Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السلفادور في مواجهة انهيار العملة الرقمية بعد اعتمادها "البيتكوين"

قد لا يكون متاحاً لهيئات الرقابة المالية فعل الكثير حيال عملة افتراضية لا تغطيها التشريعات، ما يضفي عليها سحراً وربما يحولها إلى لعنة

قد لا يكون متاحاً لهيئات الرقابة المالية فعل الكثير حيال عملة افتراضية لا تغطيها التشريعات (أ ف ب/غيتي)

هل ستصبح عملة "بيتكوين" bitcoin  الرقمية شرعية؟ هل ستنقش عليها صور أبطال عالميين (صورة العالم أينشتاين على ورقة الـ 100 بيتكوين، وصورة العالمة ماري كوري على فئة الـ 1000 بيتكوين)؟ هل سنتمكن قريباً من شراء صحيفة أو فنجان قهوة بواسطتها في شوارعنا التجارية؟ يبقى هذا أمراً مستبعداً جداً في هذه المرحلة بالتأكيد. لكن رئيس (جمهورية) "السلفادور المقدامة" نايب بوكيليه Nayib Bukele،  كما كان ليصفها زميلي سايمون كالدار، أعلن أخيرا أن "بيتكوين" ستصبح عملة تداول مشروعة ــ ما يجعل السلفادور أول الدول ذات السيادة التي تقدم على مثل هذه الخطوة.

المصارف المركزية ومن ضمنها بنك إنجلترا المركزي، بدأت بأخذ "البتكوين"ي على محمل الجد بشكل أكبر. المستثمر إيلون ماسك يقول إنه قد استثمر فيها ــ ويمكنكم حتى شراء سيارة من طراز تيسلا (الكهربائية التي يصنعها إيلون ماسك) بأنواع من "البيتكوين". حتى وإن كان ممكناً، فأنا غير قادر على التخلص من شعوري المتحفظ حيال هذه العملة الافتراضية. فبالنسبة لي تبقى "البيتكوين" فقاعة للمضاربة.

تماماً كما كانت التجارة بزهرة الخزامى أو الـ "توليب" النادرة في القرن السابع عشر (في هولندا)، عندما كانت المضاربة على تلك الزهور تؤدي إلى تحليق أسعارها بشكل جنوني، يبدو أن تجارة العملات المشفرة في 2020 تلقى رواجاً شعبياً جنونياً بسبب الإشاعات والأقاويل ليس إلا. وإذا تحولت "البيتكوين" إلى نوع من وسائط الدفع المقبولة بشكل واسع، فإنها قد تتطور إلى أن تصبح أقرب إلى عملة دولية رائجة (موازية لحقوق السحب الخاصة المدعومة حكومياً التي يقدمها صندوق النقد الدولي IMF)، ويمكن أن يكون لديك حساب مصرفي بتلك العملة. ولكن لو بدأ الناس والحكومات بالوثوق بها، فإنها قد تتحول في حينه إلى إحدى العملات التقليدية ــ مع تبعات مجهولة حتى الآن.  

العملة الرقمية لطالما كانت شكلاً غريباً من "النقد". حتى الآن، استخدمت إلى حد كبير كشكل من أشكال الادخار المتقلب عوضاً عن كونها وسيلة للمقايضة المالية. لكن قد يمكنها أن تكون كذلك. النقود تفعل ما يفعله المال، وإذا توفرت ثقة الناس بها، في حينه فستلعب دور أي عملة متداولة. التاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة الإبداع الإنساني الذي ينطلق حين تنهار العملات التقليدية. ولو كنت أعيش في دولة السلفادور أو في أي دولة حيث تكون العملة المحلية قد أثبتت أنها غير جديرة بالثقة ــ والأرجنتين وزيمبابوي وجمهورية الكونغو الديمقراطية مثال حديث على ذلك ــ فسأكون في مثل هذه الحالة على استعداد أكبر لأقبل طوعاً فكرة وجود عملة جديدة بديلة للعملة المعمول بها حالياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

