Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بريطانيا تحاول إنقاذ اقتصادها برفع الضرائب

قيادات المحافظين ليست راضية عن تخلي حكومة جونسون عن تعهداتها ومخاوف من عرقلة التعافي

تمكّن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون من الحصول على موافقة مجلس العموم (البرلمان البريطاني) الأربعاء على خطته لزيادة الضرائب من أجل تمويل الإنفاق على الرعاية الصحية.

وعقد رئيس الحكومة اجتماعاً مع نواب حزبه، حزب المحافظين الحاكم، قبل جلسة البرلمان، للحيلولة دون تمرّد النواب على خطة الحكومة لدى طرحها للتصويت.

وفي النهاية، لم يصوّت سوى 5 نواب فقط من المحافظين ضد الخطة، التي أقرّت بتصويت 319 نائباً لصالحها، و248 ضدها، وفشل حزب العمال المعارض في الحصول على موافقة البرلمان على تعديل يقضي بمراجعة وتقييم خطة رئيس الوزراء للرعاية الصحية.

وتضمّنت الخطة زيادة غير مسبوقة في الضرائب منذ نحو عقدين، إذ جعلتها في أعلى مستوياتها منذ نحو 70 عاماً، أي من بعد الحرب العالمية الثانية. واشتملت على صندوق للرعاية الاجتماعية بقيمة تقارب 50 مليار دولار (36 مليار جنيه استرليني) تُنفق على الابتكار والتكنولوجيا، كما ذكر رئيس الحكومة للنواب في النقاش السابق على التصويت.

وسيذهب القدر الأكبر من هذه الأموال لخدمة الصحة الوطنية (أن أتش أس) على مدى السنوات الثلاث المقبلة، وهي الفترة المتبقية للحكومة الحالية، وذلك بمعدل ما يصل إلى 14 مليار دولار (نحو 10 مليارات جنيه استرليني) سنوياً، وستحصل دور الرعاية، التي تؤوي المسنين على أكثر من 7 مليارات دولار (5.5 مليار جنيه).

 

تغريم الصغار لدعم الكبار الموسرين

هذا الإنفاق على دور الرعاية الاجتماعية والصحية اعتبره كثيرون دعماً لمن يملكون ليحافظوا على ثروتهم أكثر منه عدالة في استهداف المحتاجين فعلاً. فالتمويل الحكومي الإضافي سيعوّض تحديد سقف منخفض لما ينفقه كبار السن على بيوت الرعاية الصحية عند 111 ألف دولار (80 ألف جنيه).

ويعني ذلك أن الخزانة البريطانية ستتحمل الفارق، بينما لن يحتاج هؤلاء إلى استخدام كل مدخراتهم، بما فيها الأرباح على ما يملكون من عقار، للإنفاق على الرعاية الصحية.

وسيتم تمويل هذا الإنفاق من خلال زيادة الضرائب في شكل زيادة مستقطعات التأمينات الاجتماعية من العاملين وأصحاب الأعمال، وأيضاً إلغاء حماية معاشات التقاعد، وتبلغ الزيادة في مستحقات التأمين الاجتماعي التي تحصّلها الحكومة من العاملين وأرباب العمل 1.25 في المئة.

وبعد إقرار الخطة في البرلمان قد يبدأ تحصيل الزيادة الضريبية ربما من أبريل (نيسان) المقبل (بداية السنة المالية الحكومية الجديدة في بريطانيا). وتوفر تلك الزيادة ما يصل إلى أكثر من 15 مليار دولار (ما بين 10 و11 مليار جنيه) سنوياً للخزينة البريطانية.

أمّا التعليق المؤقت لحماية معاشات التقاعد (المعروفة بمصطلح القفل الثلاثي) الذي تضمن زيادة تلك المعاشات للمتقاعدين (من هم فوق سن 67 سنة) سنوياً بنسبة أكبر من نسبة التضخم. ويعني ذلك حرمان المتقاعدين من زيادة سنوية هذا العام بـ 8.8 في المئة.

وفي المقابل سيعلن وزير الخزانة ريشي سوناك أن الزيادة في معاشات التقاعد ستكون 2.5 في المئة فقط. وسيوفر ذلك أكثر من 5.5 مليار دولار (4 مليارات جنيه) سنوياً.

النكوص عن الوعود

على رغم تصويت غالبية نواب الحزب الحاكم على الخطة، إلا أن قيادات حزب المحافظين ليست راضية عن تخلي حكومة جونسون عن تعهداتها في بيانها الانتخابي نهاية عام 2019 بعدم زيادة الضرائب.

والمعروف تقليدياً أن المحافظين هم حزب خفض الضرائب والانفاق الحكومي، أما حزب العمال المعارض فمعروف بزيادتها ورفع الإنفاق الحكومي. ويوصف المحافظون تاريخيا بأنهم الحزب "صديق الأعمال والشركات".

