Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تدريبات يومية" يواجه رتابة الحياة بالشعر الإحتجاجي

ديوان محمد السيد إسماعيل ينفتح فكرياً وجمالياً على تجليات قصيدة النثر الراهنة

لوحة للرسام مخلص الصغير (صفحة الرسام على فيسبوك)

ينحاز الشاعر المصري محمد السيد إسماعيل في ديوانه الجديد "تدريبات يومية" إلى الحركة، مراهناً على تجربة المسارات الارتجالية البديلة، وذلك بعدما قادت الحركة المنتظمة العالمَ بأسره إلى روتين قاسٍ، ودائرية مملة، وأوصلته إلى حافة رتابة ميكانيكية قاتلة. وهذه الرتابة، هي النهاية الطبيعية، التي لن تتبدل في حقيقة الأمر، لكن قد يكون بالإمكان إزاحتها جزئياً أو تأجيلها بعض الوقت بتفجرات صادمة وانعطافات غير نسقية خارج ناموس المنطق، الذي يحكم الأشياء والعلاقات ويضبط الإيقاعات "من قال هذا؟/ وهل نحن أغبياء؟/ حتى نظل هكذا/ دائرين حول أنفسنا؟".

وفي هذه المعركة العبثية مع السكون والجمود والتحنّط، التي يبدو متحمساً لها، على طريقة أولئك الذين ينهضون فجأة من غيابهم لأجل أن يهزموا الموت، يسعى الشاعر إلى إحداث ثقوب صغيرة في جدران العتمة المحيطة. ولا يكتفي بأن تكون هذه الممرات الضيقة التي يحفرها منافذَ يتسلل منها النزر اليسير من الضوء الخارجي، بل إنه يعبر من خلالها كاملاً، بحمولته الثقيلة من الأنفاس المختنقة والأوجاع المتراكمة، بعد سنوات من الاكتفاء بالمراقبة عن بعد: "أربعون عاماً وأنتَ فوق السطح/ ترقب جموعَ العابرين/ بلا طرفة عين/ كأنك تخشى الحياة".

وهو بهذا التنقل المباغت، من عزلته التي شبع منها، إلى زحام لم يكن على مقاسه منذ البداية، يقترب أكثر وأكثر من وجه الحياة الشاحب، وقلبها المتقلب، وخطاها المتخبطة، غير عاقد العزم على خطة بعينها، سوى أن يقرأ ما حوله من مشاهد وتفاصيل، معيداً تفسيرها بطريقته الخاصة. فلربما أوصلته خيوط الرؤى الفردية إلى رتق ذاته الممزقة، أو الخلاص من الغزاة المسيطرين على الأجواء، أو التمرن على رؤية الأعداء والتصالح معهم تدريجياً، أو نسج "حيلة أخرى"، اتخذها عنواناً لإحدى قصائده لمواصلة المشوار: "حسناً/ يمكنكَ الآن أن تتلقفَ المصباحَ/ بعد أن ظل يهتز بعنفٍ كل هذا الوقت/ وأن تسلطه بقوة على الزوايا الرطبة/ وأن تنتظر ثلاثة أيام فقط/ حتى ترى خروج آخر الأقدام/ الأقدام الثقيلة التي غزت الغرفة/ في غيابكَ الأخير".

مشاهد وتأملات

يندرج صدور ديوان "تدريبات يومية" تحت مظلة سلسلة "كتاب ميريت الثقافية" في القاهرة (سبتمبر- أيلول 2021)، وهذه السلسلة الشعرية تعتمد في المقام الأول على التوزيع الإلكتروني المجاني للكتاب على القراء والمهتمين عبر الوسائط الرقمية المتنوعة، مع إتاحة نسخ ورقية محدودة بسعر التكلفة. وتحمل السلسلة فلسفة ضمنية، لم يشرد ديوان محمد السيد إسماعيل خارجها، إذ تتكئ محاورها الأساسية على طزاجة الطرح البريء، ونبذ التعالي، والتحلل من المركزية والنخبوية، والانخراط في تيار الحياة كرافد رئيس للكتابة، وتوثيق الصلة بين المبدع والقراء بواسطة نصوص أدبية تتسلح بالقرب والبساطة واللغة المتجردة من الزينة والالتواءات، من دون إهدار العمق الفني ومستويات التلقي المتعددة.

ينسجم غلاف "تدريبات يومية"، الذي أبدعه الفنان أحمد اللباد، مع مضمون القصائد الست والخمسين التي تحتل صفحات الديوان التسعين، فكلاهما -الغلاف والمحتوى الشعري- لا يغفل الهندسية المهيمنة على الوجود المصنوع، وإن كان لا يلتزم بهذه الهندسية في تعبيره المنفتح على التجريد والترميز والإيحاء، وتوليد المعاني على غير قياس، والتمرد على التنميط والقولبة، حتى في إطار التعاطي مع الظواهر اليومية المجانية والمتكررة "نخرج كل يوم في بساطة فلاح/ كي نكون أول من يرى الأرض".

