Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نظرة إلى مناخ أفريقيا "المتطرف" الذي لا تتناقله التقارير

اجتاحت القارة السمراء صيف هذا العام فيضانات وموجات جفاف وحر، واستعرت فيها حرائق كثيرة، ولم تسلم من مجاعة... ديزي دان تتحدث عن التكلفة البشرية والأسباب المحتملة

مزارعون يحاولون إطفاء حريق خارج عن السيطرة في الجزائر الشهر الماضي (رويترز)

يستثير غياب التغطية الإعلامية لأزمة المناخ التي تشهدها أفريقيا سخط الناشطة النيجيرية في مجال المناخ، أولادوسو أدينيك. وتقول إنه "في بقاع العالم كافة، لدى الناس علم بشأن فيضانات ألمانيا، وإيطاليا، والعاصفة في الصين والعاصفة الرملية، غير أن أفريقيا لا تحظى باهتمام وسائل الإعلام".

"ربما لا نحصل على ذلك الشكل من الاهتمام (الإعلامي) قبل أسابيع أو أشهر (من وقوع الكارثة المناخية). ويصيبنا ذلك بضرر أكبر مقارنة مع غيرنا، فيما أن تسليط الضوء على أفريقيا سيساعد العالم في معرفة الحوادث المناخية التي تواجهها القارة"، وفق أدينيك.

في سياق مشابه، أخبرت الناشطة البيئية الأوغندية فانيسا ناكيت "اندبندنت" أن "أزمة المناخ حقيقة واقعة بالنسبة إلينا جميعاً في بلدنا، ولا تتوقف على الكوارث الأوروبية فحسب".

على مدى الأشهر القليلة الماضية، اندلعت في غابات الجزائر حرائق عدة ذهب ضحيتها كثر، وعانت بلدان مثل أوغندا ونيجيريا فيضانات مدمرة، فيما اجتاحت جنوب مدغشقر موجات جفاف شديدة، ناشرة مجاعة واسعة النطاق في الجزيرة.

وعلى الرغم من أن الدوافع المحددة لتلك الأحوال المناخية لم تحظَ بدراسات علمية، خلص تقرير بارز أصدرته حديثاً هيئة المناخ التابعة لمنظمة الأمم المتحدة إلى أن "تغير المناخ الناتج عن أنشطة الإنسان يؤثر فعلاً في ظواهر متطرفة كثيرة متصلة بالمناخ والطقس، ولا تسلم منه ولو منطقة واحدة في أنحاء المعمورة".

تناقش "اندبندنت" التكلفة البشرية والأسباب المحتملة للصيف المتطرف الذي تكابده أفريقيا.

موجات حر وحرائق غابات

في الأسابيع الأخيرة، اختنقت أجزاء من شمال أفريقيا، من بينها الجزائر، بحرارة شديدة.

اجتاحت موجة الحر المتطرفة "لوسيفر" Lucifer، كما سميت، شمال أفريقيا وجنوب أوروبا في أغسطس (آب) الماضي، فارتفعت درجات الحرارة لتصل إلى 47 درجة مئوية (116.6 فهرنهايت) في بعض مناطق الجزائر.

أشعلت الحرارة ألسنة لهب في الغابات متسببة بحرائق مدمرة في شمال الجزائر. توفي 90 شخصاً في أقل تقدير، من بينهم 33 عسكرياً صارعوا النيران بعناد وبموارد محدودة علهم يخمدونها. تشير تقارير أولية إلى أن الحرائق المسجلة العام الحالي تركت أضراراً على غابات الجزائر أكثر مما فعلت الحرائق كافة مجتمعة التي نشبت في البلد بين 2008 و2020.

إن تفاقم أزمة المناخ في شتى أنحاء العالم، يؤدي إلى احتمال نشوء "طقس مؤجج للحرائق"، يتسم بكونه حاراً وجافاً وعاصفاً بالرياح، وفق تقييم أخير تولاه بعض علماء المناخ الرائدين في العالم.

وليس بعيداً عن ذلك، خلص تقييم بارز حديث أجرته "الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ" (IPCC) التابعة لـ"الأمم المتحدة" إلى أنه "من شبه المؤكد" أن موجات الحر باتت أكثر تكراراً وشدة منذ خمسينيات القرن العشرين، مع العلم بأن البشر كانوا "المحرك الرئيس" لتلك الزيادات.

في حين يكشف العلم بأن موجات الحر صارت تتكرر غالباً وعلى نحو أكثر شدة في مختلف أرجاء أفريقيا، فإنه ما زالت حوادث كهذه تسقط من حيز الإبلاغ في بعض أجزاء القارة، كما يقول الدكتور لوك هارينغتون، الباحث البارز في علوم المناخ في "جامعة فيكتوريا" في ويلينغتون، بنيوزيلندا.

