Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"التعرف على الوجه" تقنية إسرائيلية تستبيح حياة الفلسطينيين

تل أبيب تستخدمها تحت مسوغات "أمنية دفاعية" لإحباط "العمليات" وملاحقة مرتكبيها

ترصد كاميرات المراقبة الإسرائيلية تحركات الفلسطينيين (اندبندنت عربية)

على الطريق الواصل بين نابلس ورام الله، تعرضت سلمى (أربع سنوات) لوعكة صحية حادة أثناء نومها داخل سيارة عائلتها. وعلى الرغم من أن الوضع طارئ ويتطلب الوقوف إلى جانب الطريق لتهدئة الطفلة، فإن والدها لم يتمكن من ذلك خوفاً من تصاعد أزمة ابنته الصحية، لأزمة تتعلق "بتهديد أمن إسرائيل"!

فعند رصد أي مركبة فلسطينية على كاميرات المراقبة الإسرائيلية تتوقف بجانب مجموعة من المستوطنين المنتظرين في محطة الحافلات أو بالقرب منها، يسارع حرس الحدود والشرطة الإسرائيلية إلى المكان، للتحقيق في أسباب الوقوف ودوافعه الأمنية، وهو ما قد يتطلب ساعات طويلة، إن لم تطور الحالة إلى الاحتجاز.

حفظ الأمن

خلال السنوات الأخيرة، نشر الجيش الإسرائيلي بالتعاون مع جهاز الأمن العام (الشاباك) عدداً كبيراً من الكاميرات على "الطرق الالتفافية" الواصلة بين مدن الضفة الغربية والمستوطنات المتفرقة في أنحائها، وذلك بهدف مُراقبة الطرق وتحركات الفلسطينيين، بخاصة في المناطق القريبة من المستوطنات ومراكز الجيش والحواجز المنتشرة، تحت مسوغات "أمنية - دفاعية" كمنع وإحباط "العمليات" وملاحقة مرتكبيها، بالإضافة إلى الحفاظ على أمن المستوطنات ودوريات الجيش في هذه المناطق.

المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، عاموس هرئيل، تحدث في وقت سابق أن السلطات الإسرائيلية بدأت منذ عام 2017 بتسريع وتيرة نشر وتثبيت الكاميرات وأجهزة الاستشعار، في مواقع حددتها أجهزة الأمن على أنها "حساسة" و"استراتيجية"، بما يزيد على 1700 كاميرا مخفية ومكشوفة بمناطق رئيسة وفرعية في الضفة الغربية، لاستخدامها وسيلةً في تعقب الفلسطينيين.

ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور، لـ"اندبندنت عربية"، أن "رواية تل أبيب التي تندرج في الإطار الأمني - الدفاعي صحيحة، لأن هاجس الأمن يطاردها، فكل الإجراءات التي تتبعها السلطات الإسرائيلية تنتهك خصوصية الفلسطينيين، بدءاً من تفتيشهم جسدياً في الأماكن العامة مروراً بمراقبتهم على مدى الساعة من خلال شبكة ضخمة من الكاميرات الذكية المتطورة، وليس انتهاءً برصد واختراق كل ما ينشرونه على مواقع التواصل الاجتماعي. لهذه الكاميرات خطورة كبيرة على الفلسطينيين، لكونها تستخدم للتجسس عليهم، وهو ما يقيد حريتهم وحركاتهم وينتهك خصوصياتهم، إذ ترتبط هذه الكاميرات بنظام متطور، بحيث يُبنى مشهد كامل لتتبع الأشخاص المستهدفين عبر سلسلة كاميرات. بتنا اليوم نعيش على مدى الساعة تحت أعين الحكومة الإسرائيلية وشرطتها ومستوطنيها بفعل كاميرات المراقبة العالية الدقة، ولو أردنا القيام بذلك بجهد بشري سنحتاج إلى مجهود ضخم ووقت طويل، أما عبر الكاميرات فيمكن لشخص خلف الحاسوب تجميع المواد وإطلاقها خلال ساعات".

تعرف على الوجه

عام 2019، كشفت صحيفة "ذا ماركر" الإسرائيلية عن أن شركة تقنية إسرائيلية تنشر بالتعاون مع الجيش كاميرات مراقبة، يمكنها تحديد الأوجه بدقة عالية على الحواجز والمعابر التي يمر منها يومياً آلاف الفلسطينيين، بذريعة أن هذه الكاميرات يمكنها رصد أصحاب تصاريح العمل، ما سيؤدي إلى سرعة اجتيازهم الحواجز.

المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، يقول "كجزء من خطة شاملة لتطوير المعابر من خلال استيعاب المكونات التكنولوجية، تم إنشاء 27 معبراً بيومترياً، وأضيفت نقاط تحديد الهوية والتفتيش إلى التكنولوجيا الجديدة. تم تبسيط عملية التفتيش عند المعبر وتم تخفيضها بشكل كبير".

قانون الخصوصية لحماية المواطنين الإسرائيليين، المنصوص عليه في الحق الدستوري للخصوصية في عام 2018، تم تحديثه أخيراً، ليتطلب موافقة المواطنين الإسرائيليين على تسجيل قواعد بيانات جمع المعلومات مع الحكومة، مع استثناءات للأمن القومي. لكن هذا القانون لا ينطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية.

