عراقية التقت ابنها بعد 28 سنة فراق

فقدته خلال الانتفاضة الشعبية عام 1991 ضد نظام صدام حسين

الأم وابنها بعد 28 سنة من الفراق (من مواقع التواصل الاجتماعي)

قصة لا تتكرر يومياً حين تلتقي أم بابنها المفقود منذ أكثر من 28 سنة، لكنها حدثت بين عمار غانم ناجي الابن الضائع وزهرة وطبان كاظم المرأة الستينية التي فقدت ابنها أثناء أحداث التمرد على نظام صدام حسين عام 1991، وعادت لتلتقيه قبل أيام في أحداث درامية غريبة. تقول زهرة لـ"اندبندنت عربية" حول لقائها مع ابنها، "احتضنته بشغف الأم الملتاعة وبدأنا بالبكاء، كنت أقول إنه ولدي وأزغرد وأبكي، كنت مضطربة حينها، تلمست وجهه وتفحصت الوشم الأزرق الذي رسمته سيدة عجوز على يدي ويده منذ زمن". وتضيف "أريد أن أعيش مع ولدي بقية حياتي لقد حرمني القدر منه ثلاثة عقود ولا أريد أن أبعد عنه بعد اليوم، ما زالت حركاته وهو يلعب كرة القدم مع أشقائه وشقيقاته عند باب المنزل تداعب ذاكرتي المنهكة، كان بسيطاً وحنوناً وعفوياً وهو الأكثر تلقائية بين أولادي، كان متعلقاً بي ولم يفارقني في طفولته يذهب معي إلى كل مكان، لم يغادر مخيلتي يوماً كان يحب كثيراً الذهاب إلى المدرسة ويطلب مني زيارة قبر والده في النجف بين الحين والآخر".

لحظة الفراق

في فبراير (شباط) عام 1991 اندلعت انتفاضة شعبية في تسع محافظات جنوب العراق ضد نظام صدام حسين، أطلق عليها لاحقاً تسمية "الانتفاضة الشعبانية"، وكانت تلك الانتفاضة مدعومة بشكل مباشر من إيران، آنذاك تحرك الجيش لإخماد الانتفاضة بأمر من النظام واستخدم الأسلحة الثقيلة في قصف المدن والمدنيين. وتزامنت الانتفاضة مع وقوع عمليات السلب والنهب للدوائر الرسمية والمحال التجارية في تلك المدن، وكانت ظروف الحرب قاسية والطعام الموجود في المنازل يكاد لا يكفي لسد الرمق، وتوجه معظم الناس لنهب مخازن المواد الغذائية والمطاحن التي تديرها الدولة آنذاك لطحن الحبوب. وتروي زهرة لحظات فراقها لابنها وتقول "كان الناس يتدافعون لنهب الدقيق والقمح من مطحنة العشار في منطقة الحكيمية حين أطلق الجيش المدافع باتجاههم وسقط ضحايا. ركضت باتجاه أولادي فوجدت ابنتي الكبيرة زينب جثة هامدة أخذتها بين يدي وعبرت الشارع ومن ثم عدت لأبحث عن عمار فلم أجده، كان الناس يركضون في كل اتجاه ولم يكن من السهل أن أجده بين تلك الفوضى. بحثت مطولاً أنا وزوجي وعدت لاستنجد بعم عمار الذي ساعدني في دفن ابنتي في المقبرة الإنكليزية هناك". وتضيف "منذ تلك اللحظة فقدت ولدي ولم تنفع سنوات البحث اللاحقة في معرفة أخباره حتى أخبرني الناس بقصته مع البارونة التي أخذته إلى بريطانيا من أحد مخيمات اللاجئين، حينها تأكدت أن شعوري بأن ولدي على قيد الحياة كان في محله". رحلة البحث عن عمار في السنوات الأولى كانت تسير بهدوء وطريقة سرية خوفاً من نظام صدام حسين، لكن بعد سقوطه عام 2003 بدأت الأم وزوجها، وهو والد عمار البديل بعد وفاة والده الحقيقي في حادث سيارة، بالبحث مجدداً.

