Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محاولة سينمائية أميركية نادرة لإنصاف السكان الأصليين

"الباحثون" لجون فورد ثورة عابرة على الشاشة مهدت لثورة طاولت هوليوود على غير توقع

مشهد مع ناتالي وود من "الباحثون" (موقع الفيلم)

"ربما يكون ما عبرت عنه في الفيلم ردّ فعل غير واع من قبلي، لكن هذا الاحتمال لا يمنعني من القول إنهم (الهنود الحمر) شعب يعتد بكرامته إلى حد كبير حتى حين يُهزمون. ومن الطبيعي القول هنا إن التعبير عن مثل هذا الموقف في السينما ليس موقفاً يحظى بشعبية كبيرة في الولايات المتحدة. فالجمهور هنا يحب أن يشاهد الهنود الحمر وهم يتساقطون قتلى، هو الذي لا يعتبرهم كائنات بشرية تمتلك ثقافة عميقة وإن كانت تختلف عن ثقافتنا. والحقيقة أنك إن نظرت إلى الأمور عن كثب ستجد أن إيمانهم يتشابه مع إيماننا في العديد من نقاطه...". قائل هذا الكلام ليس عالم اجتماع من يساريي ستينيات القرن العشرين ولا مناضلاً من مناضلي حقوق الإنسان، بل هو وبكل بساطة واحد من مخرجي هوليوود الأكثر أميركية ومحافظة وبعداً عن الأحكام التقدمية. هو جون فورد اليميني المحافظ الذي اشتهر خاصة بأفلام رعاة البقر وبالتعبير عن الحلم الأميركي في أقوى تجلياته. ومع ذلك لم يتردد دون إبداء هذا الموقف الذي لم يكن في ذلك الحين متوقعاً وإن كانت السينما الأميركية سوف تتغير كثيراً بعد ذلك ويصبح الموقف الذي عبر عنه فورد سائداً منذ السبعينيات على الأقل.

أبكر مما يجب؟

اللافت هنا هو أن جون فورد عبر عن هذا الموقف خلال النصف الثاني من سنوات الخمسين وقاله بصدد فيلم حققه في ذلك الحين كان من الصعب على الذهنية الأميركية تقبله وهو "الباحثون" (1956) الذي عرف عالمياً بعنوانه الفرنسي الأكثر شهرة "أسيرة الصحراء". ولقد كان مما زاد الطين بلة أن بطولة الفيلم كانت لجون واين الذي لم يكن يقل عن جون فورد رجعية ومحافظة. لكنه هنا تبنى هذا الفيلم تماماً وتبنى الآراء التي عبر عنها فورد فاعتُبر الأمر ثورة حقيقية في السينما الأميركية، لا سيما من حيث الصورة التي قدمها للهنود الحمر معاكسة للصورة التي كانت السينما الشعبية الأميركية تصورهم بها. ويمكننا القول إن "الباحثون" هذا سيكون الرحم الشرعي الذي ستولد منه ليس فقط أفلام تالية أخرى لفورد نفسه تتعامل بإنصاف مع الهنود الحمر، ولا سيما منها واحد من آخر أفلامه "خريف الشايين"...، بل كذلك أعمال أكثر إنصافاً تجاه الهنود لمبدعين أميركيين آخرين ومن علاماتها الكبرى "الجندي الأزرق" و"ليتل بيغ مان" و"جيريميا جونسون"، والثلاثة ينتمون إلى سنوات السبعين. ومهما كان الأمر فإن "الباحثون" يبقى ظاهرة كبيرة حتى ولو أن استقباله الأميركي بدا فاتراً أول الأمر ليكتسب مكانته السياسية والفنية أكثر وأكثر تدريجياً، ويعتبر اليوم أعظم أفلام "الغرب" الأميركي على الإطلاق وواحداً من أعظم الأفلام الأميركية.

جندي وحيد لحربين خاسرتين

ومع ذلك يكاد الفيلم لا يخرج مبدئياً عن نطاق السينما التي تهتم بتصوير الصراع بين الأميركيين الجدد وسكان البلاد الأصليين من هنود وجدوا أنفسهم مجبرين على قتال غير متكافئ للحفاظ إن لم يكن على الأرض فعلى الكرامة. وينطلق الفيلم "كالعادة" من هجوم عدواني تقوم به جماعة من هنود الكومانشي على مزرعة معزولة لأسرة من آل إدواردز تنتهي بقتل معظم أفراد العائلة وأسر ابنتين لها إحداهما الصغرى ستقتل على الطريق لاحقاً بينما الكبرى ديبي سوف تؤسر من قبل الهنود لتصبح لاحقاً إمرأة لزعيمهم الذي سنفهم بعد ذلك أنه إنما شن الهجوم واقترف ما اقترف لأنه كان قبل ذلك قد فقد ولدين له في معركة مع الذين سيقعون ضحايا له لاحقاً. لكن قبل أن نعرف ذلك سنكون قد تعرفنا إلى ناثان إدواردز (جون واين) شقيق رب العائلة المقتولة وعم ديبي، العائد لتوه من هزيمتين مني بهما الجانب الذي كان يناصره: الكونفيدراليون في الحرب الأهلية، وجنود الإمبراطور ماكسيميليان في حرب مكسيكية. وها هو هنا يفاجأ بما يشبه تلك الإبادة التي طاولت عائلة أخيه وبأن ابنة هذا الأخير المفضلة لديه قد أسرت وتعيش كهندية بين الهنود. وأمام هذا الواقع الأليم والمعقد يقرر ناثان التوجه إلى مكان إقامة الهنود عند المناطق الضارية الواقعة عند الحدود بين أريزونا ويوتاه، من ناحية للانتقام لأخيه وكذلك لزوجة أخيه - التي سوف ندرك لاحقاً أنه كان مغرماً بها وهي ما تزوجت الأخ إلا لأنه هو قد تخلى عنها وتابع حياة التجوال وخوض المعارك كفارس وحيد لا يجد وسيلة للاستقرار -، ولكن من ناحية ثانية كي يقتل ابنة أخيه ديبي عقاباً لها على تحولها إلى هندية ودائماً هنا من موقع عنصري ولكن كذلك من موقع شخصي. فديبي هي المفضلة لديه وهو لعنصريته لا يستسيغ إطلاقاً تحولها إلى هندية بالنظر إلى أنها تذكره بأمها التي سيظل يندم دائماً لتخليه عنها!