ويقول الخبير العسكري واصف عريقات، لـ"اندبندنت عربية"، إن "التقنية الإسرائيلية العالية الجودة موظفة لملاحقة ومراقبة الفلسطينيين لأغراض تجسسية، ضاربة عرض الحائط بحقوق الإنسان الفلسطيني التي نص عليها القانون الإنساني الدولي واتفاقات جنيف الأربعة والبروتوكولان الملحقان اللذان ينصان على حماية الأشخاص تحت الاحتلال، بخاصة أولئك غير المشاركين في أي أعمال ضده. تعمل إسرائيل من خلال هذه التقنيات وتصوير وجوه الفلسطينيين لإثبات جودة المنتج وتسويقه اقتصادياً وبيعه للعالم كما تسوق وتبيع الصناعة الحربية، بعكس ما تدعيه أن هذه الكاميرات التي تتعرف على الوجه تحبط العمليات أو تسهم في إلقاء القبض على من تدعي إسرائيل بأنهم مشتبه فيهم، بل وتعتبرهم حقل تجارب آمن ومجاني ومصدراً للدخل، إضافة إلى الاستخدام الأمني والترهيب".

مدينة بلا عنف

عام 2018، نفذت بلدية القدس الإسرائيلية بالتعاون مع الشرطة مشروع "عين القدس"، الذي يتضمن تركيب 500 كاميرا مراقبة ذكية جديدة في أنحاء مختلفة في المدينة، ويدعي القائمون على المشروع أنه يهدف إلى تحويل القدس إلى "مدينة بلا عنف".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جمعية حقوق المواطن في إسرائيل (فلسطينية مستقلة) كانت قدمت التماساً إلى المحكمة المركزية في القدس قبل عدة أشهر، طالبت خلالها بضرورة تقديم الشرطة والجيش معلومات تتعلق باستخدامهما لتقنية التعرف على الوجه "Facial Recognition Technology" من خلال كاميرات المراقبة المنتشرة في أنحاء متفرقة من القدس (بما في ذلك القدس الشرقية)، بعد أن رفضت الشرطة والجيش تقديم توضيح حول القضية بحجة أن ذلك "يُعرّض أمن الدولة للخطر".

مدير المركز الفلسطيني للبحوث والدراسات الاستراتيجية، محمد المصري، يشرح لـ"اندبندنت عربية" أن "كل الادعاءات الإسرائيلية على هذا الصعيد غير صحيحة، فالكثير من القضايا التي قُدمت للقضاء الإسرائيلي جاءت تحت عنوان (ملف سري) ولم تعرض فيها أي أدلة. إن الأمن الإسرائيلي قليلاً ما يُظهر هذه الأدلة الإلكترونية التي يدعي صحتها في المحاكم، لأنها ستنعكس عليه سلباً، وهذا واضح من خلال عمليات الإعدام التي يقوم بها الجيش على الحواجز بحجة الطعن. لا يمكن لأي دولة انتهاك خصوصية مواطنين من دولة أخرى عبر التكنولوجيا تحت أي حجة كانت، بما في ذلك مكافحة الإرهاب أو منع عمليات مفترضة".

فوائد واضحة

نوه "معهد أبحاث الكنيست"، بطلب من لجنة العلوم والتكنولوجيا البرلمانية وكجزء من النظر في قضية "حماية الخصوصية والآثار المختلفة لاستخدام تقنيات تشخيص الوجوه في الأماكن العامة"، إلى أنه "إلى جانب الفوائد الواضحة لاستخدام أنظمة المراقبة وتحليل الفيديو والصور للحفاظ على النظام العام، والتحقيق في الجرائم والعمل للحد من الجريمة، فإن استخدام تقنيات الكشف والمراقبة في الفضاء العام والتطبيقات التجارية الأخرى تشتمل على تحديات ومخاطر في استخدام هذه الأنظمة، يجب مراعاتها".

فيما أكد ممثل عن "وحدة تشخيص الهوية والاستخدامات البيومترية في هيئة السايبر الوطنية الإسرائيلية"، وفق المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي)، أن "التطبيقات البيومترية (أنظمة تعمل على التعرف على شخصية الأفراد بطريقة آلية) ليست بيومترية فقط، إنما تشمل وسائل إضافية لتحديد الهوية. فرض الرقابة في المجال العام أنقذ أموراً كثيرة في العالم حتى يومنا هذا، وغير تماماً القدرات على مكافحة الجريمة".

تحديات إنسانية

تشغل مسألة استخدام التكنولوجيا الحديثة منظمات حقوق الإنسان، التي ترى في الأمر تحدياً متصاعداً يجب التعاطي معه. فاللجنة الدولية للصليب الأحمر قالت في هذا الصدد "أسفرت التطورات التكنولوجية عن ظهور وسائل وأساليب جديدة للحرب، مثل الهجمات السيبرانية، والطائرات المُسيّرة من دون طيار والروبوتات المسلحة، ما أثار تحديات إنسانية وقانونية جديدة. ومن المهم جداً لأي دولة عند تطوير أو حيازة سلاح أو وسيلة أو أسلوب جديد من أساليب الحرب، أن تقيّم امتثال هذه الأسلحة والأساليب للقانون الدولي الإنساني".

المزيد من تقارير