وقال هارينغتون في تصريح أدلى به إلى "اندبندنت" إن "تواتر موجات الحر الشديدة ذات الطبيعة الاستثنائية يتزايد بسرعة في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، نتيجة تغير المناخ".

"للأسف، ما زال أداؤنا سيئاً في ما يتصل بتحديد الوقت الفعلي لحدوث الظواهر المتطرفة المرتبطة بالحرارة في أجزاء مختلفة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى"، أضاف الدكتور هارينغتون.

العام الماضي، شارك الدكتور هارينغتون في كتابة شرح بحثي يحذر من أن درجات الحرارة الشديدة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تذهب من دون الإبلاغ عنها بشكل دائم.

وذكر الشرح أن القاعدة الأكبر في العالم لبيانات حوادث الطوارئ أشارت إلى موجتين حارتين فقط في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى منذ بداية القرن العشرين. وفي المقابل، سجلت تلك القاعدة 83 موجة حر في أوروبا خلال الفترة الزمنية نفسها.

ولكن "النقص في الإبلاغ عن موجات الحر في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء يمكن أن يعرض الناس للخطر، ذلك أنه لا بد من توفر التسجيلات للوقوف على عدد الأشخاص الذين يفارقون الحياة بسبب الأجواء الشديدة الحرارة". يقول الدكتور هارينغتون، مضيفاً أنه من دون هذه المعلومات، يكون صانعو السياسات أقل قدرة على اتخاذ التدابير اللازمة لمساعدة الناس على التعامل مع ارتفاع درجات الحرارة القصوى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أمطار غزيرة وفيضانات

علاوة على الحرارة الشديدة والنيران، واجهت أجزاء من أفريقيا هذا الصيف هطول أمطار غزيرة غير اعتيادية وفيضانات جارفة.

مثلاً، شهدت أوغندا في شرق القارة السمراء ارتفاعاً مهولاً في منسوب مياه الأنهار في يوليو (تموز) الماضي حمل معه فياضانات عدة.

"في الأجزاء الغربية من البلد، نقاسي فيضانات جسيمة ودماراً يعيث خراباً بمنازل السكان. نعلم أن بعض هؤلاء ينتهي بهم الأمر إلى العيش في مخيمات ويصارعون من أجل البقاء على قيد الحياة"، هذا ما قالته ناكاتي، المقيمة في أوغندا، لـ"اندبندنت"، معبرة عن استياء بالغ تشعر به.

وفق تقارير محلية أوغندية، ألحقت فيضانات يوليو الضرر بثلاثين قرية غرب أوغندا. وتوجب إنقاذ ثلاثة أشخاص على أقل تقدير من الطوفان.

كذلك لم تسلم نيجيريا، الواقعة في غرب أفريقيا، من فيضانات شديدة اجتاحتها في يوليو (تموز) وأغسطس الماضيين. للأسف، نزح أربعة آلاف شخص من مناطقهم فيما جرفت المياه 300 منزل شمال شرقي نيجيريا، نتيجة فيضانات يوليو، بحسب ما نقلت وسائل إعلام محلية. أما في أغسطس، فتسببت فيضانات أخرى في شمال نيجيريا في انهيار جسر، ما أسفر عن مقتل 21 شخصاً على أقل تقدير.

وترى الناشطة النيجيرية أدينيك أن الفيضانات في بلدها وفي أوغندا تسلط الضوء على ضرورة معالجة السبب الجذري لأزمة المناخ، ألا وهو ارتفاع انبعاثات غازات الدفيئة (ثاني أكسيد الكربون وغيره).

وتقول إن "المساعدات الإنسانية جيدة، ولكن لا بد أن تكون في متناولنا طرائق مستدامة تسمح بالتصدي لأزمة المناخ".

ولكن للأسف، لم يخضع الدور الذي تؤديه أزمة المناخ في الفيضانات الأخيرة التي طاولت أفريقيا لأي تقييم رسمي، علماً بأن فهم التأثير الذي يطرحه الاحترار على مثل هذه الحوادث المناخية يمكن أن يتسم بـ"التعقيد"، وفق توصيف الدكتور هارينغتون الذي يشرح أن "أجزاءً كثيرة من منطقة أفريقيا جنوب الصحراء تتأثر أيضاً بدوافع معقدة لتقلب المناخ".

من بين تلك العوامل "إل نينو" El Nino مثلاً، ومعلوم أنها ظاهرة مناخية دورية تترك وقعها على معظم أنحاء العالم. في أفريقيا، ترتبط ظروف "إل نينو" بزيادة في هطول الأمطار في المناطق الشرقية، مقابل انخفاضها في المناطق الجنوبية والغربية.

يقول الدكتور هارينغتون إن "إل نينو" واحدة فقط من ظواهر مناخية عدة تؤثر في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، و"يمكن لكل منها أن تزيد أو تقلص احتمالات حدوث جفاف أو فيضانات في منطقة معينة، تبعاً للمرحلة التي تكون فيها".

