Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الغموض السياسي في تونس يؤخر التعافي الاقتصادي

معطيات وكالات التصنيف الدولية السلبية قد تحرم البلد من شراكات جديدة

قوات أمن خارج مقر البرلمان التونسي (أ ف ب)

نشرت وكالة التصنيف الائتماني "ستاندرد أند بورز" تقريراً خاصاً بانعكاسات أزمة جائحة كورونا على الواقعين المالي والاقتصادي في ست دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حمل عنوان "التحديات التي تواجه الدول والشركات والبنوك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في سياق ما بعد الجائحة". وخُصّت تونس بجزء مطول من التقرير تطرق إلى خصوصية الظروف التي تمر بها البلاد، وجاء فيه أن المعطيات السياسية على الواقع تجعل البلاد بحاجة إلى فترة أطول لتجاوز الأزمة الاقتصادية، جازماً بأن البلدان المجاورة ستحقق انتعاشة اقتصادية بنسق أسرع، بينما سيسير نسق النمو في تونس ببطء بانتظار أن يتخلص من مخلفات الأزمات الاقتصادية والسياسية المتعاقبة في غضون خمس سنوات.
واعتمدت الوكالة على مؤشرات صندوق النقد الدولي حول تونس، مشيرة إلى إمكانية فشل ذلك البلد في التوصل إلى توقيع اتفاقية جديدة مع الصندوق بسبب الاحتقان الاجتماعي والغموض السياسي، بينما ذهب مختصون تحدثوا إلى "اندبندنت عربية"، إلى أن الانكماش غير المسبوق للنمو وتراجع عائدات كل القطاعات الاقتصادية، هو حقيقة واقعة.

وعبّر شركاء تونس عن استعدادهم للتعامل والمساعدة. لكن المستجدات الأخيرة في البلاد أدت إلى غموض لدى وكالات الائتمان. وأصبح الإصلاح الاقتصادي الذي يطالب به المقرضون رهين الأزمة السياسية الحالية ومدى قدرة السلطة الجديدة على تجاوزها، إذ لا تزال الحكومة المفترض تشكيلها في تونس غائبة إلى حد اليوم، وهي الكفيلة بقيادة برنامج إصلاح ضروري لا يحتمل التأجيل.

غموض

وانتقدت وكالة "ستاندرد أند بورز" اعتماد عدد من بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط على السياحة كدعامة أساسية للاقتصاد، الأمر الذي تسبب في خسائر كبيرة إبان أزمة وباء كورونا. بحيث تراجعت عائدات السياحة في تونس بنسبة 52 في المئة في النصف الأول من عام 2021. وتوقعت الوكالة انتعاشاً تدريجياً في معظم القطاعات في بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ما عدا تونس التي رأت أن تعافي الاقتصاد لديها سيحتاج إلى وقت أطول. ويُرجح أن تشهد انتعاشة بطيئة وذلك بواقع نسبة نمو في حدود 3.8 في المئة فقط هذا العام، وبـ2.1 في المئة في المتوسط على مدى السنوات الثلاث المقبلة، مستندة ًإلى إحصاءات صندوق النقد الدولي.

وأوضح تقرير وكالة التصنيف الدولية أن أزمة كورونا أدت إلى انكماش غير مسبوق للناتج المحلي الإجمالي في تونس، ناهز 8.6 في المئة عام 2020، وانعكس على الوضع الاجتماعي المحتقن والأزمة الاقتصادية السابقة.
وارتفعت البطالة من 15 في المئة قبل الجائحة إلى 17.8 في المئة بنهاية الربع الأول من 2021، بحسب دراسة للبنك الدولي.

وخلقت الاضطرابات السياسية الأخيرة في تونس بعد حل الحكومة وتجميد نواب البرلمان، وضعيةً يكتنفها الغموض. ولا تنبئ بالتسريع في الإصلاحات اللازمة لتجاوز الوضعين الاجتماعي والاقتصادي المتأزمين، بعد عقد من عدم تنفيذ الإصلاحات الهيكلية من قبل الحكومات المتعاقبة بعد الانتفاضة، التي سجلت مستويات نمو متدنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هشاشة البنوك

كما اعتبر التقرير أن التطورات والوضع العام يؤثران في نشاط البنوك التونسية. فحالة عدم اليقين تزيد من توتر مناخ عمل البنوك. وهي تعاني الوضعية المتقلبة بسبب تداعيات "كوفيد-19". وقد سجلت البلاد أعلى مستويات العدوى والوفيات بالمنطقة، ما أدى إلى حالة شلل للقطاعات الجاذبة للعملة الصعبة.

وينتظر أن تواجه البنوك التونسية وضعية اقتصادية كلية وتشغيلية أكثر صعوبة، إذ تحتكم إلى دعائم مالية محدودة ومخاطر متنامية، ويهددها  إمكانية تراجع مداخيلها، لأنها تنشط في بيئة شديدة التنافسية، وتتصف بالتجزؤ وبآفاق نمو متقلبة. وتواجه احتمالات تزايد الخسائر المرتبطة بنشاط الإقراض.

وتتسم الهيكلة الحالية للنظام المصرفي في تونس بالمنافسة الشديدة على مستوى هوامش الفوائض، والعمولات التي يتحملها الحرفاء. ويؤجج ذلك حرص البنوك على التعامل مع عدد قليل من كبار الحرفاء بحكم قدرتهم على تسديد الديون والإيفاء بالالتزامات.