علينا أن لا نتكبر كثيراً على العملات "المشكوك بأمرها". فقيمة الجنيه الإسترليني على سبيل المثال، الذي يدافع عنه حاكم بنك إنجلترا والدولة البريطانية قد ألحقت به الإهانة نسب التضخم المرتفعة. فسلة المستهلك الغذائية الأساسية التي كانت تساوي 100 جنيه استرليني (أي حوالى 138 دولاراً أميركياً) في عام 1970، قد تكلفك اليوم 1584 جنيهاً استرلينياً (أي حوالى2167 دولار أميركي): أو، انظر إلى المسألة من زاوية أخرى، فإن جنيهك الاسترليني العائد لعام 1970 يساوي مجرد 6 قروش اليوم. حتى لو كنت قد ادخرت الجنيه هذا في أحد المصارف الأهلية الخاصة building society فلكان قد خسر أيضاً أغلب قيمته.

إن الأزمة المصرفية لعام 2008 أظهرت أن الرساميل المالية التقليدية في البنوك الخاضعة لإجراءات رقابية يمكنها أيضاً أن تختفي بين ليلة وضحاها عندما تتبخر الثقة بالمؤسسات تلك ويتهافت المودعون لتحصيل أموالهم. ولكن هل يمكن للعملة الرقمية أن تؤدي إلى أضرار من النوع نفسه، الذي لحق بالعملات التقليدية؟ ممكن ــ لكنها قد تكون أسوأ وقد تقع ضمن فترة زمنية أقصر. الأمر كله يتعلق بخياراتنا. يمكن للسلفادوريين اليوم أن يختاروا بين "البيتكوين" والدولار الأميركي (العملة الوطنية المعتمدة منذ انهيار الكولون colon عام 2001).  

معلوم أيضاً أنه لم يكن متاحاً لنا حتى وقت قريب في المملكة المتحدة أي خيار سوى قبول واستخدام وتوفير المال بعملتنا الوطنية. فحتى  نهاية عام 1979 لم يكن متاحاً لك نقل أكثر من أربعين جنيهاً استرلينياً (أي حوالى 55 دولاراً أميركياً) إلى الخارج من دون إذن رسمي مسبق. اليوم، لدينا خيارات أكبر ويمكننا فتح حسابات مصرفية خاصة بالـ يورو، أو بالفرنك السويسري، إضافة للاستثمار بمحافظ متنوعة (غير تلك العقارية)، وبالطبع يمكنك أيضاً المجازفة والاستثمار بالعملات المشفرة. ولو اعتقدتم أن "البيتكوين" غير مستقرة بشكل كبير، يمكنكم اختيار نوع آخر من العملات الرقمية المتوفرة.

هناك بالطبع مخاطر تحيط بامتلاك العملة الرقمية ــ منها السياسية والاقتصادية ــ التي على كل شخص التنبه لها. وعلى الرغم من ذلك هناك كثر ممن يجرب حظه. لكن المثير للقلق بشكل أكبر يبقى خطر تلك العملات الرقمية على النظام المالي (العالمي) في حال تهافت الجميع لتحويلها إلى الدولار دفعة واحدة. فماذا سيحدث عندها؟ دونالد ترمب كان قد حكم على "البيتكوين" بأنها "خديعة" تحاول النيل من الدولار الأميركي، ونوع من أنواع المنافسة غير الشريفة وهذا قد لا يكون صائباً تماماً.

المشكلة تكمن في أن الأجهزة الحكومية لا يمكنها أن تفعل كثيراً حيال العملات الرقمية سوى اتخاذ الاحتياطات وتنبيه الناس إلى حقيقة المخاطر. فالحملة الأخيرة التي شنتها الصين لضبط "البيتكوين" ربما أسهمت في تراجع قيمتها، لكن على المدى البعيد، عادة ما يجد الناس طرقاً يتحايلون من خلالها على التدابير الصينية، وهو ما سيؤدي لتداول أكثر سرية للعملات المشفرة.

إذاً في هذه المرحلة المبكرة، يبدو انهيار العملات المشفرة محتملاً. فلا يمكن للجهات الرقابية فعل الكثير ربما حيال عملة افتراضية تعمل خارج نطاق الضوابط القانونية، وهو ما يفسر سحر (العملات المشفرة) ولعنتها  في آن واحد ربما. وهكذا سيكون مثيرا أن نرى كيف سينتهي الأمر بدولة السلفادور "المقدامة" (بعد خطوتها الاعتماد على العملات المشفرة). 

© The Independent