Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لوحات أنور خليفي تتجاوز حدود الاستشراق والتنميط

الفنان المغربي يركز على جمالية المشهد ببعده الذاتي والطبيعي

لوحة للرسام المغربي أنور خليفي في معرضه (الخدمة الإعلامية للمعرض)

رجل ذو ملامح آسيوية وبشرة داكنة يجلس وحيداً على مقعد خشبي مرتدياً جلباباً مغربياً مخططاً باللونين الأحمر والأبيض، بينما قسمت المساحة من خلفه إلى ثلاث: واحدة منها ملونة بالأحمر الزاهي، وأخرى تطل على مشهد لجبال مغطاة بالثلج على غرار ما نراه في أعمال التصوير الياباني، وعلى جانب اللوحة ثمة مزهرية بدت معلقة في الهواء.

هكذا يبدو المشهد في لوحة الفنان المغربي أنور خليفي: مسحة سريالية مع مزيج من التأثيرات الثقافية والدلالات المختلفة. ترتيب العناصر ومعالجتها في اللوحة يشي بكثير من العفوية ومن دون مراعاة لحسابات المنظور والظل والنور. تنبثق جمالية المشهد هنا من هذه المواءمة بين المساحات واختيارات الفنان للدرجات اللونية وترتيبها، إلى جانب الحس الساخر والوجود الفردي المكرر للعنصر البشري. لوحة أنور خليفي هي واحدة من بين مجموعة أعماله التي قدمها أخيراً في أحدث معارضه في غاليري الخط الثالث في دبي.

ولد أنور خليفي في إسبانيا عام 1977 ويعمل حالياً بين برشلونة ومدينة طنجة المغربية، وقد مثلت هذه الازدواجية والمراوحة بين ثقافتين عاملاً مؤثراً في تجربته التصويرية، التي غالباً ما تتضمن معاني ودلالات لها علاقة بهويته المزدوجة كعربي يعيش في إسبانيا، إلى جانب الموضوعات الأخرى التي تزخر بها أعماله، والتي تلامس في بعض جوانبها أحداثاً ووقائع معاصرة.

مشاهدات وقراءات

يستلهم خليفي أعماله من قراءاته ومشاهداته المستمرة للعالم، هو يلتهم العالم بعينيه ثم يعيد تمثيله من جديد بيديه. في حواره مع أمينة المعرض دينا إبراهيم، يقول خليفي إنه تأثر بالصوفية، وإن العديد من عناصره مستوحاة من التراث والموروث المغربيين. يتعامل خليفي مع مساحة الرسم كساحة للاكتشاف، لذا فهو لا يضع دراسات أولية للوحاته، فالإسكتش يكشف عن الشكل كما يقول، وهو يريده خافياً بين ثنايا المساحة حتى يكتشفه.

في أعماله الأخيرة تبدو الشخصيات التي يرسمها خليفي أكثر هدوءاً، ومساحة الرسم أقل فوضوية مما كانت عليه في أعماله السابقة. يفسر خليفي هذا التغير بمراوحته بين الإقامة في المغرب وإسبانيا. الأعمال السابقة كان قد أنتجها وقت إقامته في مدينة طنجة كما يقول، حيث يفرض عليه الاحتكاك بالشارع والأسواق هناك نوعاً من الفوضى وعدم الترتيب. أما الأعمال المعروضة هنا فقد رسمها بعد عودته إلى محترفه في مدينة برشلونة، وتفرغه للعمل هناك، ما أتاح له مزيداً من الهدوء والتركيز، وهو ما انعكس على أعماله المعروضة بلا شك.

غالباً ما يشير خليفي في أعماله إلى حدث أو مشهد حقيقي، يعالجه هو بطريقته الخاصة، أو يعيد صياغته من جديد ليمزج بين الحقيقي وما استقر في مخيلته عند رؤيته الأولى هذا المشهد. وفي لوحاته يتجنب الفنان المغربي المعالجات الواقعية للعناصر، على الرغم من تمكنه من ذلك كما يقول، فهو يميل إلى معالجة شخوصه وعناصره المرسومة بطريقة طفولية، حتى يتمكن من التواصل مع هذا الجزء في داخله. ولا يضع الفنان ظلالاً لعناصره، فما يهمه هو السطح وليس الشخصيات، وكذلك المشاعر والأفكار التي يمكن أن يعبر عنها من خلال معالجته اللونية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ينظر كثيرون إلى أعمال أنور خليفي على أنها سيرة ذاتية له، غير أنه لا يرى الأمر بهذه الصورة المباشرة، فالفنان يستحضر ذاته بالضرورة أو ما تمثله في عمله. هو فقط يرسم الأشياء التي تشبهه أو القريبة منه، والتي يشعر حيالها بارتباط ما، لذا تتشابه تفاصيل أعماله أحياناً مع طبيعته الشخصية أو حتى ملامحه. يصرح خليفي بأنه كان شديد التعلق بأعمال المصور الإسباني الكبير فيلاسكيز، وتحديداً هذه التي رسمها لمساعده خوان دي باريغا، الذي كان بدوره رساماً بارزاً. يفسر أنور خليفي تعلقه بهذه الرسوم لشعوره بالتعاطف مع خوان دي باريغا الذي تعود أصوله إلى المورسكيين، ودائماً ما كان يوصف بأنه ذو عرق مختلط، وهو الأمر الذي لفت نظر خليفي إليه. فهو يمثله على نحو ما، كما أن تاريخ المورسكيين يتردد صداه أمامه بحكم ولادته ونشأته في إسبانيا وانتمائه الثقافي المزدوج.

يحاول الفنان المغربي أن يخفف من حدة هذه الأفكار الجادة أو العميقة في أعماله كما يقول، بأن يضفي عليها جانباً ساخراً أو طريفاً أحياناً. كما يتعامل مع موضوعاته المتعلقة بالتراث المغربي بشيء من الحيطة، إذ دائماً ما ينتابه هاجس الاستشراق والتنميط الغربي عند تناوله تلك الموضوعات، وهو لا يريد الانزلاق في هذا الأمر. وعلى الرغم من هذا لا ينكر خليفي أن أعماله تحمل في جانب منها، شيئاً من روح الاستشراق، لذا فهو دائم الحذر عند تناوله تلك الموضوعات المتعلقة بالشمال الأفريقي، مراعياً قدر المستطاع الابتعاد عن التكرار والتنميط.

المزيد من ثقافة