Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كتاب الطريقين" الأول في سبر أغوار العالم الفرعوني

 في سلسلة  ترجمة عيون التراث الجنائزي لمصر القديمة

متون الاهرام (موقع الفن الفرعوني)

"متون الأهرام"؛ هو عنوان جامع لأقدم نصوص جنائزية دينية على الإطلاق، كُشف عنها النقاب بين عامي 1880 و1881، في مقابر لملوك الدولة القديمة في مصر. وظهرت أول ترجمة لها على يد ماسبيرو عام 1894، ولكن ترجمة عالم المصريات الألماني زيته، التي أنجزها عام 1908، تُعد المرجع الأساسي لدراسة تلك النصوص، وموضوعها الأساسي هو صعود الملك المتوفى إلى السماء. ومع انهيار الدولة القديمة، دخلت البلاد في حالة من الفوضى، ومن ثم ظهرت الدفعة الأولى نحو "دمقرطة السماء"، بحسب تعبير الباحث في التراث الجنائزي المصري شريف الصيفي، ولم يعد دخول عالم الخلود حقاً للملوك وحدهم، بل نازعهم فيه الأمراء وحكام الأقاليم. ومع صعود الدولة الوسطى باتت تلك النصوص الجنائزية تُكتب على التوابيت، وانتقلت إلى الفئات الاجتماعية الأدنى، فصارت متاحة لكل من يستطيع تدبير تكاليف كتابتها على تابوته. وترجم شريف الصيفي تلك النصوص إلى العربية عن المصرية القديمة، وقدم لها وعلق عليها، في كتاب صدر العام الماضي عن دار "مكتبة تنمية" في القاهرة تحت عنوان "متون الأهرام". كما أصدر الصيفي في عام 2019 ترجمة لكتاب "الخروج إلى النهار" عن الدار نفسها. ويُعد "كتاب الطريقين: طبوعرافيا العالم السفلي"، هو الأحدث في سلسلة خصصها الصيفي بالتعاون مع "مكتبة تنمية" لترجمة التراث الجنائزي لمصر القديمة إلى اللغة العربية، وسبر أغواره، في إطار جهود علماء المصريات في هذا الصدد، والتي بدأت في القرن التاسع عشر الميلادي.

تكوين نصي مصور   

يضم "كتاب الطريقين" أول وأقدم محاولة لالتقاط صورة طبوغرافية للعالم السفلي من خلال تكوين نصي مصور، إذ يوجد - كما يقول الصيفي - طريقان، أحدهما عبارة عن ممر مائي أزرق، والثاني طريق اليابسة الأسود، وعلى المتوفى المرور عبرهما والتغلب على عديد من الأخطار المتمثلة في الشياطين حراس الطريق. ويفصل بين الطريقين بحيرة حمراء من النار تمثل التجمع المائي البدائي الذي منه أشرق إله الشمس "رع" للمرة الأولى وخلق العالم، وفقاً لأسطورة الخلق في هرموبوليس/ الأشمونين. إنهما طريقا أوزير، يفضيان إلى "را – ستاو"؛ البرزخ الذي يبدأ عند قبر الإله "أوزير"، وينتهي بفردوس السماء.

هذه النصوص، التي تضمنها "كتاب الطريق"، هي تعاويذ، ومنها تلك التعويذة (بترجمة الصيفي): "لقد أتيت إلى هنا كأحد الأولين، كي أعلن عن قدوم إله الشمس (رع) إلى بوابات السماء. ستسعد الآلهة بلقائي، وسيغمرني عطر الإله، وهذا العدواني لن يهاجمني، ولن يستطيع حراس الغرف إبعادي. أنا صاحب الوجه المستتر في المقصورة الأولى".

وكان الأدب الجنائزي كما يقول الصيفي هو المصدر الأساسي الذي وصلتنا عبره تصورات المصري القديم عن العالم الآخر. ويقصد بالأدب الجنائزي، بحسب الصيفي، كل الإنتاج الأدبي الذي تمحور حول "تجربة الموت" وما يحدث في العالم الآخر، واشتمل على ترانيم ومدائح وصلوات وتعاويذ لمساعدة المتوفى على إكمال مسيرته. واشتمل أيضاً على رسائل إلى الأحياء (وصايا)، ورسائل إلى الموتى، وشكاوى، وسير ذاتية، ونظميات العديد والندب.

