Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سجاد الحرب... حكايات الناس والتاريخ في أفغانستان

وثقت أنامل النساجين أحداثاً مفصلية في البلاد حملت قيماً إنسانية وفنية

سيصبح السجاد وثيقة صادقة بعيون الأفغان الرافضين الحرب (silver tongue)

تمثل تجربة السجاد اليدوي الأفغاني واحدة من أهم نماذج التأثير الذي تحدثه الظروف السياسية في الطابع العام للفنون والحرف التراثية في مكان وزمان معينين، من خلال إضافة رؤية بصرية جديدة، وبعد مغاير للمألوف في فن أو حرفة معينة، فصانع السجاد الأفغاني الذي تحيطه الحرب بكل ما تحمله من متغيرات في مجتمعه من غير المنطقي أن يستمر في نسج وحدات من الزهور والنباتات والأشكال الزخرفية، ولا بد أنه سيتأثر بمفردات جديدة حملتها أجواء المعارك المشتعلة على مدى سنوات.

وعانت أفغانستان ويلات الحرب منذ احتلال الاتحاد السوفياتي أفغانستان عام 1979، مروراً بالغزو الأميركي الذي استمر 20 عاماً في العملية العسكرية الشهيرة في أعقاب أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول)، التي نتج منها إطاحة "طالبان" وحكومة الملا عمر، واستمرت 20 عاماً.

تطور الأسلحة

ومع غزو السوفيات شاهد الأفغان أسلحة وقطعاً حربية وأزياء عسكرية غير مألوفة، تطورت بعدها مع مطلع الألفية الثالثة بالتزامن مع الغزو الأميركي بآلياته العسكرية وقواته التي انتشرت في طول البلاد وعرضها، فكان حتماً أن يتأثر الفنانون والحرفيون بهذه المفردات التي حلت في حياتهم إجباراً لا اختياراً، ويعبروا عنها بأناملهم في صناعاتهم التقليدية، مثل السجاد اليدوي الذي عرف واشتهر لاحقاً بـ"سجاد الحرب".

 

فمن قطع نسجت بمحض الصدفة لمشاهد عايشها صناع السجاد الأفغان إلى فن أصبح قائماً بالفعل تحت اسم فن الحرب، ليصبح ليس فقط منسوجات تقليدية تمثل حرفة تراثية لأفغانستان، إنما ما يشبه الكتالوج لأنماط الأسلحة المعاصرة، فمع بداية ظهوره بالتزامن مع غزو السوفيات، ظهرت على المنسوجات بنادق الكلاشينكوف والمروحيات الروسية، ومع الغزو الأميركي حملت قطع السجاد أشكالاً لدبابات أميركية وطائرات (F16)، وصولاً خلال السنوات الأخيرة إلى الطائرات من دون طيار، وصورت بعض قطع السجاد أحداث 11 سبتمبر وتفجيرات برجي مركز التجارة العالمي.

فن الحرب

وعن سجاد الحرب الأفغاني يقول الفنان والمنتج السينمائي، حسام علوان، أحد أهم جامعي القطع التراثية في مصر لـ"اندبندنت عربية"، "فن الحرب بشكل عام فكرة قديمة جداً موجودة في العالم كله، ففي المعابد المصرية القديمة وجدت نقوش تصوّر حروب المصريين المختلفة، مثل العجلة الحربية لأحمس في الحرب ضد الهكسوس وغيرها كثير، فالفنون المستوحاة من الحروب والمرتبطة بها ليست بالشيء الجديد، ومن ضمنها حالياً ما يطلق عليه سجادات الحرب الأفغانية التي بدأت في الظهور منذ نهاية السبعينيات تقريباً مع اشتداد الحرب مع الاتحاد السوفياتي، أي أن التجربة ليست وليدة واستمرت وتطورت لما يقرب من 40 عاماً".

 

ويضيف، "أهل أفغانستان يعملون في حرف متعددة، فجأة تبدلت حياتهم وأصبحت رؤية الطائرات والدبابات والقطع الحربية والعسكريين بأزياء وأنماط غريبة مشهداً يومياً بالنسبة إليهم على مدى سنوات، وفي بلد تعتبر صناعة السجاد فيه حرفة رئيسة كان من الصعب أن يتجاهل النساجون هذه المفردات الجديدة التي دخلت حياتهم".

