Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف يؤثر الإعلام العراقي على الشباب في مرحلة الانتخابات؟

محاولات مستمرة لاستمالة هذه الفئة وأجندات تحددها الأحزاب التي تحاول أن تروج لأفكار معينة

برز عدد كبير من الناشطين والقيادات الشبابية الحقيقية في تظاهرات "تشرين" ساهموا في قلب موازين وقواعد العملية السياسية في العراق (رويترز)

لا يمكن تصور أي تغيير في سلوك ما إذا لم يسبقه تأثير معرفي وموقف ينتج عنه تغير في السلوك، فالمشاركة السياسية للأفراد في البيئة المحيطة بهم، وتفاعلهم مع قضاياها، إنما يكون بعد تعرضهم للوسائل الإعلامية، إذ يكتسبون معلومات ومعارف عن القضايا المطروحة تساعد في إيجاد قناعات جديدة أو ترسخ مواقف سابقة ينتج عنها سلوك سياسي.

الخطاب الإعلامي

تعمل وسائل الإعلام في العراق وفق أجندات معينة تحددها الأحزاب التي تمولها من أجل التأثير في الناخب العراقي، ولا سيما الشباب، وبخاصة طلبة الجامعات الذين يحق لهم الانتخاب، في محاولة لزرع قناعة لديهم للمشاركة الفاعلة والحقيقية في الانتخابات لصالح هذا الحزب أو ذاك، باعتبارها الطريق الأسلم من أجل العبور إلى الضفة الأخرى، فالإعلام وسيلة مهمة للناخب العراقي من أجل التأثير في قناعات الجمهور، ومن أجل استمالة آرائهم، وعلى العكس من هذا النوع، هناك وسائل إعلام أخرى تعمل في الظل وتحاول أن تروّج لأفكار معينة، إذ إن المشاركة في الانتخابات، من وجهة نظرها لا تجدي نفعاً، ولا تحقق ما تصبو له، وفي بعض الأحيان، يكون سبب التأثير على قناعات الناخب العراقي في عدم المشاركة وعدم الذهاب للانتخابات لفسح المجال، أمام أعضاء ومؤيدي الأحزاب الكبيرة، لأن تكون لهم مشاركة فاعلة، بالتالي تحقق هذه الأحزاب أعلى نسبة في المقاعد البرلمانية، وقد تبث هذه الوسائل من داخل العراق أو من خارجه تبعاً لتمويلها وأجندتها السياسية.

المجتمع العراقي

من هذا المنطلق، يزداد اهتمام صناع القرار بمختلف مستوياتهم في العراق بقضايا الشباب، مؤمنين بأهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به هذه الشريحة سلباً أو إيجاباً في ما لو توفرت لها الفرصة أو البيئة المناسبة، لأن شريحة الشباب هي رأس المال الحقيقي للمجتمع، وقوته الأساسية، وهي مصدر أساس للتغيير الثقافي والاجتماعي، نظراً لدورها الفاعل في عملية البناء والتغيير والإمكانات التي تجسدها، ولأنها تمثل الشريحة الحرجة التي تقع على عاتقها فرصة صناعة المجتمع وتقدمه.

وفي العراق، يواجه الشباب بيئة معقدة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، إذ تتعدد منصات البث ووسائل الإعلام بين الإعلام المقروء، والمسموع، والمرئي، والمتمثل بالتلفزيون والإذاعة والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها كافة.

وعلى الرغم من أزمة الثقة ومشاعر الخيبة، لم يفقد الشباب العراقي اهتمامه بالكامل في السياسة وقضايا البلد، وبرز عدد كبير من الناشطين والقيادات الشبابية الحقيقية في تظاهرات "تشرين"، ساهموا في قلب كل موازين وقواعد العملية السياسية في العراق، وخصوصاً بعد إجبار حكومة عادل عبدالمهدي على تقديم الاستقالة والمطالبة بحكومة تأخذ بالاعتبار مطالب المحتجين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا الإطار، تحدث ثامر الناصري الأكاديمي الفنان، والمرشح السابق للانتخابات التشريعية العراقية، قائلاً، "يحتاج الشباب دائماً إلى الوثوق بالمرشحين وبرامجهم الانتخابية من أجل أن يدلوا بأصواتهم بقناعة". ويصنف الناصري الشباب على أساس شرائح عدة، منهم الشريحة الواعية، والأخرى المثقفة، وأيضاً الوصولية التي تبحث عن الانتفاع، وشريحة يدعوها بـ"الاتكالية التي تطمح للتعيين بوظيفة بلا جهد يذكر". ويؤكد الناصري إمكانية المراهنة على هذه الفئة لدورها الكبير في تعزيز صناديق الاقتراع بالأصوات في حال توفرت القناعة الحقيقية بالمرشح والبرنامج الانتخابي. ويضيف، "الناخبون الشباب من الطبقة المثقفة والواعية المكتفية أو المرفهة، يمتازون بالعزوف عن الانتخابات بسبب شعورهم بالاكتفاء وعدم إيمانهم بجدوى التغيير".

