Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"نهج الدباغين" في تونس... يروي سيرة الأمكنة والناس

أشهر سوق شعبية لبيع الكتب القديمة والمجلات والمطبوعات النادرة

مجموعة من الأسطوانات القديمة في نهج الدباغين (اندبندنت عربية)

في مكان غير بعيد عن سور المدينة العتيقة في الأحياء المجاورة لباب البحر أكبر أبواب تونس العاصمة، يتربع نهج الدباغين في شارع فرعي بالقرب من ساحة العملة، بُني مع بداية القرن الماضي في الأحياء التي سكنها الأوروبيون لتكون أول امتداد للمدينة خارج سورها التاريخي.

حكاية نهج الدباغين 

تحولت الأبنية التي كانت في بداية القرن الماضي من الأحياء الراقية للعاصمة ومحال تبيع أفخر الملابس وأدوات الزينة النسائية، بفعل الزمن والإهمال، إلى عمارات فيها ورشات ومكاتب شركات صغيرة ومحال تبيع أقمشة وبضائع رخيصة ومكتبات تتجمع فيها الكتب والمجلات القديمة، وفي وسط الشارع يقف باعة الأسطوانات الموسيقية القديمة التي لم يعد يمتلك أجهزة تشغيلها سوى قلة من العاشقين هذا الموروث الموسيقي، الذي تلاشى مع ظهور أجهزة التسجيل الحديثة نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات قبل أن تظهر الأجهزة الأكثر تطوراً، التي صارت اليوم في متناول الجميع سواء عبر أجهزة الهواتف النقالة أو الكمبيوتر.

كنوز الكتب ورحلة التيجاني 

وسط مكتبة تراكمت فيها آلاف الكتب القديمة تقف السيدة درصاف العيادي سعيدة بأنها وجدت ضالتها في البحث عن مخطوط "رحلة التيجاني"، الذي وصفته بأنه من النسخ النادرة لأدب الرحلة، والذي ينقل جزءاً من تاريخ ومشاهدات حضارية في بداية القرن الثامن الهجري، نقلها الرحالة عبد الله التيجاني، حين تحدث عن رحلته من تونس إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج فيها ووصف البلاد الأفريقية والتعريف بعمرانها وعادات سكانها وطباعهم.

وتضيف السيدة العيادي أن هذه المكتبات تحتضن الكثير من الكنوز النفيسة لكتب فقدت بسبب القدم وطبعات نادرة تعود لعشرات السنين.

 

تاريخ يقاوم النسيان

وسط أكوام كتب تفتقد للتنظيم والترتيب، إذ تختلط العناوين بين التاريخ والثقافة والدين وتتداخل اللغة بين العربية والفرنسية، يقف السيد الطاهر الرزقي في المكتبة منذ 32 عاماً في المكان نفسه يبيع ويشتري الكتب القديمة والمخطوطات، ويتعامل معها باعتبارها جزءاً من حياته التي قضاها في هذا الشارع، وبنبرة لا تخلو من الحزن يقول صاحب المكتبة الكبرى في نهج الدباغين لـ"اندبندنت عربية" إنه يخشى أن تنقرض المهنة لأن الشباب لم يعد يهتم بالكتاب أمام وسائل التواصل الحديثة، وعلاقته بالكتاب المطبوع تتلاشى، مضيفاً "أتمنى أن لا تختفي من نهج الدباغين هذه المكتبات والبسطات التي تزين الشارع، وتمنح من يبحث عن بعض المجلات والكتب القديمة فرصة ليجد ما يطمح له، حيث يستحيل أن يجدها في أي مكان آخر".

ويضيف السيد الرزقي "في هذه المكتبة مرت شخصيات ثقافية كبيرة، أدباء وشعراء كانت بالنسبة إليهم أحد منابع المعرفة والبحث عن الكثير من النصوص الأدبية والشعرية، ففيها مئات المجلات الأدبية التي تعود للستينيات وما بعدها من القرن الماضي"، وأشار بيده إلى مكان وقوف شعراء وأدباء سجلوا أسماءهم في تاريخ تونس مثل جعفر ماجد، والميداني بن صالح، وسفيان بن فرحات، وعمر الغدامسي وغيرهم كثر، كانت هذه المكتبة والمحال التي بجوارها مصدر إلهامهم واكتشافهم الكثير من النصوص الأدبية المهمة التي كتبت في لبنان والعراق ومصر.

ملجأ المثقف الفقير 

الفرق في ثمن الكتب والمجلات في المكتبات الكبرى ومكتبات وبسطات نهج الدباغين كان المنقذ لشباب الجامعة والحالمين بالزاد الثقافي، العاجزين بسبب الفقر عن شراء الطبعات الفاخرة، بهذه العبارة وصف الكاتب مصطفى الشارني حكايته مع سوق الكتاب منذ أن التحق بالجامعة في تونس العاصمة بداية السبعينيات من القرن الماضي قادماً من مدينة الكاف شمال غرب تونس.

 

ويصف الشارني حكايات الطلبة بالمثيرة للذكريات الجميلة عندما لا يجدون ثمن الكتاب "تبدأ رحلة بين المساومة على السعر والرجاء من صاحب المكتبة، والسعادة التي يصعب وصفها عند العودة للمبيت الجامعي والتفاخر أمام الأصدقاء بالصيد الثمين، لتبدأ بعدها شروط إعارة الكتاب للزملاء، إذ كان تبادل الكتب من العادات الجميلة التي نتقاسمها زمن الدراسة".

من جهته يصف الطاهر الرزقي من يسميهم بـ"ضيوفه الباحثين عن الكتب" أن "الكثير منهم الذين لمعت أسماؤهم فيما بعد في ميدان الأدب والشعر والرواية كانوا إما طلبة جاؤوا من مناطق بعيدة لاستكمال الدراسة في تونس، أو من المعلمين والأساتذة الشباب الحالمين بذكر أسمائهم في سجل رواد الأدب التونسي".

الموسيقى المجهولة

أمام إحدى بسطات الأسطوانات القديمة التي تعمل بجهاز "الفونوغراف" يقف شاب يدرس في أحد المعاهد الثانوية ينظر بدهشة لصور الفنانين على أغلفة الأسطوانات ويقول كل هؤلاء لا نعرفهم ولم نسمع بأسمائهم وربما أغانيهم، ويضيف هادي السالمي التلميذ في أحد المعاهد الثانوية "أن تجد أمامك ما يعيدك ربما لما قبل زواج والديك أو حتى لطفولتهم شيء مثير ويخلق رغبة في اكتشاف كيف كانت الموسيقى قبل ما نعيشه من تغيير يومي في علاقتنا بالفن".

ويقول السالمي "أنا من محبي موسيقى الراب الأكثر شهرة بين الشباب في تونس ونحب أن نسمع أغنيات (كافون وبلطي وكلاي بي بي جي) وغيرها، لأنها تعبر عن شباب اليوم" مختتماً "هكذا هي الدنيا... كل جيل يعيش وقته".

المزيد من تقارير