وتؤدي العوامل المذكورة إلى زيادة تآكل مكونات الأموال الذاتية البنكية، علماً أنها غير كافية في الوقت الراهن. وسيزداد التهديد فيما يتعلق بالبنوك الصغيرة الحجم، ويرجح أن تحتفظ البنوك بمخصصات عالية لتغطية الخسائر المتوقعة حول نشاطها في منح القروض، إذ إن الإقراض العالي لقطاعات التجزئة والسياحة والعقارات وبعض قطاعات التصدير التي تجابه صعوبات، سيؤثر في منسوب الربح والرأسمال.

وكان البنك المركزي التونسي قد خفض في سعر الفائدة مرتين في مارس (آذار) وأكتوبر (تشرين الأول)، بمعدل تراكمي يناهز 150 نقطة أساس إلى 6.25 في المئة. كما استمر في ضخ السيولة للبنوك ودعمها على هذا المستوى.

وتعتقد "ستاندرد أند بورز" أن هذا الدعم سيستمر خلال الأشهر القليلة المقبلة لمساعدة النظام المصرفي على التعامل مع حالة عدم اليقين السياسي السائد بالبلاد. ورأت الوكالة أن استمرار هذا الدعم مهم للغاية نظراً إلى انخفاض مستويات التمويل لدى البنوك التونسية.

الإصلاح الهيكلي

ويختلف الاقتصاد التونسي في مواجهته أزمات اضطراب ميزان المدفوعات والمديونية ونضوب موارد العملة الصعبة عن اقتصادات البلدان المجاورة، لأنه متنوع الموارد ولا يستمد قوته من قطاع أساسي. هذا ما ورد على لسان "المدير العام السابق للسياسات النقدية بالبنك المركزي التونسي" محمد سويلم. ويرى أن تونس تختلف عن اقتصادات بلدان الشرق الأوسط وليبيا وكذلك الجزائر، باعتبار أن اقتصادها أكثر تنوعاً، وبالتالي له قدرة أكبر على امتصاص الصدمات. وقد أثبت الاقتصاد التونسي خلال العشرية التي خلت والتي شهدت خلالها البلاد انتقالاً سياسياً واضطرابات اجتماعية وعمليات إرهابية ثم جائحة كورونا هذه الصفة.

وتمكنت تونس على الرغم من تراجع العائدات المالية الحاد من الإيفاء بالتزاماتها المالية الخارجية، على الرغم من المفعول التراكمي للمستحقات المالية في شكل ديون، إذ تشهد القطاعات الحيوية مثل الفوسفات والطاقة والسياحة انحباساً غير مسبوق في النشاط، وهي موارد العملات الأجنبية.

لكن تعاني البلاد حالياً ضعفاً عاماً في أساسات الاقتصاد ووضعية اجتماعية منذرة بالانفجار بسبب البطالة. كما ارتفعت نسبة خطورة اختلال التوازنات الداخلية والخارجية، وارتفع الدين الخارجي إلى مستويات مقلقة. لذلك يحتاج الاقتصاد إلى خضة تعيد للفاعلين فيه الطمأنينة، لتتضح الآفاق المالية ويتم دفع الاستثمار. وأضاف سويلم أن الرئيس قيس سعيد يسعى إلى التأسيس لاستعادة الثقة في الاقتصاد التونسي بالقرارات الأخيرة، الأمر الذي من شأنه أن يمهد لاسترجاع ثقة صندوق النقد الدولي. ومن أبرز اختصاصات الصندوق مساعدة البلدان الأعضاء عندما تمر بصعوبات، بخاصة التي تتعلق باختلال في ميزان المدفوعات، إضافة إلى تأمين الاستقرار النقدي. ويتوقع استئناف المحادثات مع صندوق النقد بمجرد  تعيين رئيس حكومة وتشكيل تركيبتها، ووضع ملامح برنامج اقتصادي يحل إشكال المالية العمومية، لأن الصندوق في حاجة إلى طرف مقابل للتفاوض معه بكل جدية حول كل الإشكاليات، وهو الحكومة المرتقبة. كما يشترط استقرار الأوضاع السياسية ليعم مناخ اجتماعي وسياسي سليم، يساعد على تنفيذ البرامج التي تضعها الحكومة.

ويرتبط الإصلاح الاقتصادي في تونس بالإصلاح السياسي الناجع الذي يقطع مع تهميش مؤسسات الدولة.

غياب المفاوض

 بينما نبه الاقتصادي، غازي معلى، إلى عدم نشر ترقيم تصنيف تونس الجديد من طرف وكالات الائتمان، بسبب حالة عدم اليقين السائدة في البلاد، بعكس ما حصل مع البلدان الأخرى التي صدر ترقيمها الجديد منذ مدة.

وهو ما انعكس بدوره على موقف الوكالات مما يحدث في البلاد من اضطرابات سياسية. فالظروف الراهنة التي لا تتوفر فيها حكومة تونسية وبرلمان، لا تخول لتونس الجلوس مع أي شريك اقتصادي للتفاوض بسبب غياب الطرف المفاوض وهو رئيس الحكومة. فمن الضروري توفر مسؤولين يقومون بالتحاور مع الشركاء الاقتصاديين لتونس ومن بينهم صندوق النقد خصوصاً.

من جهة أخرى، اشترط صندوق النقد توقيع عقد اجتماعي لاستئناف المفاوضات مع تونس، وهو عبارة عن وثيقة تفاهم بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين في تونس، وهم الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة الممثل للأعراف، ولا يتوفر حالياً هذا العقد بسبب الأزمة الاجتماعية واختلاف الرؤى السائد. كما وجب التذكير بعدم إيفاء تونس بالتزاماتها السابقة مع الصندوق، وهي الإصلاحات الاقتصادية التي طلبها شرطاً للإقراض. فجميع المعطيات المتوفرة تدفع إلى امتناع شركاء تونس عن استئناف الحوار لتوقيع اتفاقية والإقراض وإصلاح الوضعية المنذرة بالخطر.