"معنى ذلك أن رصد أي إشارة إلى تغير مناخي في تلك المناطق سيكون صعباً نظراً إلى وجود "ضوضاء" كثيرة في نظام المناخ، يتعين التغلب عليها"، وفق ما جاء في كلام الدكتور هارينغتون.

ومع ذلك، تشير أدلة إلى أن تغير المناخ الناتج عن الإنسان، يطرح بوجه عام، تأثيراً على اتجاهات الفيضانات في مختلف أنحاء أفريقيا. وقد خلص التقييم الأخير الصادر عن "الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ" إلى أن الزيادات التي طرأت على نسبة الفيضانات طاولت أجزاءً كثيرة من أفريقيا، من بينها المناطق الغربية والشرقية، في ظل ارتفاع درجة حرارة العالم.

ويضيف التقييم الخاص بأفريقيا الذي يوفر تفاصيل على مستوى المناطق أنه "من المتوقع أن يزداد تواتر ظواهر هطول الأمطار الغزيرة وشدتها في كل مكان تقريباً من أفريقيا مع تفاقم الاحترار العالمي".

جفاف ومجاعة

بينما تصارع أجزاء من أفريقيا الأمطار الغزيرة، تعاني مناطق أخرى شحاً فيها.

مثلاً، يقع جنوب مدغشقر في قبضة أسوأ موجة جفاف منذ عام 1981. وقد أدت ثلاث سنوات متتالية من ندرة الأمطار إلى تدمير المحاصيل، تاركة 1.14 مليون شخص يواجهون خطر انعدام الأمن الغذائي و400 ألف شخص مهددين بمجاعة، وفق "برنامج الغذاء العالمي" (WFP).

جراء النقص الغذائي لجأت آلاف العائلات مُكرهةً إلى استهلاك الجراد وثمار الصبار الأحمر الفج والأعشاب البرية للبقاء على قيد الحياة، بحسب الهيئة الإنسانية المذكورة آنفاً التابعة لـ"الأمم المتحدة".

في سياق متصل، صرح مسؤولون في "الأمم المتحدة" بأن تلك المجاعة تعتبر الأولى من نوعها في العالم التي تحركها أزمة المناخ وحدها بعيداً عن أي عامل آخر.

من بين هؤلاء عيسى سانوغو، المنسق المقيم لـ"الأمم المتحدة" في مدغشقر، الذي قال الشهر الماضي إنه "على هذه الشاكلة تكون العواقب الحقيقية لتغير المناخ. الناس هنا لم يفعلوا شيئاً ليستحقوا ذلك".

ولكن، على الرغم من الخطورة التي تكتنفها طبيعة الحدث (المجاعة)، لم يصدر أي تقييم رسمي لدور أزمة المناخ في تحريك حالات الجفاف تلك.

وكما هي الحال مع حوادث الفيضانات، فإن فهم الدور الذي تؤديه أزمة المناخ في حالات الجفاف يمكن أن يشوبه عدم الدقة، كما يقول الدكتور هارينغتون.

ويشرح رأيه قائلاً إنه "قد أصبح قاعدة عامة أن تأثير تغير المناخ سيبقى دائماً أقل وضوحاً في ما يتصل بحوادث الجفاف والفيضانات، وذلك عند مقارنته مع ما يقابله من تغيرات في درجات الحرارة القصوى".

"كشفت تحليلات تناولت موجات الجفاف الأخيرة في شرق أفريقيا أن تغير المناخ لم يؤدِ دوراً كبيراً فيها، بيد أنه خلافاً لذلك فاقم احتمال حدوث الجفاف الذي تعرضت له كيب تاون (في جنوب أفريقيا) في الفترة الممتدة بين 2015 و2017."

ويشير التقييم الأخير لـ"الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ" إلى أن مستويات الجفاف قد ازدادت في مدغشقر منذ بداية عصر الوقود الأحفوري.

ويضيف التقرير أن أي ارتفاع إضافي في درجة الحرارة سيؤدي إلى زيادة في موجات الجفاف المرتبطة بالأحوال الجوية، وأنه إذا كان الاحترار العالمي في المستقبل شديداً جداً، يمكن للجزيرة (مدغشقر) أن تتوقع زيادات إضافية في حالات الجفاف المتصلة بالزراعة والنظام الإيكولوجي.

يبقى أن مدغشقر مثلاً، وفق الناشطة في مجال المناخ أولادوسو أدينيك، "ربما تكون الدولة الوحيدة في العالم التي يقود فيها تغير المناخ إلى انعدام الأمن الغذائي، ولكن كم من شخص لديه علم بذلك؟ عليه، حري بوسائل الإعلام أن تبذل جهداً أكبر بغية وضع هذه القضايا في دائرة الضوء".

© The Independent

المزيد من بيئة