لذا، صدرت الصحف التي تميل نحو اليمين الخميس بعناوين من قبيل "صدمة جديدة للنظام بفرض ضريبة على الوظائف" كما في "التايمز". وتضمنت الصحيفة مقالات تسير على الخط نفسه، منها مقال إيان مارتن بعنوان "لم يعد المحافظون حزب الأعمال".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أمّا "الديلي تلغراف" فحملت عنوان "زيادة الضرائب ستدمر جهود الأعمال للتوسع في الاستثمار وإنهاء أزمة الإنتاجية". وكتب ماثيو لين في الصحيفة مقالاً بعنوان "نسي المحافظون أن خفض الضرائب يمكن أن يوفر عائدات أكبر".

بينما كتب أليستر هيث "لن يغفر المحافظون الحقيقيون لبوريس جونسون تحويل الحزب إلى (العمال الأزرق)". ويقصد السخرية من أن حزب المحافظين وشعاره اللون الأزرق لم يعد يختلف عن حزب العمال المعارض (وشعاره اللون الأحمر) سوى في اللون، أما المبادئ والسياسات فلا تختلف كثيراً.

ولا يقتصر الانتقاد لزيادة الضرائب على المحافظين، بل بالطبع انتهزت المعارضة، تحديداً حزب العمال والنقابات العمالية، الفرصة لانتقاد الحكومة وحزبها. لكن، محاولة حزب العمال الدفع بمطالب زيادة الضريبة على الأثرياء بدلاً من العاملين والموظفين لم تلق نجاحاً.

يذكر أن استقطاعات التأمينات الاجتماعية تُخصم من العاملين والموظفين وأصحاب الأعمال والشركات، لكن من يأتي دخلهم من الاستثمار أو إيجارات العقارات أو ما شابه لا يدفعون مستحقات تأمينات اجتماعية.

وحين تسرّبت تفاصيل خطة الرعاية الصحية للحكومة مطلع الأسبوع، قال رئيس اتحاد نقابات العمال في بريطانيا فرانسيس أوغرادي: "لا يجوز النّيل من العاملين الشباب الأقل دخلاً بزيادة الضرائب عليهم بينما لا يُمس دخل الأثرياء".

وطالب أوغرادي الحكومة بزيادة الضريبة على أرباح رأس المال، وهي التي تُفرض على الأرباح من التعامل في السوق أو بيع أصول مثل العقارات.

كذلك قال متحدث اتحاد الصناعات البريطانية: "على رغم أن إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية ضروري ومهم وتأخر كثيراً فإن الشركات تطالب الحكومة بالبحث في كل خيارات التمويل البديلة قبل أن تفرض ما سيكون بمثابة ضريبة على الوظائف يمكن أن تضر بالتعافي الاقتصادي في بريطانيا".

مزيد من الضرائب

المشكلة ليست في هذه الزيادة التي أقرّت في البرلمان، إنما سيحتاج وزير الخزانة ريشي سوناك إلى تحصيل المزيد من الضرائب، لتعويض العجز الهائل في الموازنة. فبعد عشرات مليارات الدولارات التي أنفقتها الحكومة لدعم الاقتصاد في عام كورونا، لا بد من زيادة موارد وعائدات الخزينة.

ومع خشية أن تؤدي الزيادة الأخيرة في مستقطعات التأمينات الاجتماعية إلى عرقلة التعافي الاقتصادي من أزمة كورونا فلن يكون النمو الاقتصادي كافياً لسد فجوة العجز على مدى السنوات المقبلة. بالتالي سيكون على ريشي سوناك تحصيل المزيد من الضرائب ليوفر ما يصل إلى 15 مليار دولار (أكثر من 10 مليارات جنيه) سنوياً لخفض العجز.

وإذا كان الانفاق الحكومي على الاستثمار يمكن تمويله بالاقتراض، فإن الاقتراض يزيد نسبة العجز في ميزانية الحكومة، بالتالي لا يجوز سد العجز بالاقتراض أكثر. بخاصة أن نسبة الدين العام في بريطانيا أصبحت عند نحو 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

ولم تعد المعضلة الآن تخلي حزب المحافظين عن مبادئه في عدم زيادة الضرائب، بل في كيف سيحصّل وزير الخزانة مزيداً من الضرائب من دون الاضرار بفرص النمو الاقتصادي؟

وتعد بريطانيا من الأعلى ضريبياً بين الاقتصادات المتقدمة، ومع أن الضريبة على الشركات والأعمال ليست عالية تماماً كما في اقتصادات أخرى، إلا أن بقية أشكال الضرائب مرتفعة جداً.

وعلى سبيل المثال، سعر ليتر البنزين الذي يدفعه المواطن البريطاني في محطة الوقود تشكل الضرائب والرسوم الحكومية نحو 70 في المئة منها، وهي من أعلى النسب في العالم.

وقد يكون وزير الصحة الجديد ساجد جاويد قد حصل على ما أراد لقطاعه، على رغم معارضة 3 من وزراء الحكومة لخطة الرعاية الصحية خلال مناقشتها داخل مجلس الوزراء في الأيام الماضية.

لكن، زميله ريشي سوناك وزير الخزانة لم ينته بعد من مشكلاته، ولا يعرف ماذا سيكون موقف بوريس جونسون في الأيام والأسابيع المقبلة بشأن أي خطط لمزيد من الضرائب قبل إعلان الميزانية الجديدة وتقديمها للبرلمان.