بين السماء والأرض

وفي "كتاب الطريقين" مجالان متنافسان في التعامل مع المتوفى، الأول مرتبط بالسماء، والآخر مرتبط بالأرض، ومع ذلك فهما غير منفصلين، بل يعتمد أحدهما – كما يقول الصيفي – على الآخر، لكن ظلت السماء هي مكان الإقامة المفضل للمتوفى مع تجنب الكائنات المرعبة والمناطق الخطرة، لكن مقارنة مع "متون الأهرام"، نلمس – بحسب الصيفي – تراجعاً طفيفاً في أهمية بعض الظواهر، مثل سماء الليل والقمر والنجوم التي كان على المتوفى الوصول إليها أو أن يأخذ هيئتها. وعلى الرغم من كون الإشارة الواضحة إلى أن "كتاب الطريقين" هو في النهاية وصف للطريقين المؤديين إلى السماء، فإننا يقول الصيفي – نلمح تذبذباً حول توطين العالم الآخر. ومع أن النص يهدف إلى جعله مكاناً سماوياً، فإنه يعود ويشير غليه كمكان تحت الأرض، وبدءاً من القسم السادس في "كتاب الطريقين"، نجد تصعيداً في التأكيد على الجانب السماوي للعالم الآخر، لكن يعود في القسم التاسع إلى التركيز على "أوزير".

وهذا – بحسب تحليل الصيفي – نتاج الأفكار بشأن إله الشمس "رع"، و"أوزير" له العالم السفلي، إذ يتموضع كل منهما في موقعه المناسب، ثم يتحدان. وهذه – يقول الصيفي – هي الإضافة المهمة لكتاب الطريقين، التي أصبحت الموضوع الأساسي لجميع كتب العالم السفلي لاحقاً.

ودون كتاب الطريقين على أرضية عدد من توابيت جبانة "دير البرشا"، أما الرسم المصاحب للنص فهو عبارة عن خريطة للطريقين، وهو ما يعد، كما يقول الصيفي، قفزة كبيرة في تطور النصوص الجنائزية، خصوصاً أن النص المؤسس (متون الأهرام) ظهر خالياً من أي رسومات. وانحصرت الرسومات في مقابر الدولة القديمة على مشاهد من الحياة والطبيعة.

ويخالف الصيفي ما ذهب إليه عالم المصريات "دي بوك" من أن كتاب الطريقين مقتطف من كامل زخارف التوابيت ونصوصها، ويرى أنه قائم بذاته وغير متصل بما سبقه من متون، ومن ثم تنبغي دراسته بشكل منفصل. ويشار إلى أن هذا الكتاب اكتشف خلال الحفريات التي جرت في جبانة البرشا في نهاية القرن التاسع عشر، وهو محفوظ حالياً في المتحف المصري في برلين، وفي عام 1903، نشر هانز شاك – شاكنبورغ النسخة الأولى من الكتاب، مقسماً إلى 16 فصلاً، وكانت الخريطة المصاحبة للنص في الفصل رقم 12، وتعرف على الحدود الزرقاء التي تحيط بأرضية التابوت باعتبارها المحيط الأزلي (نون)، وتعرف على النصوص باعتبارها تعاويذ تعين المتوفى في رحلته في العالم الآخر، وأنه يوجد طريقان، أحدهما مائي علوي، والآخر أرضي أسود، تفصل بينهما بحيرة النار، واقترح أن يسمى هذا النص "كتاب الطريقين". وفي عام 1926 أجرى "كيس" المعالجة العلمية الأولى لنصوص الكتاب، وتوصل إلى أن "حقول القرابين"، جنة المصريين الموعودة، هي الوجهة النهائية لكل من الطريقين، بغض النظر عما إذا كانت مقر إقامة إله الشمس أم "أوزير".

