Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي ديديه بلوند يلتقط حكايات من مقاهي باريس

كتاب "كافيهات" تاريخ يومي لمدينة بإيقاعها وصخبها وجمالها الفريد

أحد مقاهي الرصيف في باريس (صفحة كافيه دو باري على فيسبوك)

صاحب رواية "مجهول نهر السين"، الكاتب الفرنسي ديديه بلوند (1953)، يأخذنا في كتابه "كافيهات: حكايات من مقاهي باريس" (ترجمة أحمد القرملاوي، الدار المصرية اللبنانية)، في جولة تتكشف عبرها حياة العاصمة الفرنسية النهارية والمسائية، جرائدها، أسرارها، فنانيها، بسطاؤها، أسرارها وتاريخها الحافل بالتحولات. وقائع شهيرة ارتبطت بالمقاهي، روايات وأفلام دارت بين جدرانها. قصائد كتبت فوق طاولاتها، ورسائل سطرت على قصاصاتها الورقية، حكايات عشق وهجر ولدت وماتت فوق مقاعدها الوثيرة والمتعبة. كل هذه الأوجه لمدينة باريس يرسمها بلوند بلغته الشعرية وبسرد سريع الإيقاع، وكأنه يتدرب على مشروع مؤجل. مشروع كتابة رواية عن أحد تلك المقاهي. ويذكر أن "كافيهات" يعد العمل الأول لأحمد القرملاوي (1978) كمترجم، علماً أنه فاز بجائزة الشيخ زايد للكتاب فئة المؤلف الشاب عن روايته "أمطار صيفية" عام 2018، وفازت روايته "نداء أخير للركاب" بجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب في العام نفسه.

يقول بلوند: "لطالما حلمت بكتابة رواية عن أحد المقاهي، أو عن الكومبارس الموجودين فيه. رواية تدور أحداثها في مكان واحد، في يوم واحد. سيكون للمقهى موقع محدد يمكن التعرف عليه، وأجواء تتطابق مع مكان واقعي، سأسمي الرواية باسمه" صـ 83.

ويضيف بلوند: "ما زلت أبحث عن هذا المكان. متردد بين "لو جينيرال لا فايت"، "لو فارين"، "لو ويبلر"، لو كانون دي جوبلان". استبعدت مقهى "روبيس" لما يترتب على ضيق مساحته من صعوبة إضافية (إنه في حجم خبر عابر)، تتمثل في حرمانه من عناصر مهمة مثل التراس، كما أنه صار أقل ترحيباً بالزبائن منذ تغير الملاك. في المقابل هذه الرواية يلزمها مقهى عادي، ليس له تاريخ، لا ذاكرة ولا علامة محددة، مقهى لا يظهر عادة أي دليل إرشادي". وهو يكاد يستقر على مقهى "باريس روما"... "نعم، قد تجري الأحداث هنا بالتحديد، عند الناصية التي تلتقي فيها جادة مع شارع، في مقهى مثل أي مقهى آخر في الجوار، ندخل إليه دون اختيار حقيقي، لمجرد وجوده هناك، في طريقنا".

أشباح وكومبارس

وفي موضع آخر من الكتاب الفائز بجائزة جورج براسان عام 2019، ويتألف من 127 صفحة من القطع الوسط في ترجمته العربية، يربط بلوند بين المقاهي ذات الواجهات الشفافة، المفتوحة على الطريق، والمقابر ذات الأسوار المرتفعة... "وكثيراً ما ارتاد هذه وتلك. هما قطبا الخيال بالنسبة لي".

ويستطرد: "يروقني فيما أجلس إلى الطاولة، أن أتأمل الجميع من حولي، الأحياء، المجهولين، وأن أستعيد ذكرى أولئك الذين اختفوا عن المشهد، الذي نسيناهم، تحت رخام المقابر، مثلما يتعاقب النور والظلام، النهار والليل. أتحرك بين الهياج والصمت. بين الحاضر والماضي. ألتقي وجوهاً جديدة، ثرثارة، وأقابل أشكالاً قديمة أعرفها، صامتة، شبه مطموسة. أصير هنا وهناك. برفقة الكومبارس والأشباح على السواء. أنصت إلى البعض، وأدعو البعض الآخر إلى الحديث. ويبقى حضورهم متساوياً بالنسبة لي".

