Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"فضلت التعذيب على السجن الانفرادي": هذا هو الوضع عندما تكون محبوسا في سجن بطهران

مقاومة الألم الجسدي وتلقي العلاج من طبيب والتعامل مع الضمادات كان أحسن من العزلة إلى ما لا نهاية والتعامل مع القلق الذهني

"من المهم أن نتذكر الجمهور الذي توجه إليه رئيسي قبل 33 عاماً، وماذا فعل في مسيرته المهنية" (أ ب)

الأسبوع الماضي أظهرت صور كاميرات للمراقبة تم تهريبها ونشرها إساءات صادمة بحق معتقلين في سجن إيفين الإيراني. ذكرتني صور الفيديو التي شاهدتها بالسنوات التي أمضيتها في "إيفين"، مع فارق وحيد لا بد من الإشارة إليه، الحراس الذين عاصرتهم كانوا أكثر همجية.

أود أن أشرح هنا لماذا تؤثر أحداث جرت قبل 33 عاماً في يومنا هذا. لقد تغير المجتمع الإيراني لكن النظام لم يتغير.

في الواقع الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي كان أحد المسؤولين عن عمليات الإعدام الرهيبة التي أودت بآلاف المعتقلين السياسيين والتي أذنت فتوى للمرشد الأعلى في حينه روح الله الخميني بارتكابها.

أحداث الماضي بإمكانها أن تكون مؤشراً إلى النمط الذي ستتخذه الأمور في المستقبل وتداعياته الرهيبة. على سبيل المثال كان حراس سجن إيفين بمثابة جزارين قبل سنوات. كانوا يستخدمون كابلات غليظة لضرب المساجين التي تترك آثارها جروحاً عميقة على أجسادهم. في ذلك الوقت كان إعدام السجين يتم بسهولة متى شعر الحراس بأن أحد الضحايا قد تعرض لجراح بليغة سيصعب بعدها بقاؤه على قيد الحياة بسبب التعذيب، وبالنسبة إليهم لم يكن هناك تبعات لفعلهم يقلقون في شأنها.

في سجن إيفين كنا ننقل من قسم إلى آخر وعيوننا معصوبة في معظم الأحيان حتى في غرفة التحقيق وخلال التعذيب. كان هذا التكتيك القاسي يبث في صدورنا الخوف والقلق، فعندما تكون معصوب العينين يتولى عقل الإنسان مهمة إدراك ما يجري من حولك. صحيح أن الحراس كانوا يسعون إلى منع أي كان من مشاهدة جرائمهم أو رؤية وجوههم، لكن ترك الأشخاص مرعوبين كان عاملاً مساعداً جداً عندما كانوا يرغبون في كسر عزيمة السجناء نفسياً.

احتجاز السجين في الحبس الانفرادي كان تكتيكاً آخر. كسجناء سياسيين كنا نسعى إلى البقاء على تواصل، لكن الحراس كانوا يعاقبوننا في حال اكتشاف أي تواصل إنساني بيننا. حتى أن (محاولتنا) الاعتناء بالنزيل الزميل الذي تم تعذيبه كان يؤدي إلى عواقب قاسية.

لقد أودعوني الحبس الانفرادي في إحدى المرات لمدة ثلاث سنوات، ومرة أخرى لمدة عامين. خلال فترات العزل الطويلة هذه تبدأ الذكريات التي نحملها عن كل شيء وكل من تحب بالتلاشي، ويمكنك أن تشعر في حينه بأنك وحيد للغاية وتعيش فراغاً.

 مبدئياً كان المساجين في الحبس الانفرادي يلجأون لاستخدام "شيفرة مورس" morse code في التواصل مع بعضهم عبر جدران الزنازين، ولكن مع الوقت أضافت سلطات النظام تدعيماً فولاذياً إلى الجدران لزيادة العزل ومنع نفاذ أي صوت.  

