Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"لا حقيقة عند بوابة راشومون" مسرحية مصرية بنكهة يابانية 

المخرج خالد جلال إقتبس قصة أكوتاغاوا بحرية ليجعلها مزدوجة الهوية

مشهد من المسرحية المصرية المقتبسة من نص ياباني (اندنبدنت عربية)

إذا كان المخرج الياباني الأشهر أكيرا كوروساوا، قد لفت أنظار العالم إلى السينما اليابانية بعد أن قدم فيلمه "راشومون" عام 1950، فقد لفت أيضاً أنظار المسرحيين إلى هذه المجموعة القصصية، التي كتبها مواطنه الروائي والشاعر ريونسكي أكوتاغاوا، واستعان كوروساوا بقصتين منها في صياغة فيلمه.

معالجات مسرحية كثيرة جرت في عدة دول عربية لقصة "في غابة" إحدى قصص مجموعة "راشومون"، وهي قصة بسيطة ومركبة في آن، ما أتاح تقديمها في أكثر من صورة وبأكثر من رؤية، نابعة من النص نفسه، ركز أغلبها على فكرة نسبية الحقيقة، واهتم قليل منها بفكرة أن المرأة هي مفتاح كل شيء، وأن من لديه القدرة على مخاطبة أحاسيسها يصبح بإمكانه امتلاكها، حتى لو كان مجرماً وقاتلاً.

هذا النص قدمه خريجو استديو الممثل في مركز الإبداع المصري، الذي يشرف عليه المخرج خالد جلال، المعروف بتقديمه عشرات الوجوه التي تحتل الآن مكانة بارزة سواء في المسرح أو السينما أو التلفزيون.

ثلاثة في الغابة

نص العرض، الذي جاء تحت عنوان "لا حقيقة عند بوابة راشومون" دراماتورجيا وإخراج كريم شهدي، استغنى عن بعض الشخصيات في النص الأصلي "في غابة"، أو استبدل بها شخصيات أخرى. استغنى مثلاً عن شخصية المحقق الذي باشر في قضية مقتل الساموراي بواسطة قاطع طريق، واستبدل به صحافية تعد موضوعاً عن الجريمة. واستغنى عن شخصية الكاهن البوذي، وشخصية والد الزوجة، ورجل الشرطة، كما استبعد كثيراً من التفاصيل، واستبقى فقط ما يعينه على تجسيد رؤيته.

قام المخرج الدارماتورج بتفكيك القصة وإعادة تركيبها وفق سياق يناسب المسرح، مجسداً الاعترافات السردية التي أدلت بها شخصيات النص في سياق حواري مشحون بالإثارة والتوتر.

وفي انتظارالصحافية للقطار في المحطة، ولم تكن هناك قطارات في الزمن الذي يتعرض له النص، وهي إضافة من المخرج، تلتقي بحطاب فقير وتقص عليه ما شهدته في جلسة المحاكمة. بدت الصحافية هنا بمثابة الراوي للأحداث، وعند كل حكاية يبدأ تجسيد المشهد من خلال أبطاله الثلاثة، تاجومارو قاطع الطريق، الزوجة، الساموراي زوجها.

كانت البلاد، وقت وقوع الأحداث، في حالة انهيار سياسي واقتصادي، ما أدى إلى انفلات شديد، وحوادث قتل ونهب لا تتوقف. وكانت الغابة التي على أطراف مدينة راشومون مثالاً واضحاً على هذا الانفلات، فهي مرتع للصوص وقطاع الطرق، وكانت جثث الضحايا ملقاة في كل جوانبها.

يدخل الساموراي وزوجته إلى هذه الغابة التي على أطراف المدينة، يلتقي قاطع طريق يدعى تاجومارو، يعجب هذا اللص بزوجة الساموراي، ويوهمه بوجود كنز في الغابة. يتعرض الساموراي للقتل، وتبرز عدة روايات عن مرتكب الجريمة، كل واحد من الثلاثة، قاطع الطريق والزوجة وزوجها، يروي الواقعة من وجهة نظره. وإذا كانت القصة الأصلية قد استعانت بعرافة لاستدعاء روح الساموراي ليروي ما حدث من وجهة نظره، فإن الصحافية في العرض المسرحي، هي من يقوم باستدعائه حينما تخاطب الحطاب قائلة: "ولكن ماذا لو عاد الساموراي وذكر ما حدث؟ دعنا نتخيل"، وهنا يبدأ تجسيد المشهد من وجهة نظر القتيل.