قبائل البلوش

يعرف قطاع كبير من السجاد الأفغاني بالسجاد البلوشي، فماذا يميزه؟ يجيب علوان، "هو نوع شهير تميزه عقدة معينة في نسيجه، وهو يُنسب إلى قبائل البلوش التي تمتد في هذه المنطقة ليس فقط في أفغانستان وإنما في إيران وباكستان وعُمان، والسجاد البلوشي عامة بدوي قبائلي، فالبلوش بالأساس قبائل بدو رحل يتنقلون من مكان إلى آخر، ويمتهنون صناعة السجاد كأحد مصادر الدخل، وأغلب العاملين في نسج السجاد عادة من النساء والأطفال، لأن النساء يكن أكثر كفاءة في الحرف المتعلقة بالنسيج والحياكة وما يتعلق بهما، ليس في أفغانستان فقط وإنما في العالم كله".

ويضيف "أغلب السجاد البلوشي في الأساس هو سجاد صلاة تزينه رسوم محراب، وهو موجود قبل ظهور سجادات الحرب والاهتمام بها، لأنه تعبير عن الثقافة المحلية لصانعيه، وأحد الفنون التراثية الأفغانية الشهيرة".

توثيق لحقبة تاريخية

من قطع فنية محدودة نسجتها أنامل صانعي السجاد الأفغان إلى فن أصبح قائماً بالفعل، فكيف تطور الأمر وكيف حظيت هذه القطع من السجاد بهذه الشهرة؟ يقول علوان، "في البداية لم يكن لهذا السجاد أهمية كبرى على الجانب التجاري، فمن غير المألوف أن يسعى شخص في أي مكان في العالم لشراء سجادة تحمل رسوم دبابات وطائرات عسكرية ليزين بها منزله، لكن مع مرور السنوات وتوالي الأحداث تطور الأمر وأصبح ينظر إليه نظرة أخرى ترتكز على القيمة الإنسانية إلى جانب الفنية والتاريخية".

 

ويوضح، "هذه القطع تعكس إحساس صانعيها بالحرب ورؤيتهم المشهد القائم في بلادهم، فالنساجون البسطاء يصورون ما يشاهدونه بأعينهم من أشكال البنادق والدبابات والطائرات الحربية، وحتى من يتابع تطور الرسوم في هذه السجادات سيجد تطوراً في نمط الأسلحة التي يجري تصويرها، فتختلف في الثمانينيات عن التسعينيات عن حقبة الغزو الأميركي، كما عبّر صناع السجاد عن رفض الأفغان الحرب من خلال عبارات مباشرة يجري غزلها أحياناً على السجادة بلغات متعددة".

ويضيف، "هذا السجاد سيكون مع مرور الزمن ليس فقط قطعاً فنية لحرفة تراثية امتهنها أهل أفغانستان، لكنه سيصبح وثيقة صادقة لهذه الفترة بعيون الأفغان الرافضين الحرب الذين اتخذوا حرفتهم وسيلة للتعبير عن ذلك، وسيسعى جامعو التحف والقطع الفريدة إلى اقتنائها، وستلقى الاهتمام من قبل الفنانين والمهتمين بالفنون والتاريخ، كما يمكن أن تعرضها المتاحف كنماذج لفنون الحرب باعتبارها قطعاً أصيلة توثق لواقع مجموعة من بسطاء الناس في ظل ظروف الحرب الصعبة".

تجارة سجاد الحرب

من فن حديث نشأ بفعل ظرف سياسي عايشه الأفغان إلى قطع فنية انتشرت حول العالم بفعل تميزها واهتمام الناس بها وبحكايات صانعيها، فنشأت متاجر في بلدان مختلفة حول العالم تبيع سجاد الحرب الأفغاني، ومن بين المهتمين أيرون مورفي النيوزيلندي الذي افتتح متجراً في إنجلترا متخصصاً في بيع سجاد الحرب الأفغاني، وخصص خمسة في المئة من عائد بيعها لمنظمة العفو الدولية إيماناً بأن العمل الجيد سيستمر طالما ندعمه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول مورفي في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "تعرفت إلى هذا النوع من السجاد مصادفة وأغرمت به، وتوقعت أن يكون هناك إقبال عليه، هو رائع وفريد من نوعه، وعلى الرغم من أنه حرفة تقليدية فإنه يسرد قصصاً عن الحرب بشكل معاصر لم نشاهده من قبل، وأهم ما يميزه هو أن كل سجادة تحكي قصة عاشها صانعها بالفعل، وأيضاً ما يميز هذا النوع من السجاد هو أنه عندما يقتنيه الناس في منازلهم سيمثل بداية محادثة مثيرة للاهتمام مع كل من يراه، لتجعل الناس يفكرون ويتحدثون عن وضع هؤلاء الناس في أفغانستان".

