Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 سكان جزر يونانية يخشون دفع تكلفة الحرائق لسنوات

بيل ترو تكتب من جزيرة إيفيا اليونانية التي لحق بها قدر كبير من الدمار، وحيث يقول السكان إنهم سيرزحون تحت وطأة الحرائق الأخيرة لأجيال عدة في المستقبل.

جورجيوس، الذي فقد كل ممتلكاته بما فيها أشجار الصنوبر، يقف أمام ما تبقى من غابة محترقة في اليونان (بل ترو)

يشرح جورجيوس، الذي يبدو ضئيل الحجم وهو يقف أمام ما تبقى من غابة محترقة، كيف أنه أضاع 50 عاماً، أو جيلين كاملين، من الدخل جراء حريق الغابات الذي التهم بيته على امتداد سبعة أيام بلياليها.

يعيش جورجويس، وهو والد أطفال ثلاثة، في إيفيا، ثاني أكبر جزيرة في اليونان، التي بات ربعها عبارة عن أرض قاحلة جرداء بفعل حرائق الغابات.

التهمت ألسنة النيران المتمددة بيت جورجيوس، ومستودع المعدات الخاص به، إضافة الى أشجار الصنوبر التي يملكها، ويقدر عددها بـ 3000 شجرة، كان يكسب رزقه من بيع صمغها.

وكانت النيران التي اجتاحت إيفيا تمثل واحداً من أكثر من 60 حريق غابات كبير، اندلعت في أنحاء اليونان خلال الأشهر القليلة الماضية، الأمر الذي أدى إلى تدمير ما يزيد على 13 ألف هيكتار (130 كلم مربع) من الغابات، أي 10 أضعاف المتوسط السنوي للأراضي الحراجية التي تأتي عليها حرائق الغابات سنوياً، طبقاً لـ "نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي".

ويقول جورجيوس "يجب قطع كل واحدة من أشجاري وإعادة زراعتها. وسيستغرق هذا 50 سنة".

وهو يخشى أن يُضطر كثيرون إلى الرحيل عن إيفيا ما سيضع حداً لنمط حياة برمته.

ويتابع جورجيوس "لاشيء يمكن إنقاذه، ليس هناك حيوانات، وليس هناك أوكسيجين.. نحن نتحدث عن ضياع أجيال (من العمل). فكيف تحسبون تلك الخسائر؟".

ويظهر خلفه مشهد يوحي بنهاية العالم، فالأشجار الجرداء الطويلة الناحلة التي تذكر بتماثيل جياكوميتي، تغطي الفضاء وتنتشر في كسل عبر التلال المتفحمة، تتغلغل في مجموعات من القرى التي ينبعث من دخان الحرائق. وتلوح علائم الارتباك على سكان إحدى هذه القرى، وهم  يبحثون في المساعدات التي جاءتهم، بالقرب من الكنيسة التي بدت وكأنها قد تعرضت إلى غارة جوية مدمرة.  

واللافت هو غياب الإيقاع اللطيف للحياة البرية التي قضي على معظمها في حرائق مروعة سجلت صورها في مقاطع فيديو على أجهزة الهواتف المحمولة. وتشتهر الجزيرة بالنحل الذي يربيه سكانها، والذي يقال إنه كان يُنتج 60 في المئة من العسل في اليونان، وهو قطاع تعرض لخراب واسع الآن. ويخيم صمت مريب حالياً، فلا تكاد تسمع صوتاً ما عدا الجلبة التي تحدثها سيارة إطفاء عابرة من بعيد، وصفارتها تولول فيما تمضي إلى الجنوب، حيث شبت حرائق في غابات جديدة.

يردد مضيق يوربيوس، الذي تقترب ضفتاه من بعضهما، في شمال غربي العاصمة أثينا صوت سيارات الإسعاف المميز، ففي تلك المنطقة تشتعل حالياً حرائق غابات جديدة، بينما تتصاعد أعمدة شاهقة من الدخان في السماء، التي تشكل ما يشبه ضوء الشفق الغائم الصادر عن نيون أُصيب ببعض الكدمات.   