يتهم قاطع الطريق الزوجة بأنها حرضته على قتل زوجها بعد أن راق لها هذا المجرم، ويتهم الزوج الزوجة وقاطع الطريق بقتله، وتتهم الزوجة زوجها بأنه تقاعس عن الأخذ بشرفها، وأن قاطع الطريق هو من ارتكب الجريمة بعد أن طمع فيها وأوهم زوجها بوجود كنز في الغابة. لكن المشاهدين يفاجأون في النهاية بالحطاب يعترف للصحافية بأنه القاتل، فقد وجد الساموراي في النزع الأخير فأنهى عليه ليحصل على السيوف التي خلفتها المعركة ليبيعها ويدبر مأكلاً لأولاده السبعة. ثم يقوم بقتل الصحافية نفسها ليحصل على متعلقاتها الشخصية من ناحية، ويبعد عن نفسه شبهة القتل من ناحية أخرى.

عنوان يقيني

هكذا تتداخل الأمور، وتتعدد وجهات النظر والروايات، كل يروي ما يظنه الحقيقة من وجهة نظره، لنصل في النهاية إلى أن لا حقيقة عند بوابة راشومون.

هذا الأمر يجعلنا نعيد النظر في عنوان العرض "لا حقيقة عند بوابة راشومون"، فهو هنا اختزل كل شيء، وصادر رأي المشاهد، ولخص أو أكد رؤية العرض المتعلقة بنسبية الحقيقة. ربما كان من الأوفق البحث عن عنوان آخر، يشكل جزءاً في بنية النص ولكن لا يلخصها. العنوان هنا يقيني في عرض لا يقيني أصلاً، من شأنه إغلاق أفق التلقي، وصرف المشاهد عن دلالات أخرى ربما يطرحها العرض.

على أية حال ربما تكون هذه هي الملحوظة السلبية الوحيدة في العرض، مع اعتبار أن النقد ليس من شأنه تقديم مقترحات، وأن عليه تحليل ما هو كائن، فلا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة.

عنصر التمثيل

العرض توافرت له عناصر جيدة، كان التمثيل أبرزها. لعبت ريهام سامي دور زوجة الساموراي، وكان عليها أن تظهر بأكثر من وجه، وفي أكثر من حالة. فهي المرأة التي اغتصبها قاطع الطريق، والمرأة المنجذبة إلى قاطع الطريق، والمرأة التي فقدت الثقة في زوجها عندما تخاذل في الدفاع عنها. وجملة كهذه من التحولات والانفعالات المتباينة تتطلب طاقة وموهبة وغوصاً عميقاً داخل كل حالة، وهو أمر مرهق للغاية لأي ممثل، واختبار صعب لقدراته. لكن ريهام سامي أدت ذلك كله بقدر عال من التمكن والإقناع والصدق، كأنها هي في كل الحالات التي قدمتها.

 

على القدر نفسه من التمكن والوعي بطبيعة الشخصية جاء أداء أحمد الشاذلي شخصية قاطع الطريق تاجومارو، هذا القاتل الشرير المحتال وكيف يتحول إلى طفل أمام امرأة أحبها، وكيف يوظف طبقات صوته بحسب الحالة التي يتطلبها المشهد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما نديم هشام الذي لعب دور الساموراي فقد أداه من منطقة هادئة واعياً طبيعة أفراد هذه الطبقة من النبلاء العسكريين الذين يتبعون الفضائل العسكرية، فكان مقنعاً في أدائه الذي جاء من غير تكلف أو انفعالات زائدة.

ولعبت هدير الشريف دور الصحافية بسلاسة وخفة ظل، وكذلك كريم شهدي دور الحطاب، وإن كانت مساحة دوره الصغيرة لم تبرز إمكاناته كممثل بشكل واضح.

رؤية واضحة

ديكور العرض الذي صممه أحمد حبيب، جاء رمزياً يمثل قطاعاً من الغابة، إذ حرص على ترك مساحة واسعة للتمثيل، بخاصة أن العرض يقدم في قاعة وتجرى فيه بعض المبارزات. وأضفت إضاءة أحمد عبد التواب ووليد فوزي، المزيد من الجمال على الديكور، وأسهمت في تجسيد لحظات التوتر التي سادت معظم مشاهد العرض.

يقدم كريم شهدي في هذه التجربة نفسه كمخرج لديه رؤية واضحة يعمل وفقها، وقراءة واعية للنص، وقدرة على فهم مغزاه، وإعادة صياغته في شكل مسرحي جيد. إضافة إلى القدرة على اختيار ممثليه بعناية وقيادتهم وفق إيقاع منضبط لا يشعر المشاهد معه بالملل، وتشكيل صورة مسرحية على قدر عال من الجمال والإشراق، والانتقال برشاقة من مشهد إلى آخر وكأننا بصدد مونتاج سينمائي. وهو أيضاً من صمم التعبير الحركي وقام بالإعداد الموسيقي.

العرض إجمالاً ممتع بصرياً وفكرياً ويقدم مواهب تمثيلية وإخراجية من شأنها أن تمثل إضافة إلى الحياة المسرحية في مصر، وهو أمر متوقع من مصنع المواهب المسمى "مركز الإبداع".

المزيد من مسرح