قدرة الشباب على التغيير

وأصبح الشباب العراقي بعد انطلاق احتجاجات "تشرين" أكثر تفاؤلاً وثقة بقدرته على التغيير، وهذا ما تظهره بعض المؤشرات التي تبين وجود اهتمام أوسع بالسياسة اليومية لدى هذه الشريحة. وكشف التحليل الإحصائي لـ"مركز البيان للدراسة والتخطيط" عن أن 21.7 في المئة من شريحة الشباب حريصة على متابعة المشاريع والبرامج التي يعلن عنها المرشح السياسي، ومع ذلك نجد هؤلاء يطلعون على كفاءة وسيرة المرشح السياسي للانتخابات بنسبة 26.1 في المئة، كما تصل نسبة من يسعون إلى معرفة نشاطات الأحزاب والكتل السياسية ومتابعتها إلى 17.4 في المئة، أما نسبة الشباب الذين يخوضون مع أسرهم نقاشات سياسية فتصل إلى 4.3 في المئة.

الخطاب الموجه للشباب

ويبين المدير الفني لـ"قناة الفرات"، نظير سامي، ماهية لغة الخطاب الموجهة للشباب عبر قنواتهم الإعلامية. ويقول، "تتعامل قناتنا مع شريحة الشباب على درجة عالية من الأهمية، وقد تكون لهم الأولوية بخطابنا الإعلامي، ففي بعض الأحيان نضطر إلى اختيار مفردات وتعبيرات عامية للوصول إلى أكبر شريحة منهم، ولا نستثني أي وسيلة اتصالية قد تكون جسراً للتواصل معهم، مثل (تيك توك، والألعاب الإلكترونية، وكل المنصات) فالمضمون يتم تسخيره ونسجه من خلال نوعية الخطاب الموجه إليهم".

أما عن تأثير الخطاب، فيلفت سامي إلى أن هناك مرسلاً، وهناك مستقبلاً، والخطاب يصاغ على أساس الوسيط المستهدف إذا افترضنا الشباب كمركز لاتجاه بوصلتنا، وعلى صعيد تجربتنا الحالية في فترة الانتخابات، فقد تمت صياغة الأفكار ضمن منهج وخطة مدروسة وترجمتها ضمن قوالب صالحة للتنفيذ والبث، مثل الفواصل والبرامج المتنوعة التي تروّج للانتخابات. وتابع، "حققنا نجاحاً بنسب كبيرة بحسب نتائج الاستبيانات المعدة لهذا الغرض والموجهة لشريحة الشباب لمعرفة القنوات الإعلامية المؤثرة ونوع الخطاب والميول العامة لهذه الفئة ومن كلا الجنسين، وتبين أن كثيراً من الشباب استقبلوا الخطاب وفهموا محتواه ومضمونه، وهو ما نبغي الوصول إليه. أما عن اختلاف خطاب قناتنا عن القنوات الأخرى، فقد سعينا جاهدين لأن يكون خطابنا وطنياً، وهو ما لمسناه من انعكاس سياستنا على الرأي العام من خلال الاستبيانات التي تم طرحها، وبينت نتائج الاستبيان أن اتجاهنا ومسارنا صحيحان، ولم نؤدلج القضية الوطنية بصياغة معينة، لكننا وضعنا الوطن قبلتنا، ووجدنا أنه السبيل الأفضل، فلا يتم خداع الشباب بالأكاذيب السابقة لأننا في مركب واحد، وكلنا يسعى لإرساء هيبة الدولة وفرض القانون، ووجدنا أننا نقف على خط واحد من الأهداف".

