Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهجرة تهدد مهنا عائلية متوارثة في حلب

ترميم سوق خان الحرير لن يكون كافياً لعودة المستثمرين المحليين إلى سوريا

على الرغم من الانتهاء من ترميم سوق خان الحرير، أحد أبرز أسواق مدينة حلب في شمال سوريا، بعدما تضرر خلال سنوات الحرب، إلا أن فرحة التجار لم تكتمل في ظل نشاط اقتصادي خجول ومع هجرة أبنائهم الذين أسسوا أعمالاً في دول أخرى.

يرسل تاجر الأقمشة أحمد الشب عبر هاتفه الخلوي صوراً للسوق المرممة حديثاً إلى ابنه البكر نبهان، الذي غادر إلى الجزائر قبل نحو ثلاث سنوات، واستثمر هناك مع شقيقيه في تجارة القماش.

ويقول أحمد (55 سنة) لوكالة الصحافة الفرنسية جالساً أمام محله "انتهينا من عمليات الترميم وهذا أمر جيد، لكن ذلك لا يكفي، ما نريده هو عودة أبنائنا إلى هذه المحال".

وسوق خان الحرير واحدة من بين 37 سوقاً محيطة بقلعة حلب الأثرية، استقطبت قبل اندلاع النزاع عام 2011 آلاف التجار والسياح، وكانت بمثابة العاصمة الاقتصادية لسوريا.

وعلى الرغم من مضي أكثر من خمس سنوات على انتهاء المعارك بين فصائل المعارضة التي تمركزت في أحياء المدينة الشرقية منذ صيف 2012 والقوات الحكومية في الأحياء الغربية، لا يزال دمار هائل يلف المدينة القديمة وأسواقها.

وانتهت المعارك، التي ترافقت مع حصار محكم فرضته القوات الحكومية، في عام 2016، باتفاق تسوية رعته روسيا، وتضمن إجلاء عشرات الآلاف من المدنيين والمقاتلين الرافضين له بعد هجوم عسكري واسع.

وأعيد مساء الأحد الماضي افتتاح سوق خان الحرير والمحلات فيها، بعد إغلاقها لسنوات، إثر ترميمها من الأمانة السورية للتنمية المدعومة من السلطات، بالتعاون مع مؤسسة آغا خان الثقافية ومحافظة حلب.

وعلى الرغم من فرحة أحمد بـ"عودة الحياة إلى السوق" جزئياً، إلا أنه في الوقت ذاته لا يخفي شعوره بالمرارة والوحدة.

ويقول بحرقة، بينما تتصدر صورة والده الذي ورث المصلحة عنه أحد جدران متجره، "أولادي في الجزائر، وأولاد غيري في مصر وأربيل... هناك مهن كثيرة مهددة بعدم الاستمرار إذا واصل الأبناء الهجرة والسفر".

ودفع القتال خلال المعارك في حلب، والظروف الاقتصادية والأمنية في السنوات اللاحقة، مئات التجار المتمولين ورجال الأعمال للهجرة وتأسيس أعمال ومصانع، خصوصاً في مصر والعراق وتركيا.

وعلى الرغم من عودة البعض مع تراجع المعارك، فإن معظمهم يواصلون أعمالهم في البلدان التي هاجروا إليها، ما يهدد استمرار مصالح تجارية وحرف، ويضاعف صعوبات عودة عجلة الحياة إلى الأسواق.

محيط القلعة الأثرية

في حلب القديمة وفي محيط القلعة الأثرية، أعادت عشرات المحلات والمقاهي فتح أبوابها، وعاد الناس لارتيادها والتقاط الصور التذكارية.

ومع إزالة كميات ضخمة من الأنقاض، لا تزال الأبنية المدمرة التي تتكدس طبقاتها المنهارة فوق بعضها بعضاً، تُشكل العلامة الفارقة في حلب القديمة المدرجة على قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم "يونيسكو" للتراث المهدد بالخطر، جراء الأضرار والدمار والنيران التي لحقت بها خلال الحرب.

لكن المشهد بدا مختلفاً في سوق خان الحرير التي رممت قناطرها، وفتحت خاناتها وجلس أمام أبواب محلاتها باعة يعرضون كميات محدودة من البضاعة.

تحت قنطرة رصعت بأحجار بيضاء وسوداء وسط السوق، يُلقي أحمد الدملخي (65 سنة) السلام على جيرانه الذين لم يلتق بعضهم منذ سنوات، فيما انهمك عماله في نقل كمية إضافية من القماش الملون إلى المحل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يدير الدملخي المحل نيابة عن شقيقه الذي هاجر مع أبنائه قبل سنوات إلى تركيا. ويقول "متفائل بعودة افتتاح السوق... لكننا نفتقد للتجار من أصحاب رؤوس المال الذين توزعوا في بلدان عربية وأسسوا أعمالهم هناك".

حاول الدملخي أن ينقل أجواء الافتتاح إلى شقيقه عبر مكالمة فيديو أجراها من داخل المحل وفي الباحة المجاورة، لكنه يسهب في تعداد أسباب تحول دون عودة التجار. ويقول "كنا نعتمد على السياح وعلى القادمين من الأرياف والمحافظات الأخرى" إلا أن "الوضع الاقتصادي الآن صعب للغاية".

ويُضيف "العقوبات من ناحية ثانية تفرض عراقيل تتعلق بالاستيراد والتصدير وحركة التجارة... وطالما أن هذه الظروف لم تتغير، فمن الصعب أن يعود أخي وأبناؤه".

ودفعت الحرب التي أودت بحياة نحو نصف مليون شخص، أكثر من نصف سكان سوريا إلى النزوح داخل سوريا أو التشرد خارجها. واستنزفت الاقتصاد ومقدراته ودمرت البنى التحتية والمرافق الخدمية. وتشهد البلاد راهناً أزمة اقتصادية خانقة تفاقمها العقوبات الغربية. ويعيش أكثر من 80 في المئة من السكان تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة.

أسواق حلب

لطالما اشتهرت حلب بأسواقها التجارية القديمة التي تعد من أقدم الأسواق في العالم، وتمتد على مساحة تفوق 160 ألف متر مربع تقريباً، وقد استقطبت على مدار قرون حرفيين وتجاراً من أنحاء العالم.

وتقدر منظمة "يونيسكو" أن نحو 60 في المئة من المدينة القديمة تضرر بشدة، بينما تدمر 30 في المئة منها بشكل كامل.

وتشهد حلب القديمة مشاريع إعادة تأهيل الأسواق منذ نحو عامين. وتعمل السلطات مع منظمات غير حكومية على تأهيل البنى التحتية وإعادة الخدمات تدريجاً.

واستغرقت عملية ترميم سوق خان الحرير، الذي يضم 60 محلاً، قرابة عام، وتجري الاستعدادات حالياً لبدء ترميم سوقين أخريين.

ويقول مدير فرع حلب في الأمانة السورية للتنمية جان مغامز "كانت المنطقة كومة من الدمار، واليوم نستطيع القول إن البنية التحتية للسوق أعيد تأهيلها بشكل كامل".

لكن ذلك لم يمر دون تحديات، وفق مغامز، إذ "واجهنا صعوبات في التواصل مع أصحاب المحلات المسافرين خارج سوريا، خصوصاً أنه ليس لدى بعضهم وكيل يهتم بشؤون محالهم". ويؤكد "لا نستطيع العمل وحدنا، ونحن بحاجة إلى تعاون الجميع".