".

الاستيلاء على المساعدات 

ووصلت أول شحنة مساعدات إنسانية للاتحاد الأوروبي إلى ميكيلي في 11 سبتمبر (أيلول) الحالي، ضمنها أغذية للأطفال الذين يعانون سوء التغذية. لكن السلطات الإثيوبية استولت على جزء من الأدوية قبل السماح بإقلاع الطائرة من أديس أبابا، وفق تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

ويوضح هايلوم كيبيدي أن الأطباء والممرضات لا يستطيعون حتى استخدام رواتبهم بسبب تعليق العمليات المصرفية ويعيشون على طبق من الشعير المحمص يُسمّى "كولو".

وأكد أنه حاول تنبيه وزارة الصحة التي أجابت "نعم نحن قلقون أيضاً، لكن ليست لدينا سلطة" سوى عرض الموضوع على رئيس الوزراء.

الوفيات تتزايد

وظهرت جيوب مجاعة خارج ميكيلي أيضاً. وتحدثت الإدارة المؤقتة لتيغراي التي نصّبها آبي أحمد في أبريل (نيسان) الماضي، عن ثماني وفيات في بلدة أوفلا.

وتأكدت في الآونة الأخيرة ثلاث وفيات أخرى في مهوني على بعد حوالى 120 كيلومتراً جنوب ميكيلي، واثنتان في عدوة على مسافة حوالى 160 كيلومتراً إلى الشمال الغربي، وفق وثائق وكالة الإغاثة.

وعلى الرغم من تراجع القتال في الإقليم إلى حد كبير في الأشهر الأخيرة، لا يزال الوصول إلى أقسام منه متعذّراً.

وأكد قادة في جبهة تحرير شعب تيغراي وفاة 150 شخصاً جوعاً في أغسطس (آب) الماضي، وأن مليوناً آخرين "يواجهون خطر مجاعة قاتلة"، وهي أرقام تعذّر التحقق منها.

وقدّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في يوليو (تموز)، أن أكثر من 100 ألف طفل سيعانون سوء التغذية القاتل على مدى الأشهر الـ12 المقبلة، أي عشرة أضعاف المتوسط السنوي.

ويخشى عدد كبير من سكان تيغراي مجاعة مشابهة للتي حدثت في الثمانينيات ونجمت أيضاً عن نزاع داخلي وأودت وفق الأمم المتحدة بنحو مليون شخص.

المزيد من دوليات