لكن لاتعد اليونان حالة استثنائية، على الرغم من هذا الرعب الذي تشهده. بل لعلها جزء من الكابوس الذي تتكشف فصوله في أنحاء العالم في الوقت الحالي، ما يقدم لمحة قاتمة عن مستقبل ما سيأتي.

إنها رؤية يحذر الخبراء من أنها ستكون "الوضع العادي الجديد"، وخصوصاً في حوض البحر الأبيض المتوسط الذي تتأجج فيه حرائق الغابات في هذا الوقت من الريفيرا الفرنسية وحتى الجزائر (حيث قتل 75 شخصاً).

وتعود أسباب اشتعال النيران إلى حوادث أو أعمال حرق متعمدة. وقد تم اعتقال العشرات ممن يشتبه فيهم بإضرام النار في أنحاء المنطقة في سياق حوادث فردية. غير أن الخبراء متفقون بأنه بصرف النظر عن نوعية عود الثقاب الذي يؤدي إلى الاشتعال، فإن الوقود الذي يخلق العاصفة النارية الأكثر تأثيراً يتمثل في الحقيقة، في أزمة المناخ التي صنعها الإنسان بما فيها من درجات حراراة لاهبة.

يذكر البروفيسور ريتشارد بست، وهو رئيس قسم بحوث التأثيرات المناخية في مكتب الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة، لـ"اندبندنت" أن التقارير الأخيرة تظهر أن الجفاف يتسع نطاقه في عديد من أنحاء العالم.

ويضيف "هذا مهم بشكل خاص في البحر الأبيض المتوسط، حيث لم يكن هناك اتجاه يمكن اكتشافه في الجفاف الجوي، أي انخفاض في هطول المطر، إلا أنه كان هناك اتجاه واضح في الجفاف البيئي. انخفاض رطوبة التربة نتيجة درجة التبخر العالية".

ويكمن سبب ذلك في درجات الحرارة الحارقة، ما يؤدي إلى سرعة تعطش الأرض، بحيث تصبح حين تلفحها الرياح الساخنة أشبه بصندوق بارود مثالي مهيأ لإطلاق ألسنة اللهب.

لهذا، لايعد اندلاع حرائق الغابات في اليونان من قبيل الصدفة، لا سيما أن البلاد كانت تتلظى بأسوأ موجة حرارة شهدتها منذ ثلاثة عقود.

أما في إيطاليا، حيث قضت حرائق الغابات على 150 ألف هيكتار (1500 كلم مربع) من الأراضي، فقد وصلت درجات الحرارة إلى 48 درجة مئوية في صقلية الأسبوع الماضي. من جهته، أعلن مكتب الأرصاد الجوية أن هذا اليوم هو على الأرجح الأشد سخونة في أوروبا على الإطلاق. وحذر من أن علينا أن نستعد لبلوغ الحرارة 50 درجة مئوية في صورة منتظمة.

وفي الواقع، كان يوليو (تموز) الماضي هو أكثر الأشهر التي تم تسجيلها على الإطلاق على وجه الأرض من حيث السخونة، طبقاً لـ "الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة".

هكذا تتمدد هذه المشكلة بعيداً إلى ما وراء البحر الأبيض المتوسط.

أذكى الجفاف المتفاقم والحرارة المرتفعة حرائق غابات قياسية في الولايات المتحدة و منطقة سيبريا في شمال روسيا، حيث اشتعلت مساحات شاسعة من الأرض لفترة مذهلة بطولها الذي وصل إلى شهرين.

ويقول مارك بارينغتون، وهو أحد كبار العلماء في "خدمة كوبرنيكوس لمراقبة الغلاف الجوي"، لـ"اندبندنت"، إن هذا هو ما يجعل 2021 عاماً غير مسبوق. ويوضح أن من غير المعتاد أن يكون هناك هذا العدد الكبير من الحرائق التي تتأجج لوقت طويل على ضفتي المحيط المتجمد الشمالي وفي أوروبا في الوقت نفسه، وذلك كما لاحظ على امتداد السنوات التي كان يرصد فيها حرائق الغابات العالمية.