مقابر ديرالبرشا

بُنيت المقابر الصخرية في دير البرشا على المنحدرات الشمالية في وادي نخلة على الضفة الشرقية لنهر النيل، وتتكون في الغالب من حجرة أو حجرتين صخريتين، ويوضع التابوت في حفرة بالأرض، أما الباب الوهمي الذي يسمح – رمزياً – بالتجوال الحر لروح المتوفى (كا) في القبر لتقبل القرابين، فقد وضع في الجهة اليسرى للحجرة الخلفية، ومن ثم يقود إلى الغرب، وهي - يقول الصيفي - حيلة للتغلب على وجود المقبرة في شرق النيل، وليس في الغرب. ويضيف الصيفي، "وصلنا كتاب الطريقين (بعض من تعاويذ هذا الكتاب نسخت على عدد محدود من التوابيت من بني حسن في المنيا وكوم الحصن في الدلتا) من جبانة دير البرشا مدوناً على أرضية عدد من التوابيت. ويتميز بابتكار تكوين نصي مصور خاص للتصور الأول لطبوغرافيا العالم الآخر، وكان له أثر تاريخي في تطور الفكر الجنائزي عموماً، وفي التصورات الطبوغرافية التي ظهرت في ما بعد بكتب العالم السفلي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرى الصيفي أن صعود "كتاب الطريقين" ارتبط بصعود أمراء إقليم "الأرنب" وحكامه في هرموبوليس، ويمكن تأريخ النصوص بالنصف الأول من عصر الأسرة الثانية عشرة، بعدها فقد الأمراء سلطتهم لصالح الحكم المركزي، وبغيابهم عن مسرح الأحداث، توقف تدوين النص على التوابيت. وبما أن جميع نسخ "كتاب الطريقين"، جمعت من مصدر واحد، هو دير البرشا، نجد أننا – يقول الصيفي - مدفوعون إلى مزيد من البحث عن الأوضاع التاريخية التي عاشها أصحاب هذه التوابيت، ودور كهنة معبد تحوت هناك في صياغة تلك النصوص. ويمكن تأريخ زمن تدوين "كتاب الطريقين" بالنصف الأول من حكم الأسرة 12، وللقول إن النص تكون في فترة سابقة، يمكن افتراض أن الصيغة الأولى له كانت في العصر الانتقالي الأول. ووفقاً للتقاليد، كان حكم الملك ممكناً فقط من خلال قبول الآلهة له في العالم الآخر. ومن ثم كان مقصد "كتاب الطريقين" هو إضفاء الشرعية على حكم الأمراء في هرموبوليس/ الأشمونين، لأن "دمقرطة" المفاهيم الملكية السابقة عن العالم الآخر لا تعني فقط - بحسب الصيفي - تغييراً في المعتقد الديني، بل تعني ترتيباً هرمياً جديداً في سياق موازين القوى بالعصر الانتقالي الأول وبداية عصر المملكة الوسطى.

تصور خاص

وتشير دلائل إلى أن "كتاب الطريقين" قد كُتب في معبد "تحوت" بهرموبوليس، وربما كان أحد مؤلفيه هو الكاهن "تحوت حتب"، الذي كان يعمل كاتباً في الأرشيف الملكي في منف، وقد غير بشكل جذري - كما يؤكد الصيفي - المفاهيم التي كانت سائدة في الثقافة المصرية القديمة عن الحياة الآخرة من خلال العرض المصور لتضاريسها، وأفسح الأفق لمزيد من التصورات التي ظهرت في ما بعد في كتب العالم السفلي في عصر الدولة الحديثة.

طور كهنة معبد "تحوت" تصوراً خاصاً بمدينة الأشمونين عن نشأة الكون، يذهب إلى أنه في البدء لم يكن ثمة شيء، سوى هيولي خامد مظلم خرج من ثمانية أزواج (من ذكر وأنثى) من الآلهة البدائية يمثلون الحالة الكونية وتصور "الخالق الدنيوي" في هيئة ثعابين وضفادع (الذكور برؤوس ضفادع والإناث برؤوس أفاع)، إذ ساد الاعتقاد - وفقاً للصيفي - أن تلك الكائنات تخلق نفسها. وقد استوطنت هذه الكائنات ثقافياً المنطقة البدائية في الأشمونين، حيث خلق العالم، وحيث التل البدائي وجزيرة النار، بالإضافة إلى معبد تحوت. وقد عدت تلك الكائنات آباء لإله الشمس "رع" وأمهاته، وظلت ملتصقة باسم المدينة حتى اليوم.

في ما بعد وسّع كهنة الأشمونين تصورهم ليشمل الإله رع، الذي يرفع نفسه من طين المحيط الأزلي في هيئة طفل يجلس على زهرة لوتس. وفي تصور آخر: يخرج من المحيط الأزلي "نون" النتوء الطيني الأول ليقف عليه "الإله الخالق تحوت"، فتضع إوزة أسطورية بيضتها التي تخرج منها الشمس، ثم تصيح وتحلق عالياً لتبدأ دورتها الأبدية، بحسب ما ورد في تعليق الصيفي. وربما تأثر مفهوم المحيط "نون" بالأحداث التي واكبت سقوط الدولة القديمة والمرحلة الانتقالية باعتباره الخطر الذي يتهدد العالم، فدمجته هرموبوليس في أسطورتها الكونية. لذا فهو يحتل مكانة مركزية في طبوغرافيا العالم السفلي.  

المزيد من ثقافة