وهكذا، فإن هناك حضوراً خاصاً ومختلفاً، للشاعر وللإنسان معاً، في كل المناسبات التي يُدعى إليها البشر، والمواقف التي يتعرضون لها لحظيّاً في لقاءاتهم الاعتيادية، وتحاوراتهم، ومكابداتهم، وصراعاتهم. وتتجلى هذه الفرادة في المعاينة والرؤية والتحليل، في سائر القصائد المشهدية التصويرية، التي يمتلئ بها الديوان، وهي عادة قصائد متماسكة، مكثفة، تفيض بالتأملات، وتخلو من الزوائد، وتتوخى التقنيات السردية الحديثة المشحونة بالشعرية، ومنها قصيدة "دعوة"، على سبيل المثال، التي يفتتح بها الشاعر ديوانه ومشاهداته الاستبصارية، ساخراً من الصخب الفارغ، الذي لا يعني له شيئاً، على الرغم من تكالب كثيرين على مباهجه "كان كلّ شيء مُعداً/ الطاولةُ الكبيرةُ التي تتوسط البهو/ والشمعدانُ/ والزجاجات الصغيرة اللامعة/ وواحدٌ وعشرون كرسياً/ والظهور الكثيرة التي تعكس الضوء/ الظهور الكثيرة التي ظللت ـعلى مسافة بعيدةـ أنظر إليها/ دون أن أنتبه لانتهاء الحفل".

وإلى طبقات أخصب من الفلسفة، تبحر بعض النصوص، لا سيما تلك التي تفتش عن مواضع الخلل، في ما لا يبدو فيه خلل على المستوى الظاهري، وهنا يفصح الشعر عن حساسية تميزه عن سائر فنون القول "لا يعني أبداً وجودهم هناك/ أنهم غير موجودين هنا الآن/ في هذه الغرفة التي أحاول/ بحذر شديد/ ترتيب أوراقها".

قصيدة النثر الراهنة

يحمل ديوان "تدريبات يومية" التمظهرات الفكرية والجمالية لقصيدة النثر الراهنة في مصر والعالم العربي. فإلى جانب النزعة الحركية الأدائية، والصبغة السردية، ولغة الصور والكادرات السينمائية والمسرحية والتشكيلية، هناك حرص على الاحتفاء بالحوار الدرامي، وتطويره، وتصفيته، وتقطيره شعرياً، وذلك لتنمية الحالة وإفساح المجال لتعدد الأصوات في اشتباكاتها مع الأنا الضالة الحائرة، كما في قصيدة "أسرة كبيرة تنتظر الحرب"، ومما ورد في حوارات شخوصها "- أعدّي وجبة واحدة، ربما تكون أكثر من حاجتنا/ - لا ينبغي أبداً أن نبقى هنا، فالمخابئ كثيرة وأكثر رحمة/ - سوف تقول إنها تشبه الرحم، أنا أعرفكَ/ - لا بد من إحضار بعض الشمعات/ - لا ضرورة لذلك، سيكون ضوء النيران كافياً".

ولا يدعي الشاعر في قصائد "تدريبات يومية" أية مقولات كبرى أو لافتات شعارية، وذلك بالتوازي مع أن حركة الإنسان على الأرض، وفي فضاء الفانتازيا كذلك، هي ليست إلا من أجل فتح الباب، والمضيّ ببطء، وإزاحة الرمال، والانخراط في التفاصيل الصغيرة، واستخلاص أنبل ما فيها، قبل الرجوع المؤلم إلى نقطة الصفر "مسافة الذهاب مساوية تماماً لمسافة الرجوع". وتبقى هذه المشاوير الوعرة، الملوّثة بالعَرَق والأدخنة والأتربة، بما فيها من نثارات، وتفتت، وتبدد، هي نبض قصيدة النثر، المتشبثة بالأرض، حتى آخر نقلة قدم متبقية "يكفي أن أرى الأرض/ أن أرى موضع خطوتي الثانية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومهما تَطلْ صداقة الشاعر/الإنسان مع كائن اليأس "الذي أصبح فجأة رجلاً في الخمسين، يتكئ على عصاه، ويهش بها على ذريته الضالة، ولا يكترث بالينابيع، لأنه يراها مجرد دمعات كبيرة، لائذة بالأرض"، فإن هناك توقيتات مستقبلية محجوزة للأمل، سوف تأتي في حينها، لتستصدر توقيعات رسمية وأختاماً تقول بوضوح إنه "لا يزال قادراً على التنفس".

وفي النصوص البالغة القصر، لا يني الشاعر يؤكد ما استقر عليه، من أنه لم تعد هناك معجزات يمكن الارتكاز عليها لوقف الفقدان وحفظ التوازن في هذا الطقس المضطرب المضطرم، فلا مجال لاصطياد الحقيقة وراء السراب، والاطلاع على اللب تحت القشور الزائلة الزائفة، سوى بتفعيل الحواس المباشرة، كما يقول في قصيدة "يقين" المختزلة "أنتَ فقط/ النعمة اليسيرةُ التي تبقى/ أمام العين".

المزيد من ثقافة