ويتابع، "تزايد الطلب على سجاد الحرب الأفغاني بإدراك الناس أخيراً أهميته، فأصبح موضع تقدير من الفنانين والمبدعين وحتى عوام الناس، والطلب عليه لا يقتصر على دولة معينة، فهناك من يطلبه من أميركا وإنجلترا ودول أوروبا عموماً، إضافة إلى أستراليا واليابان والمكسيك ونيوزيلندا، فالطلب عليه أصبح عالمياً وغير مقتصر على دولة معينة".

رحلة السجاد من أفغانستان إلى العالم

وعن رحلة السجادة من أفغانستان إلى بريطانيا وكم يصل سعرها، يقول مورفي "يصنع السجاد بواسطة نساجين أفغان داخل بلادهم، ونحصل عليه من طريق تجار من باكستان يصدرونه إلى الخارج، ونأمل في الفترة القادمة بأن لا يصبح الأمر صعباً بسبب الأحداث الأخيرة التي قد ينتج منها تضييق على الطرق أو حركة المنتجات والتجارة. هذا السجاد يمثل مصدر رزق أساساً لهؤلاء النساجين، وزاد الطلب على شرائه أخيراً، فالأحداث الأخيرة وانتشار الأخبار في الإعلام سلطا الضوء على أفغانستان وتاريخها ووضع الناس وحياتهم هناك".

 

ويضيف، "أما السعر فيعتمد على التصميم واللون ومدى ندرة أو توافر القطعة وقيمتها، لكن في المعتاد السجادة الكبيرة التي يصل حجمها إلى 2*5.1 متر يتراوح سعرها بين 350 و480 دولاراً أميركياً، لكن الشائع هو الحجم الصغير بـ105 دولارات للمتر المربع، وأخيراً ظهرت السجادات التي تحمل تصميمات الدرون ويصل سعر الواحدة منها إلى نحو 185 دولاراً للقياس 65*90، وهو الشائع في مثل هذا النوع من السجاد".

صناعة السجاد

تعود صناعة السجاد في أفغانستان لما يزيد على 2000 عام، وتحمل طابعاً مميزاً جعلها تحافظ على مكانتها طوال هذه السنوات، وقدرت إحصاءات عدد العاملين فيها بمليون شخص بخلاف من يعملون في الصناعات المرتبطة بها، فهو من أهم الحرف التي يعتمد عليها قطاع كبير من الأفغان مصدراً للدخل على مر الزمان، منذ أن كان التجار يحصلون على قطع السجاد الأفغاني في رحلات طريق الحرير الذي كان يمر بأفغانستان وباكستان ليتم بيعها في الجانب الآخر من العالم، وحتى يومنا هذا مع كل ما مر بالبلاد فإن السجاد اليدوي لا يزال صامداً ويحمل الأهمية نفسها.

ويشكل السجاد الأفغاني واحداً من الصادرات الرئيسة للبلاد، إلا أن الأمر أخذ في التناقص خلال السنوات الأخيرة بصورة كبيرة، فطبقاً لتقرير صادر عن وكالة "رويترز" فإن نسبة الصادرات من السجاد انكمشت من 27 في المئة إلى ستة في المئة خلال أقل من عقد نتيجة للحرب وقيود النقل التي عانتها أفغانستان كونها دولة حبيسة لا تطل على أي بحار، خصوصاً مع اشتداد القيود التي فرضتها باكستان التي تعد المعبر الرئيس لتجارة ونقل السجاد الأفغاني إلى العالم، فطبقاً للإدارة المركزية للإحصاء في أفغانستان فإن السجاد كان يحتل المركز الرابع في قائمة صادرات البلاد بعائدات بلغت 38 مليون دولار خلال السنة المالية 2016-2017، وكان أكثر من 85 في المئة من هذه الصادرات من نصيب باكستان.