الإعلام المتخصص
أما نصير حيدر لازم، مقدم برنامج "الباب" المتخصص في قضايا الشباب بشبكة الإعلام العراقي، فيكرّس وقت برنامجه حالياً للترويج للانتخابات وتعريف الشباب بآليتها وإبراز أهميتها.
وتحدد شبكة الإعلام العراقي، وهي شبكة شبه رسمية، فترات معينة لعرض تغطيات خاصة بمرحلة الانتخابات والتعريف بالمرشحين وآلية الانتخاب، إضافة إلى بعض البرامج لبث إعلانات الانتخابات والقضايا التعبوية الموجهة إلى فئة الشباب، كما تحرص على استضافة متخصصين في علم الاجتماع وعلم النفس، فضلاً عن إعلاميين ومقدمي برامج شباب ليكون حضورهم وخطابهم أكثر إقناعاً بالنسبة إلى هذه الشريحة من المشاهدين.
وتعتمد الشبكة في توجيه خطابها على كل وسائلها الإعلامية، فالقناة الإخبارية تعرض برامج وتغطيات خاصة بالشباب وتدعوهم إلى فهم آلية الانتخابات وأهميتها. كما أن القناة الاجتماعية الموجهة للأسرة والطفل، تعمل على الترويج للانتخابات من خلال مشاهير كالفنانين والرياضيين العراقيين والشبان، سواء المشهورين في السوشيال ميديا أو الدراما والإعلام. كذلك، تستعين القناة الرياضية العراقية بلاعبي المنتخب وأبطال الأولمبياد لدعم الانتخابات وتشجيع وتوجيه الجمهور للذهاب إلى صنادبق الاقتراع .

كما تتناول مجلة "الشبكة" وجريدة "الصباح" أيضاً، مواضيع الترويج للانتخابات، وكذلك الإذاعات التي تستهدف الناس بشكل عام والشباب بشكل خاص.
أما مهمة مديرية الإعلام الإلكتروني، فترمي إلى وضع كل ما يُنتج في الإذاعة والتلفزيون وتروّج له على قنوات السوشيال ميديا، "فيسبوك" و"إنستغرام" و"يوتيوب"، وهي المنصات الأكثر شعبية في أوساط الشباب. والاستراتيجية التي تعمل عليها القناة بشكل عام هي التوجه إلى الجيل الجديد الذي سيتقدم إلى صناديق الاقتراع للمرة الأولى، والبالغ عددهم 2 مليون ونصف المليون شاب وشابة باتوا يملكون حق التصويت.

وتحدث حسين عبد الباقي، معاون مدير راديو "تايمز سكوير" في البصرة، عن توجهات الناخبين الشباب، فقال "يتناسب الإقبال تناسباً طردياً مع ثقتهم بالنظام والدولة. ويشعر الناخب بالإحباط وعدم الجدوى من الاقتراع كلما أحسّ بأن مشاركته لن تحدث فرقاً ولن تحقق متطلباته وآماله". وأضاف أنه "على مرّ الدورات البرلمانية السابقة والمواطن العراقي يعاني من عدم وفاء نوابه وممثليه على مختلف أحزابهم بالتزاماتهم تجاهه. هذا الشعور السلبي يعظّم المهمة أمامنا ويخلق تحديات كبيرة في محاولة إقناعه بأن المشاركة في الاقتراع هي الطريق الوحيد لتغيير مصير الشعب وأن التصويت حق والمشاركة تعزز مفهوم الديمقراطية ويجب على كل مواطن أن يدرك ذلك جلياً". وشرح عبد الباقي "نحن كإذاعة، يقتصر عملنا في هذه الفترة على التوعية والإرشاد إلى ضرورة الانتخاب باعتباره الوسيلة الأنجع للتغيير، ولا نتبنّى في مسعانا أي توجه أو دعوة لأي جهة بحّد ذاتها، ويكون ذلك عبر طرح المفاهيم المتعلقة بعملية الانتخاب، كالديمقراطية وصناديق الاقتراع والدوائر الانتخابية، ويأتي ذلك بوساطة برامج وثائقية وأخرى حوارية مع متخصصين في الشأن، إضافة إلى متابعة ورصد الأخبار المتعلقة بعملية الانتخاب والصادرة عن البرلمان أو المفوضية، كذلك الحث على تحديث البطاقات الانتخابية بيومترياً لقطع الطريق أمام مَن يشكك بنزاهة هذه العملية المهمة".
الإعلام الموجه في القنوات الفضائية

وفي ما يخصّ الحديث عن الخطاب السياسي للقنوات الفضائية في مرحلة الانتخابات، قال سلمان الأعرجي، الأكاديمي والمحلل السياسي بـ(جامعة النهرين)، "تنقسم القنوات الفضائية إلى قنوات قطاع خاص أو قطاع حكومي، وتختلف آلية تعاملها حسب ولاءاتها وانتماءاتها لهذا الحزب أو ذاك، بالتالي، فهي توفر مساحات من بثها اليومي لمرشحيها، وتنشط الفضائيات كثيراً خلال موسم الانتخابات، ولا سيما خلال الشهر المخصص للدعاية الانتخابية، من خلال عرض سير المرشحين الذاتية وأعمالهم وأبرز النقاط الرئيسة لبرامجهم الانتخابية، وفي ما يخص الفضائيات الحكومية، فهي تحاول أن توازن بين المرشحين من الانتماءات المختلفة حتى لا تحسب على جهة معينة، أما فضائيات القطاع الخاص، فهي تعمل فقط لصالح مرشحي أحزابها أو الأحزاب التي تمولها، وتعمل في التأثير بشكل مباشر على الشباب باعتبارهم الفئة الأكثر حضوراً خلال الانتخابات".