ويتابع بارينغتون "تُبين المواقع المختلفة كلها في وقت واحد أن إلحاح النار على الاستمرار غير مسبوق". ويزيد "إن أسوأ 6 حرائق شهدتها ولاية كاليفورنيا في تاريخها كله قد حصلت خلال الأشهر الـ 12 الأخيرة.  وسجل شهر يونيو (حزيران) و يوليو أرقاماً قياسية لجهة مساحة الاحتراق والانبعاثات (العالمية) التقديرية".  

لقد خضت حرباً لكنني لم أرَ على الإطلاق قدراً من الدمار بهذا المستوى الكارثي

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جورجيوس، أحد سكان جزيرة إيفيا

وتتخطى المشكلات الناجمة من حرائق الغابات النيران نفسها. ويشير بارينغتون إلى أن تلوث الهواء "لاتقف في وجهه حدود"، منبهاً إلى أنه في الوقت الذي يمكن فيه احتواء الحرائق محلياً، فإن تأثيرها يخنق الدول المجاورة، ما يؤدي إلى جعل الحرائق مشكلة عالمية بصرف النظر عن مخاطرها بالنسبة إلى الدول منفردة.

على سبيل المثال، توشك الانبعاثات الإجمالية الناجمة من حرائق الغابات في اليونان خلال الأسبوعين الأولين من شهر أغسطس (آب) على الوصول إلى 3.7 ميغاطن من الكربون، وهي الكمية التي انبعثت هناك من هذا الغاز في شهر أغسطس بكامله عام 2007، الذي كان عاماً قياسياً. ويتحرك هذا الضباب الدخاني سلفاً عبر الحدود ليكتم أنفاس دول مجاورة لم تشهد حتى الآن أية حرائق في أراضيها.

كل هذا يعني أننا "يجب أن نتأقلم"، كما يرى البروفيسور بيست.

ويشرح أن "الناس سيحتاجون إلى أن يكونوا واعين أكثر بمخاطر الحريق، وإلى أن يتخذوا خطوات مناسبة لحماية أنفسهم". وعلى الحكومات أن تستثمر (في الوقاية من الحرائق).

وثمة شعور قوي بوجوب ذلك أيضاً بين سكان إيفيا الذين وجهوا انتقادات متزايدة للحكومة معتبرين أنها لم تستجب بالسرعة الكافية للحرائق، كما أنها لاتستثمر بالقدر الكافي في الوقاية من الحرائق والاستجابة لها.

من ناحيتها، دافعت الحكومة عن أدائها موضحة أن الحالة كانت مستحيلة، لا سيما أن العمل على إطفاء الحرائق كان مستمراً في ثلاث مناطق رئيسة في البلاد، بما في ذلك مناطق قريبة من العاصمة.

وقد كُتب على الجدران بجانب صناديق المساعدات الغذائية، في قرية جورجيوس، حيث احترق 20 منزلاً وكنيسة، "لم تقدموا المال لمعدات مكافحة الحرائق، كان ينبغي بكم أن ترسلوا شرطة مكافحة الشغب لإخماد الحرائق في القرى" وذلك في إشارة إلى استثمار الحكومة في قطاع الشرطة.

ويقول أحد سكانها المسنين، الذي يُدعى جورجيوس أيضاً، وهو في الـ84 من العمر، إن أبناء القرية لم يتلقوا أي تحذير من قبل الحكومة لإخلائها، بل بادروا إلى الفرار منها بسياراتهم الخاصة بعدما دق أحدهم ناقوس الكنيسة محذراً.

ويتابع الرجل المسن "لقد خضت حرباً، لكنني لم أر على الإطلاق قدراً من الدمار بهذا المستوى الكارثي"، مضيفاً أن المرة الوحيدة التي اضطر فيها إلى إخلاء القرية كانت خلال الحرب الأهلية اليونانية في أربعينيات القرن الماضي.

ويتابع "لقد رأيت الموت يدنو منا، شعرنا بالهلع"

وعلى مرمى حجر من الرجل المتقدم في العمر، يقول ثاناسيس إن رجال الإطفاء "اضطروا إلى انتظار تعزيزات جوية، لم تأت حتى وصل ارتفاع ألسنة اللهب إلى 50 متراً. ولم تصلنا نحن حتى الرسالة التحذيرية التي تلقاها سكان القرى الأخرى".