وهكذا، تظل المقاهي بالنسبة إلى الكاتب، مكاناً مثالياً للتأمل ومراقبة، ومن ثم تدوين تفاصيل ما يراه وما يسمعه... "غير أني سأتعلق فقط بالعابرات. هن ملجئي. أصاحبهن لمسافة أمتار، أندس بجانبهن، قبل أن يختفين، ويصبحن خارج مجال رؤيتي. نساء أشبه بلحظة خاطفة". ويضيف: "أود لو أنني أستطيع إيقافهن، أن أدخل في أفكارهن، أن أشم عطورهن، أن أعرف أسماءهن، جرس أصواتهن، نعومة جلودهن. قفن. حولن الحلم إلى حقيقة ماثلة. ألا تتناولن شيئاً؟ بكل سرور. أم يناسبكن الذهاب إلى البيت؟ لم لا. أجري لقاءات كثيرة فيما أجلس دون حراك. تنصرف كل مهن طاوية شرها. ثمة حمامة تنقر الرصيف أمام قدمي. سيكون اليوم جميلاً بحق".

في مقهى "شارلوت"

وقد يتصادف أن يتيح لك المقهى- من دون ترتيب مسبق- رؤية شخص انقطع اتصالك به منذ عقود... "جين، هذا هو اسمها. بدأت الذكريات تعود إلي على هيئة ومضات، تزداد دقة مع كل ومضة. كانت تمسك بملعقة في يدها اليسرى. كانت عسراء. لطالما كنت واثقاً من كوننا سنلتقي مجدداً، وأن علاقتنا لا يمكن أن تنتهي بهذه الطريقة. لكن بعدها، بقليل، تجاوزت الأمر". حدث ذلك في مقهى "شارلوت". وكتبه المؤلف وكأنه يكتب قصة قصيرة عن عاشقين التقيا مصادفة بعد نحو ثلاثين عاماً على افتراقهما. هو لم يجد صعوبة ليتذكرها ويتذكر تفاصيل علاقتهما على نحو جيد. هي، فيما كان يحاول تنشيط ذاكرتها، "يلمع بريق ما في عينيها، ثم ينطفئ، تتجمد في مكانها"، ثم... "أعتذر منك. لا بد أن أذهب". هو لن يجرؤ على أن يطلب منها رقم هاتفها وعنوانها... "أنظر إليها فيما تذهب مبتعدة، من ظهرها. وقبل أن تعبر الباب، تتلفت إلى الوراء. بالكاد يظهر ذلك" صـ 96.         

على أي حال، يواصل بلوند جولاته من مقهى إلى آخر: "سانت جيرمان دي بريه، لورستنان، لو فلور، لو دو ماجو، لو سانت كلود، لو مايو، تروفو، كابرول، روزيه، زيميه... "إنها مثل مفارق الطرق، يدور عليها الجميع، نتلاقى، وتظل أبوابها مفتوحة دائماً، في خلفية المشهد. المقهى أيضاً قد يكون مسرح جريمة".

ويتذكر أن فيلم "جان جيريه وهنري دكوان "مقهى كادران"، تم تصويره في الصالة الكبيرة بالمقهى الذي سمي الفيلم باسمه. البطل الرئيس هو المقهى نفسه، صالته الكبيرة، حيث يستعرض الصحافيين وساعي البريد ومحصل الضرائب وموزع البضائع، وسائق التاكسي، وحارس العقار والمتسول، وأصحاب المحلات والجيران والفيلسوف السكير. لكن المفاجأة تكمن في أن التصوير تم داخل ديكور يحاكي ما كان عليه المقهى في عام 1946. 

وفي خلاصة بعض تأمله، يذهب بلوند إلى أن "المقهى هو مقبرة خيالي حيث أتخلص من تلك الأشياء الزائدة عن الحاجة التي تعتمل في مسرحي الذهني. يزودني بذخيرتي. يكفيني أن أكون هناك جالساً في أقصى الخلفية، على الكنبة، عند الطاولة المنزوية. باريس هي المدينة التي يمكن أن نحلم فيها أكثر من أي مكان آخر في العالم. المقهى مكان للتحري، للمراقبة، لليقظة، للملاحظة الدقيقة بالنسبة للبعض".

رائحة القهوة 

مقهى "لا بوردا"، هو عن بلوند "فضاء الحرية بالنسبة إلى طلاب وطالبات مدرسة راسين الثانوية، وكذلك الصداقة وأكثر من ذلك. ما بين المدرسة التي يفرون منها، والعائلة التي علينا اكتشافها لاحقاً..." صـ 48.