إن القنوات التي تمولها الأحزاب تشهر بعدائها لخصومها السياسيين، وتتبجّح بنبرتها الطائفية التي تصل أحياناً إلى استعدادها لأن تشنّ حرباً على منافساتها من دون احترام الحرية الممنوحة لها من الدولة، ويشكل الدعم الذي تتسلّمه هذه القنوات تحدياً كبيراً لمصداقيتها، وللقائمين عليها.

أنواع الناخبين

ويقسم الأعرجي الناخب العراقي إلى "الناخب الولائي، ويعمل وفق العقيدة التي ينتمي إليها ولا ينتخب إلا من يشاركه العقيدة أو من حزبه نفسه، وهذه فئة قليلة من مجموع الناخبين العراقيين، والناخب الثاني هو المتردد، الذي لم يحسم أمره بالمشاركة من عدمها، وبذلك تعمل الفضائيات بالتأثير على هذا النوع من الناخبين من أجل استمالتهم، والثالث هو الناخب المقاطع نهائياً، وتعمل الفضائيات أيضاً على التأثير بشكل مباشر على هذه الفئة، فتحاول أن تعزز من قناعاتها بأن الانتخابات هي الطريق الوحيد للتخلص من الفساد الإداري والمالي، وهي الطريق الوحيد للإصلاح".

آراء الشباب

وعن تأثير وسائل الإعلام في التعبئة وتحشيد الرأي العام قبل الانتخابات، تحدث عدد من الشباب عن مواقفهم تجاه المرشحين والانتخابات المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) 2021.

بدر شوقي بدران (28 عاماً) من البصرة، يقول، "نعم، سوف أنتخب أي شخص يمثل التيار العلماني ويكون غير مُنتمٍ لحزب سياسي ديني، هذه القناعة تولدت عندي عبر متابعتي البرامج الإذاعية الصباحية أثناء ذهابي ورجوعي من العمل وسماع الحوارات واللقاءات مع كثير من مرشحي الانتخابات".

أما آسيا علي محمود (43 عاماً) من بغداد، فتقول، "لن أنتخب أحداً بصراحة، وليست لديّ ثقة بأي مرشح، ولا أعرف أياً منهم، لأنني غير مهتمة، وأهمل أي بوست أو مادة فيديوية تخص المرشحين، بالتالي لست من المستهدفين، ولن تظهر لي مثل هذه المواد حسب سياسة وسائل الاتصال".

وتتحدث سجى باسم (33 عاماً) من بغداد عن سبب مقاطعتها الانتخابات، وتقول، "نظراً لعدم توفر أي مرشح يستحق أن أدلي له بصوتي، لذلك سأكون من المقاطعين للانتخابات في هذه الدورة". وتضيف، "عدم ثقتي بالمرشحين مصدره تكرار الوجوه نفسها في كل دورة انتخابية، وما نتابعه في البرامج الحوارية والمكاشفات عبر وسائل التواصل والإعلام، كشف عن جهل بعض السياسيين وزيف وعودهم وبرامجهم الانتخابية قبل كل دورة انتخابية".

منتظر برير هاشم (24 عاماً)، يقول، "لن أنتخب أحداً، ولا أعرف أحداً من المرشحين، والسبب في ذلك أنني لا أثق بأي مرشح، على الرغم من متابعة ما ينشر عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، ومشاهدتي العديد من المنشورات، خصوصاً قبل أيام من موعد الانتخابات، لاحظت نوعاً من المبالغة، وفي أحيان أخرى، نفاقاً لمرشحين وهم يجسدون دور خدمة المواطن في حين لن نرى مشهداً من هذا النوع بعد انتهاء يوم الاقتراع".

أزمة ثقة

وتبقى المحاولات مستمرة لاستمالة الشباب من قبل هذا الحزب أو ذاك للتأثير عليهم وكسب أصواتهم وزرع الثقة للوصول إلى درجة من القناعة بأنه لا تغيير من دون المشاركة واختيار من يمثلهم.