Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اغتيال مهندس "النووي الإيراني" نفذه روبوت في أقل من دقيقة

"نيويورك تايمز" تكشف تفاصيل العملية الإسرائيلية التي استهدفت محسن فخري زاده

سيارة فخري زاده بعد عملية الاغتيال (رويترز)

عادت عملية اغتيال العالم الإيراني والقيادي البارز في الحرس الثوري، محسن فخري زاده، إلى الواجهة مجدداً بعدما كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية تفاصيل جديدة عن اللحظات الأخيرة التي عاشها أحد أبرز مطوري البرنامج النووي الإيراني، والطريقة التي اغتيل بها العام الماضي على يد "الموساد" الإسرائيلي.

وأبرز ما كشفته الصحيفة الأميركية، أخيراً، هو أن عملية الاغتيال التي نفذها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، ولاقت دعماً أميركياً، تمت باستخدام "روبوت قاتل"، تحكم فيه قناص ماهر عن بعد، وقد أردى العالم الإيراني أثناء ذهابه إلى منزله الريفي في منطقة "آب سرد" الواقعة شرق العاصمة الإيرانية.

يوم الاغتيال

أوضحت "نيويورك تايمز" أنه على الرغم من موقعه البارز في المؤسسة العسكرية الإيرانية، وعمله رئيساً لمركز الأبحاث والتكنولوجيا لدى وزارة الدفاع، فإن فخري زاده أراد أن يعيش حياة طبيعية، رغم سعي إسرائيل المحموم لمدة 14 عاماً إلى اغتياله، باعتباره الرجل الذي يقود إيران نحو حيازة القنبلة النووية.

وأشارت الصحيفة الأميركية إلى أن رغبة فخري زاده في العيش متخففاً من قيود الحماية الأمنية سهلت على "الموساد" عملية اغتياله، مضيفةً أن العالم الإيراني لم يعبأ بالتهديدات والمؤامرات التي تدور حوله، لكثرتها طوال السنوات الماضية، لدرجة أنه كان يتجاهل توصيات فريقه الأمني بشأن قيادة السيارة بنفسه، وهو الأمر الذي فعله يوم اغتياله في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي.

وعلى الرغم من تحذيرات جهاز المخابرات الإيراني من مؤامرة اغتيال محتملة، فإن زاده غادر منزل إجازته المطل على بحر قزوين، مستقلاً سيارته السوداء من نوع "نيسان"، ومعه زوجته، متجهين إلى منزلهما الريفي في منطقة "آب سرد"، شرق العاصمة طهران، وذلك لقضاء عطلة نهاية الأسبوع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في غضون ذلك، أوقف عملاء إيرانيون يعملون لصالح "الموساد" مركبة "بيك آب" زرقاء من طراز "نيسان زامياد" على جانب الطريق الذي يربط منطقة "آب سرد" بالطريق السريع الرئيس. وعند بقعة مرتفعة قليلاً، خُبئ تحت القماش المشمع ومواد البناء في صندوق المركبة، مدفع رشاش قناص عيار 7.62 ملم، ينتظر مرور العالم الإيراني.

وعند الساعة الواحدة ظهراً، تلقى فريق الاغتيال إشارة بأن فخري زاده وزوجته وفريق من الحراس المسلحين في سيارات مرافقة كانوا على وشك المغادرة إلى "آب سرد". حينها أخذ قناص ماهر موقعه، وضبط البندقية لتنفيذ الاغتيال، إلا أنه لم يكن قريباً من المنطقة، بل كان يحدق في شاشة كمبيوتر في موقع غير معروف على بعد ألف ميل، فيما كانت فرقة الاغتيال بكاملها قد غادرت إيران قبل العملية.

عملية معقدة

ووفق التفاصيل التي تكشفت، أخيراً، فإن طريقة اغتيال فخري زاده كانت غير مسبوقة، واختلفت بشكل كلي عن الأساليب المتنوعة التي استخدمتها إسرائيل لاستهداف مسؤولين إيرانيين يقودون برنامج بلادهم النووي، فأول عالم نووي على القائمة الإسرائيلية اغتيل عام 2007 بالسم، فيما قتل عالم آخر عام 2010 بقنبلة فجرت عن بعد عقب تثبيتها على دراجة نارية، وكان التخطيط لهذه العملية معقداً، وأعدم على إثرها مشتبه إيراني.

إلا أن الحماية المكثفة لفخري زاده ما بعد الضربة الأميركية التي قتلت قاسم سليماني، أحد أكثر رجالات النظام الإيراني نفوذاً، دفعت المخططين إلى التفكير في أساليب جديدة غير أسلوب الدراجة النارية الذي بات مستحيلاً، فطرحوا فكرة تفجير عبوة ناسفة على طول الطريق الذي يسلكه فخري زاده، لإجبار موكبه على التوقف حتى يتمكن القناصة من مهاجمته، إلا أن هذه الخطة استبعدت لخطر وقوع معركة بالأسلحة.