 يعبر زعيم مجتمع محلي تفصله كيلومترات قليلة عن الموقع السابق، عن المشاعر نفسها. ويزعم هذا الأخير أن السلطات قد انتظرت إلى أن باتت النار تنتشر على امتداد 40 كيلومتراً (28.85 ميلاً) لكي تتدخل.

ويتابع الزعيم المحلي "لم تكن لديهم خطة في البداية، أو عندما اتسع نطاق الحريق. ولهذا فإن كل شيء قد نُزعت أحشاؤه، فهذا خنزير بري محترق، وتلك خلايا نحل وسلاحف محترقة أيضاً. لم يبق شيء الآن".

أما ايوانيس كونتزياس، عمدة استيايا ايديبسوس، وهي منطقة أخرى تأثرت بالحرائق في جزيرة إيفيا، فيذكر أنه اضطر إلى إرسال بعض السكان المحليين في جرارات زراعية لإخلاء بعض المناطق.

ويقول بصوت يوحي باليأس، "كان يجب أن تكون هناك خطة مطبقة سلفاً، كان ينبغي أن تكون هناك خطة قيد التنفيذ".

 وقالت الحكومة، إن مواردها كانت تُستعمل إلى الحد الأقصى، لا سيما أن حرائق كثيرة كانت تنشب في وقت واحد، ما يعني أنه كان عليها أن تطلب دعماً خارجياً. وقد لبت النداء حوالى 24 دولة أوروبية وشرق أوسطية، فبعثت بطائرات، ومروحيات ومركبات ومئات من رجال الإطفاء.

ووصف كرياكوس ميتسوتاكيس، رئيس وزراء اليونان، الحرائق بأنها أكبر كارثة بيئية شهدتها بلاده منذ عقود.

وقال جيانيس أويكونومو، المتحدث باسم الحكومة، في إطار إحاطة صحافية أخيرة إن "الوضع الذي نواجهه غير مسبوق بالنسبة إلى البلاد".  

وأضاف المتحدث "القتال الذي نخوضه على هذه الجبهة هو عبارة عن ثلاث حروب، إخماد النيران، ومنع تفشي الأمراض، وإصلاح الأضرار  وتقديم التعويضات للمتضررين".

وانطلاقاً من إدراك ذلك، يوضح قادة أقسام الإطفاء لـ "اندبندنت" أنه يجب تعلم الدروس من أحداث 2021، وأن ثمة حاجة لمزيد من الاستثمارات في قدرات مكافحة الحرائق على المستويين الوطني والدولي، وذلك جنباً إلى جنب مع التغييرات الملحة والدراماتيكية لمعالجة أزمة المناخ.

ويقول كونستانتينوس باتشيديس، وهو ضابط برتبة لواء في قوة الإطفاء، "نحن بحاجة إلى مزيد من الموارد، ومزيد من المعدات، ومزيد من الكوادر ذلك أن المستقبل قاتم.. ينبغي أن يكون هناك مزيد من الاستثمار العالمي في التعاون الدولي لمكافحة الحرائق. ونحن في حاجة إلى تغيير خططنا. ونحتاج الى أفكار جديدة رائدة كدولة، وكاتحاد أوروبي، وكعالم".

في هذه الأثناء، يؤكد أولئك الموجودون في جزيرة إيفيا، أن الوقت قد فات بالنسبة إليهم، فحياتهم قد دُمرت سلفاً وتم القضاء على مصادر رزقهم لعقود عدة في المستقبل.

ويقول جورجيوس وهو يتحرك بين هياكل الأشجار الجرداء "حتى لو تمكنا من إعادة البناء، فإننا نشعر بالقلق من حرائق الغابات التي ستندلع في المستقبل، هذا إذا اعتمدنا لكسب اللقمة على الأرض، وعلى الغابات".

ويضيف "كيف سنعيش في الوقت الحالي؟ إننا نرفع أيدينا (لنعلن) لقد دُمرنا. دُمرنا".

   

© The Independent