فقدان الزوج والأولاد

لأم عمار قصة طويلة في فقدان الأحبة وفي الأربعين عاماً الأخيرة من حياتها فقدت زوجها غانم ناجي، الذي كان يعمل موظفاً في مديرية الطرق والجسور في محافظة البصرة، بعدما انقلبت السيارة التي كان يقودها بشكل مفاجئ. في ذلك الوقت كان عمار طفلاً رضيعاً لم يتجاوز عامه الأول ثم شاءت الأقدار أن تفقد ذلك الطفل في حادث غريب ومفاجئ كما فقدت ابنتها الكبرى زينب في الحادث ذاته ودفنتها. وقبل أربعة أعوام فقدت ابنها الثاني عدي الذي أعدمه تنظيم داعش في الموصل، إذ دخل السجن بسبب مشاجرة عابرة وقبل انقضاء مدة حكمه نقلته الحكومة العراقية في عهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي من سجن الحمداوي في البصرة إلى معتقل بادوش في الموصل، وقبل مرور شهر واحد على نقله دخل التنظيم المتشدد إلى الموصل وأخرج السجناء من هناك وأعدم سجناء المدن الجنوبية وكان عدي أحدهم. ذهبت أم عمار إلى الطب العدلي قبل أسبوعين، وأخذوا عينة من دمها للتحليل، وقالوا إنهم سيتصلون بها حين يفتحون مقبرة سجن بادوش لتسليمها جثة عدي وما زالت بالانتظار. وتضيف "بعدما فقدت أولادي غادرت البصرة وسكنت في مدينة كربلاء (110 كلم) جنوب بغداد، فلم أعد أملك شيئاً هناك لذا قررت البحث عن مكان جديد لأعيش فيه. وأنا أقطن اليوم في حي الطاقة مع زوجي فيما تزوجت ابنتاي نجاة وبشرى في المدينة ذاتها، وبتنا نذهب إلى البصرة كضيوف". حين تم اللقاء، لم تتمكن أم عمار من اصطحاب شقيقتيه نجاة وبشرى معها، إذ كان شرط اللقاء يقتصر على الأم والأب، وكان الوقت المخصص للقاء قصيراً لم يرو عطش سنوات الفراق الطويلة للمرأة الستينية.

رحلة البحث الطويلة

لقاء عمار مع والدته حدث بعد عام كامل على معرفتها بأنه حي يرزق ويعيش في المملكة المتحدة. وأول من اكتشف القصة وتمكن من العثور على عمار، الصحافي أحمد الركابي الذي كان يعمل مراسلاً لقناة "أن آر تي" عربية آنذاك. كان الركابي في طريقه إلى شارع المتنبي الثقافي وسط بغداد فجذبه منظر رجل مسن وزوجته وهما يجلسان قرب دائرة التقاعد العامة في بداية الجسر المؤدي إلى الشارع، فاقترب منهما ليسأل عن القصة لا سيما أن منظرهما لافتاً، إذ كانا يحملان مجموعة أوراق رسمية ووثائق خاصة بعمار وبعض الإثباتات على حياته. يقول الركابي "أخذت تفاصيل القصة وصوراً عن الوثائق وبدأت العمل عليها، إذ تحققت أولاً من صحة الجنسية العراقية لعمار. وبالفعل اكتشفت أنها حقيقية وأن هذا الشخص موجود ولكنني اتصلت مع مديرية الجنسية في البصرة أبلغوني أن العائلة لم تستخرج النسخة الحديثة للجنسية مع الأختام التي جددت بعد عام 1991، لذا قد يكون هذا الشخص ميتاً أو أنه بالفعل يعد ميتاً في الأوراق الرسمية". استعان الركابي بالجالية العراقية في بريطانيا، وبحث مطولاً عن منظمة عمار التي تملكها السيدة البريطانية ايما نيكلسون التي تبنّت عمار، كما شارك مقطع فيديو قصير أخذه للعائلة وهي تتحدث عن عمار مرات عدة على "فيسبوك"، وتمكن بمساعدة طبيب عراقي مغترب هناك من العثور على الشاب الضائع بعد عملية بحث ومراسلات استمرت أياماً. ويقول الركابي "حصلت على حساب عمار على فيسبوك وراسلته مرات عدة لكنه لم يجب، فأيقنت أن الحساب معطل، لا سيما أنه لم ينشر شيئاً عليه منذ تسعة أشهر، لكن الطبيب العراقي هناك ساعدني كثيراً وسافر إلى المكان الذي كان يعمل فيه عمار والذي يبعد أكثر من ساعتين عن سكنه بحثاً عن الشاب الضائع". بعد أيام تمكن الطبيب من العثور على عمار وصور مقطع فيديو معه كان عبارة عن رسالة إلى والدته تحدث فيه بلهجته العراقية الضعيفة وقال "ماما أنا عمار لقد كبرت وأصبحت رجلاً واشتاق إليك كثيراً"، إذ تم إدراج الفيديو مع التقرير التلفزيوني الذي عرضته فضائية "أن آر تي" آنذاك، وبذلك تأكدت العائلة أن عمار حي يرزق وقطعت الشك باليقين.

المزيد من العالم العربي