ماذا بعد الانتقام؟

طبعاً سيصل إيثان ويحقق ما يبغيه من انتقام ولو متأخراً سبع سنين عن الزمن الذي حدثت فيه المجزرة في مزرعة أخيه. وهو سيخوض معركته وينتصر على الهنود ولكنه في اللحظة التي يحاول فيها أن يقتل ديبي لن يفعل. فالحب والعائلة سيحولان دون ذلك بل إنه في مشهد سيوصف لاحقاً بأنه واحد من أجمل المشاهد السينمائية الأكثر عاطفة ودرّاً للدموع سوف يمد لها يده ويعيدها إلى الديار ليتابع هو بعد ذلك طريقه وحيداً باحثاً عن المعارك من دون أن يبدو أنه قد تغير كثيراً. غير أن الذي كان قد تغير في تلك الأثناء هو تعاطي السينما نفسها مع القضية الهندية وأهلها. فهنا ها هو جون فورد لا يصورهم آلات حرب وحشية لا يهمها سوى أن تقاتل وتقتل من دون أي توضيح لمبررات ما تفعل. فهم في نهاية الأمر حتى وإن كانت الهزيمة ستكون من نصيبهم كما يروي لنا التاريخ الواقعي نفسه، هم كائنات بشرية لها تاريخها وحقها الذي تدافع عنه، ولديها ما يمكنه أن يكون حافزاً لفتاة حسناء فقدت عائلتها في القتال مع الهنود تحديداً، كي تواصل العيش بينهم ما لا يقل عن سبع سنوات كان من الواضح أنها عاشتها بسعادة وانتماء واضحين قبل أن يصل عمها وينتزعها من تلك الحياة... ربما بغير إرادتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العبرة في التفاصيل

صحيح أن هذه كلها تبدو وكأنها مجرد تفاصيل عابرة لا مكانة فكرية أساسية لها في التصور الشعبي العام للنظرة إلى الهنود الحمر، النظرة التي رسختها السينما الشعبية بما فيها معظم أفلام رعاة البقر و"الغرب" التي كان جون فورد قد حققها سنوات طويلة قبل "الباحثون" كما فعل غيره. لكن الأهمية الفائقة هنا تكمن من دون شك في التفاصيل. وبالتحديد في تلك التفاصيل المتعلقة بالصورة الإنسانية التي قدمها الفيلم بخاصة عن الحياة اليومية التي يعيشها الهنود ناهيك بكونه قد جعل لهم تاريخاً. ومن المعروف في فلسفة التلقي أن تعاطف المتلقي مع شخصيات العمل الفني أو الأدبي إنما يبدأ منذ اللحظة التي يلتقي بها من ناحية بتاريخ الشخصية، ومن ناحية ثانية بتفاصيل حياتها اليومية. وعلى هذا النحو هنا تمكن جون فورد من دون أن يحدث أية قلبة أيديولوجية حقيقية في السياق العام لسينماه، تمكن من أن يحدث تلك القلبة الكبيرة في المفاهيم التي تبثها سينما ستكون بعد عقد ونصف العقد من السنين في مقدمة ضروب الإبداع الأميركية التي راحت تشتغل على ثورة في الذهنيات، بصدد النظر إلى التاريخ الأميركي بما فيه تاريخ "الهنود الحمر" وتاريخ الحلم الأميركي، وبقية ما تبقى من تلك الصور النمطية التي جعلت الأميركيين يعيشون في أوهام تاريخهم حتى اللحظة التي أيقظتهم فيها هزيمة فيتنام و"فضيحة ووترغيت" على حقائق دفعتهم إلى إعادة نظر ربما كانت هي ما بوّأ فيلم "الباحثون" تلك المكانة التي بات يحتلها ولا يزال حتى اليوم. مكانة كان أهم عناصرها كون جون فورد، متشاركاً مع جون واين، هو المسؤول عنها من حيث لم يكن هو يتوقع ولم يكن يتوقع أحد سواه!

المزيد من ثقافة