وفي مقهر "روبيس"، يلاحظ بلوند امرأة كانت تحضر يومياً من أجل تناول كأس شمبانيا، وكذلك الرجل الذي يرتدي معطف المطر ذا الياقة المرفوعة، والذي يتلقى رسائله سراً في هذا المقهى، كأنه في استراحة ملحقة بمكتب بريد".

ويلاحظ في موضع آخر أن كوب القهوة؛ "السائل الساخن، الأسود، المر، الذي أحتسيه، في حسوات صغيرة، مناسب لإيقاظ ضميري. كوب الماء: يأتي برفقة فنجان القهوة، كإضافة متممة، أو كمقدمة ضرورية لكي تمنح رائحة القهوة التقدير المناسب، لكن على عكس الفكرة الواضحة، لا يحدث ذلك بشكل تلقائي، بل يجب أن تهتم بالمطالبة به. إنه نصيب المرء الفقير. ثمة راحة ما في معرفة أنه ما زال هناك مكان تستطيع فيه أن تحصل على السعادة بهذه البساطة دون مقابل ولا غش، دون اعتبار للأرباح".

أما في "مقهى الطيور"، في 29 مايو 1934، فقد التقى أندريه بريتون مع جاكلين لامبا... "حوريته، مديرة شؤون زهرة عباد الشمس الليلية، خارقة القوة التي صارت في ما بعد زوجته الثانية"، وهو ما عبر عنه في روايته "الحب المجنون".

لوحة مانيه

وفي مقهى "أثينا الجديدة"، يتأمل بلوند لوحة مانيه "البرقوق"، والتي تصور شابة شقراء في رداء وردي، تلف حول رقبتها ربطة عنق بيضاء، وتضع قبعة صغيرة مزينة بشريط لامع. تبدو الشابة شاردة النظرات، تستغرق بنعومة في تفكيرها. تمسك سيجارة في يدها اليسرى. أمامها كأس براندي على الطاولة الرخامية. المقهى أعيد تصميمه ليصير أتيليهاً لرسامي سانت بطرسبورغ. ومع ذلك ظلت الشابة ثابتة في مكانها. لم تمس كأسها بعد، ولم تشعل سيجارتها... "كانت النساء يثابرن لكي يحررن أنفسهن في ذلك الوقت. يدخن، يشربن، في أماكن عامة، يرتدن المقاهي، حتى ولو كن بمفردهن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عنوان اللوحة مستوحى– يقول بلوند– من نكهة البرقوق في الكأس التي تتهيأ لتناولها... "غير أن الاسم يناسبها لدرجة بعيدة، بأنفها القصير، المرفوع على نحو لطيف، وأيضاً وجهها المرح. من الجائز أن يكون اسم الشابة نفسها "برقوقة"، أو أن يكون البرقوق كنيتها".

في الحياة الواقعية، كان اسمها إلين أندريه، كانت ممثلة تبلغ من العمر اثنين وعشرين عاماً. هي التي أدت دور "مدام بولينغران" في مسرحية كوميدية ألفها جورج كورتلين، لكي تعرض على مسرح "جراند جينيول".

وبالعودة إلى مشروعه لكتابة رواية تدور أحداثها في أحد مقاهي باريس، يقول بلوند: "ستقع أحداث الرواية اليوم، في الزمن الحاضر. لن أختلق فيها شيئاً، بل ستكتب يوماً بيوم، في زمنها الواقعي، وستبقى غير مكتملة، شخصياتها المجهولة، تستطيع أن تدخل، أن تخرج، أن تعاود المجيء، أما الراوي، بروح مخبر سري، فسيبقى في مكانه، منذ الصباح وحتى المساء، حتى يستقصي لغز المكان والبشر العاديين، مدوناً ملاحظاته. سيلتقط بعض الأدلة الصغيرة. سينتشر في الخفاء. أليس التوثيق الأكثر التزاماً بالحقيقة أشبه بالخيال– مشحوناً بالروح الروائية؟ هذا الكتاب، المكون من مئات الصفحات، سيكون مثيراً وممتعاً لدرجة التهامه في جلسة واحدة. سيلقى نجاحاً هائلاً، بكل تأكيد"!  

المزيد من ثقافة