وأشارت الصحيفة الأميركية إلى أن إيران التي تعلمت دروساً كثيرة بعد مقتل سليماني، وإدراكاً منها أن فخري زاده كان على رأس قائمة المطلوبين في إسرائيل، فقد عينت وحدة أمنية من عناصر النخبة في الحرس الثوري، مدججين بالسلاح ومدربين تدريباً جيداً، لمرافقة العالم الإيراني في قوافل مكونة من 4 إلى 7 مركبات.

في المقابل، قررت إسرائيل تنفيذ عملية الاغتيال عبر مدفع رشاش يتم التحكم فيه عن بعد، على الرغم مما ينطوي على هذا الاختيار من تعقيدات لوجيستية لا تحصى، كون حجم المدفع ووزنه قد يصعبان عملية نقله وإخفائه. ووفقاً لمسؤول استخباراتي مطلع على الخطة، استخدمت تل أبيب مدفع رشاش بلجيكياً "FN MAG" متصلاً بجهاز آلي متقدم.

ولإدخال السلاح إلى إيران، قسمت معدات المدفع الرشاش والروبوت بمكوناته وملحقاته التي تزن حوالى طن إلى أجزاء صغيرة، وجرى تهريبها إلى البلاد بطرق مختلفة وفي أوقات متفرقة، قبل إعادة تجميعها سراً في إيران.

ووفق الصحيفة الأميركية، فقد بني الروبوت ليناسب حجم حوض سيارة "بيك آب" من طراز "زامياد"، وهي مركبة شائعة الاستخدام في إيران، وركبت الكاميرات فيها على نحو يغطي اتجاهات متعددة لإعطاء غرفة القيادة صورة كاملة لكل من الهدف وتفاصيله الأمنية والبيئة المحيطة به، وأخيراً، عبئت المركبة بالمتفجرات بحيث يمكن تفجيرها إلى أجزاء صغيرة بعد القتل، بهدف إتلاف جميع الأدلة.

وعلى مستوى التحديات التقنية، تمت برمجة الذكاء الاصطناعي للتعويض عن التأخير والاهتزاز وضمان عدم تأثير سرعة السيارة على دقة السلاح، إلا أن فريق الاغتيال واجه تحدياً آخر من نوع مختلف ألا وهو تحديد ما إذا كان فخري زاده هو من يقود السيارة وليس أحد أبنائه أو زوجته أو حارسه الشخصي، وهو ما يعكس وفق "نيويورك تايمز" افتقار إسرائيل إلى قدرات المراقبة في إيران التي تمتلكها في أماكن أخرى.

وكان الحل وفق التقرير وضع سيارة مزيفة معطلة، مستندة إلى رافعة مع عجلة مفقودة، عند تقاطع الطريق الرئيس، حيث على المركبات المتجهة إلى "آب سرد" الانعطاف للخلف على بعد حوالى ثلاثة أرباع ميل من منطقة الاغتيال، واحتوت تلك السيارة على كاميرات لرصد ما إذا كان سائق السيارة هو فخري زاده.

وقبل الساعة الثالثة ونصف مساءً بقليل، وصل موكب العالم الإيراني إلى المنعطف، وتعرف عليه المشغلون الذين تمكنوا أيضاً من رؤية زوجته جالسة بجانبه، فأطلق المدفع الرشاش رشقة من الرصاص أصابت مقدمة السيارة، ولم يتضح ما إذا كانت هذه الطلقات أصابت زاده إلا أن السيارة انحرفت وتوقفت.

حينها عدل القناص الرؤية وفتح النار مرة أخرى، فأصاب الزجاج الأمامي 3 مرات على الأقل وأصيب فخري زاده مرة واحدة على الأقل في كتفه. وحين نزل من السيارة جلس بوضعية القرفصاء خلف الباب الأمامي المفتوح، وبحسب وكالة أنباء فارس الإيرانية، اخترقت 3 رصاصات عموده الفقري، ثم انهار على الطريق.

وذكرت الصحيفة الأميركية، أن الانفجار كان الجزء الوحيد من العملية الذي لم يسر كما هو مخطط له، فقد كان الهدف من الانفجار تحطيم الروبوت إلى أجزاء صغيرة حتى لا يتمكن الإيرانيون من تجميعه، لكن معظم المعدات التي سقطت على الأرض، وتضررت بشكل لا يمكن إصلاحه كانت واضحة المعالم.