في حالتي، وعندما يصبح السجن الانفرادي لا يطاق، كنت أبدأ بركل الباب وإحداث الضجيج، وكان الحراس يأتون في حينه ويأخذونني لضربي، لكن هذا الضرب كان نوعاً من اللهو (بالنسبة إلي)، بمثابة المنقذ لو أحببت، فعملية مقاومة الألم الجسدي والذهاب إلى زيارة طبيب السجن والتعامل مع الضمادات كان أفضل من العزل الذي لا ينتهي والقلق النفسي الذي يرتبط به.

في ربيع 1988، سعى الحراس إلى أن يجبروني على تقديم معلومات حول أقاربي، وفي أحد أيام شهر أغسطس (آب) وبسبب نزف في الكِلية فقدت الوعي ونقلني أحد الحراس إلى عيادة السجن، وعندما استعدت وعيي رأيت سائل الإنعاش ملوثاً بالدم من حولي، وشعرت بألم في رأسي. الشخص المستلقي بجانبي قال لي إنهم نادوا على اسمي مرات عدة، ولكن بما أنني كنت غائباً عن الوعي فإنني لم أستجب لنداءاتهم.  

بعد أيام عدة أمضيتها في العيادة، وبعد عودتي إلى القسم المخصص لإقامتي كانت كل أبواب الزنازين مشرعة بشكل غريب. وكانت هناك أكياس وحقائب يدوية ملقاة إلى جانب زنازين فارغة. استنتجت في حينه أن تلك كانت الأمتعة الشخصية الخاصة برفاقي الذين تم إعدامهم خلال المجزرة. كان القسم الذي أنتمي إليه في السجن شبه فارغ. في اليوم الثاني سمعت أحدهم ينادي على الحراس ليقول لهم "لقد نسيتم أن تأخذوني"، وعندما سأل الحارس السجين عن اسمه أجاب أن اسمه "يعقوب حساني". أخذه الحراس على الفور وتم إعدامه في الليلة نفسها.

لقد حزنت على كل هؤلاء الأشخاص، فعندما تتشارك المعاناة مع آخرين لفترة طويلة تتطور لديك مشاعر تجاههم، وعندما يرافق الحراس بعض الأشخاص لمواجهة الإعدام ينتاب من لم يشمله الأمر شعور رهيب بالأسف والصدمة.  

كانت تلك أيام سادتها الفوضى العارمة، فبعض الأشخاص لم يكونوا ليفطنوا أنهم كانوا في طريقهم للشنق حتى اللحظة الأخيرة. كان الحراس ينقلون الناس من قسم لآخر وربما يضعون بعضهم على لائحة الإعدام ليجد هؤلاء بعد ذلك أنه تم نقلهم إلى القسم العام من السجن. بالمطلق تجد نفسك وقد انفصلت عن نفسك، ولم أتمكن من معرفة ما كان يفكر به يعقوب في ذلك اليوم، لقد سمعته فقط حين كان ينادي الحراس.

كنت في الـ 17 من عمري عندما تم استجوابي للمرة الأولى، لكنني رفضت في حينه كتابة أسماء أصدقائي وعناوينهم، ثم قالوا لي إنهم سيقومون بإعدامي مع عدد من الآخرين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أعطاني الحراس ورقة كي أكتب عليها وصيتي، لكنني أجبتهم أنه لم يكن لدي ما أقوله أو أعطيه لأي كان. في إحدى الليالي قاموا بتكبيل خمسة من بيننا وعصبوا عيوننا ووضعونا على متن حافلة ونقلونا إلى قسم آخر في السجن نفسه. عند نزولنا من الحافلة بدأت وأصدقائي بترديد أغنية شهيرة معروفة بنشيد الشهداء.

استاء الحراس وصرخوا فينا كي نصمت ودفعونا باتجاه أحد الجدران.  سمعنا أحدهم ربما كان رجل دين يقرأ الحكم علينا، "باسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الذين خانوا وطنهم ودينهم..."، ثم بدأ إطلاق النار.