معلومات متناقضة

ما بعد العملية، نشرت وسائل الإعلام معلومات متضاربة حول الطريقة التي تم بها الاغتيال، إذ ذكر تقرير أن فريقاً انتظر على طول الطريق حتى يمر فخري زاده بسيارته، وقال آخر، إن السكان سمعوا انفجاراً كبيراً أعقبته نيران مدفع رشاش. وأفاد تقرير آخر بأن شاحنة انفجرت أمام سيارة فخري زاده ثم قفز 5 أو 6 مسلحين من سيارة قريبة وفتحوا النار عليه. لكن قناة تابعة للحرس الثوري الإيراني على وسائل التواصل الاجتماعي، قالت إن "اشتباكاً مسلحاً نشب بين حراس العالم والمهاجمين".

في المقابل، أفادت عدة وكالات إخبارية إيرانية بأن القاتل كان "روبوتاً"، وأن العملية برمتها تمت عن طريق التحكم عن بعد، لكن هذه الرواية وفق "نيويورك تايمز" أثارت سخرية الإيرانيين الذين وجدوا فيها محاولة لتقليل إحراج "قوات أمن النخبة" التي فشلت في حماية أحد أكثر الشخصيات الخاضعة لحراسة مشددة في البلاد.

ووفقاً لمقابلات أجريت مع مسؤولين أميركيين وإسرائيليين وإيرانيين، بمن فيهم مسؤولان استخباراتيان مطلعان على تفاصيل التخطيط للعملية وتنفيذها، وتصريحات عائلة القتيل لوسائل إعلام إيرانية، فإن نجاح العملية كان نتيجة عدة عوامل هي الإخفاق الأمني من قبل الحرس الثوري الإيراني، والتخطيط والمراقبة المكثفتان من قبل الموساد، إضافة إلى تجاهل فخري زاده للتحذيرات التي تصله.

وتضيف الصحيفة الأميركية إلى هذه العوامل، المدفع الرشاش المعزز بخاصية التحكم عن بعد، والطائرة القتالية من دون طيار التي استخدمت ضمن ترسانة أسلحة عالية التقنية للقتل المستهدف عن بعد، وبخلاف الطائرات من دون طيار، فإن هذا السلاح لا يلفت الانتباه، ويمكن وضعه في أي مكان، وهي مواصفات من المحتمل أن تعيد تشكيل عالم الأمن والتجسس.

وذكر تقييم الحرس الثوري بأن الهجوم نفذ بمدفع رشاش يتم التحكم فيه عن بعد، مزود بنظام أقمار صناعية ذكي باستخدام الذكاء الاصطناعي. واستغرقت العملية بأكملها أقل من دقيقة أطلق خلالها 15 رصاصة.

"تذكروا هذا الاسم"
 

الاستعدادات لاغتيال فخري زاده بدأت بعد سلسلة من اللقاءات في نهاية عام 2019، ومطلع عام 2020 بين مسؤولين إسرائيليين بقيادة مدير "الموساد" يوسي كوهين، ومسؤولين أميركيين رفيعي المستوى بمن فيهم الرئيس دونالد ترمب، ووزير الخارجية مايك بومبيو، ومديرة وكالة المخابرات المركزية جينا هاسبل.

وكانت إسرائيل قد أوقفت مثل هذه العمليات في عام 2012، عندما انخرطت الولايات المتحدة في مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران، إلا أن انسحاب دونالد ترمب من الاتفاق لاحقاً دفع الإسرائيليين إلى استئناف نشاطهم لإحباط التقدم النووي لإيران وإجبارها على قبول قيود صارمة على برنامجها النووي، في حين لم يرفع "الموساد" أنظاره عن فخري زاده الذي كان على رأس قائمة المطلوبين لدى تل أبيب منذ عام 2007.

وفي عام 2018، عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو مؤتمراً صحافياً لعرض الوثائق التي حصل عليها "الموساد" من الأرشيف النووي الإيراني، محذراً من أن طهران ما زالت تمتلك برنامجاً نشطاً للأسلحة النووية، وذكر في الاجتماع اسم فخري زاده عدة مرات، وقال "تذكروا هذا الاسم".

وأشارت الصحيفة الأميركية إلى أن المسؤولين الأميركيين أيدوا خطة الاغتيال، مدفوعين برد إيران الفاتر نسبياً بشأن اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني بطائرة من دون طيار بمساعدة المخابرات الإسرائيلية في يناير (كانون الثاني) العام الماضي، إذ أشار التعاطي مع العملية إلى أن طهران كانت إما غير قادرة أو مترددة في الرد بقوة.

من جانبها، وصفت إيران عملية اغتيال فخري زاده، رئيس مركز الأبحاث والتكنولوجيا لدى وزارة الدفاع الإيرانية، والذي كان يعتبر من أبرز مطوري البرنامج الإيراني النووي، بـ"الإرهابية"، وأفادت وزارة الدفاع الإيرانية حينها، بأن "عناصر إرهابية مسلحة هاجمت سيارة تقل فخري زاده"، الذي أصيب بجروح خطيرة "أثناء الاشتباك بين فريقه الأمني والمهاجمين، ونقل إلى المستشفى حيث فارق الحياة رغم جهود الأطباء لإنقاذه".