كان أزيز الرصاص وهو يخترق الحجارة ويفجرها فوق رؤوسنا مدو بشكل مرعب، وبما أننا كنا على استعداد لمواجهة الأسوأ وقعنا جميعاً على الأرض. كان الأمر كما يجري في الأحلام لدى شعورك بأنك تهوي من جبل مرتفع. لقد شعرت بشيء رطب مثل الدماء الفاترة على الأرض، واعتقدت أن تلك كانت النهاية، ولكن وبعد لحظات سمعت الحراس وهم يضحكون ويصرخون بشكل جنوني، "هل هكذا تودون محاربة الإسلام؟"

كانت عملية إعدام كاذبة وبقي الجميع على قيد الحياة لو كان هذا الوصف مجد. تم حشرنا من جديد في الحافلة ونقلونا عائدين إلى قسمنا في السجن، وبسبب الصدمة عانينا جميعا من أعراض جسدية ونفسية مختلفة. لم أتمكن من تمالك نفسي ووقف ارتعاشي (لفترة)، وعلمت في وقت لاحق أن أحد رفاقي قد شارف على فقدان بصره (نتيجة الخوف الشديد). رفيق آخر همس في أذني أنه لم يعد قادراً على تحريك ذراعه وأن نصف جسده أصيب بالعجز، وعرفنا لاحقاً أنه أصيب بجلطة قلبية.

عندما أصبحنا في السجن أرسلونا إلى غرفة التحقيق لمعرفة ما إذا كانوا قد نجحوا في كسرنا وأننا أصبحنا مستعدين للاستسلام. لا أعلم ماذا جرى للآخرين، ولكنني كنت متأكداً أن تلك الليلة قد غيرتنا جميعاً، فأنا لم أعد أرفع صوتي إطلاقاً بعد ذلك. 

مجازر العام 1988 لم تتوقف أبداً، فاضطهاد السجناء وسوء المعاملة في سجن إيفين لم يتوقف كما يظهر الفيديو المسرب أخيراً، ولكن لو سألتموني فالمعطيات تشير إلى أن التنديد الدولي بسجل النظام الإيراني لحقوق الإنسان السيء قد أصبح مقيداً مع مرور الزمن، ولو سمح لرئيسي بإلقاء خطاب خلال اجتماعات الجمعية العامة في الأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول)، فمن المهم أن نتذكر الحضور الذين توجه إليهم رئيسي قبل 33 عاماً، وماذا فعل في مسيرته المهنية، فعلى العالم تحذير إيران والتنديد بأفعالها بشكل واضح، فبقاء كثير من الأشخاص يعتمد على ذلك.

لقد طلب من الجيل الذي أنتمي إليه إنشاء "إيران حرة". في أوروبا التي عانت عقوداً من انتهاكات حقوق الإنسان، تعلم الدول دروس التاريخ حتى يفهم الجيل الجديد كم كان ثمن الحرية باهظاً وكيفية الحفاظ عليها بشكل جيد. أعتقد أنه علينا القيام بالأمر نفسه في إيران أيضاً، فعلى الجيل المقبل أن يعلم عن تلك القصص العنيفة حتى يتمكن من تقدير الحرية.

أحياناً يسألني الناس كيف تمكنت من الصمود في وجه كل ذلك الألم وكيف نجوت، لكنني كنت أجيب أنه كان هناك أمر أهم بكثير من مسألة نجاتي.

كان هناك عشرات الآلاف من الناس الذين لم يتوقعوا أبداً أن أخبارهم ستصل أو أن ذويهم سيرونهم من جديد، لكنهم بقوا على قيد الحياة على الرغم من التعذيب. الحاكم المستبد كان يتمنى أن ينصاعوا ويتخلوا عن مبادئهم، وكان يريد كسر شوكتهم جميعاً. كل من بقي وفياً وشجاعاً وقال "لا" أثبت أنه يمكن للنظام (الإيراني) قتل البشر، ولكن لن يمكنه قتل إنسانيتنا أبداً.

مصطفى نادري هو عضو منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وأمضى 11 عاماً في السجون الإيرانية، وهو واحد من عدد قليل ممن نجوا من المجزرة التي قتلت السجناء السياسيين عام 1988. 

© The Independent

المزيد من آراء