Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف ينظر الغرب لدور باكستان في لجم الإرهاب المتوقع من جارتها؟

رحبت إسلام آباد بسقوط كابول لكن النظام الأفغاني الجديد قد يهددها

معبر حدودي رئيس في الجنوب الغربي لباكستان مع أفغانستان يخضع لسيطرة "طالبان" على الجانب الأفغاني (رويترز)

على الرغم من تأكيدات ضباط سابقين في الاستخبارات الأميركية أن باكستان ساعدت على إحياء حركة "طالبان" الأفغانية في الفوز بالسيطرة على جارتها أفغانستان، فإن الغرب بصفة عامة، والولايات المتحدة بصفة خاصة، ينظران بقدر من الحذر والتوجس تجاه دور باكستان المرتقب في لجم أية هجمات إرهابية ضد الغرب قد يفرزها الوضع الجديد في أفغانستان، فكيف تنظر أميركا للدور الذي يمكن أن تضطلع به إسلام آباد؟ وما تشابكاته وتعقيداته ليس فقط مع الولايات المتحدة، وإنما أيضاً مع الهند والصين وروسيا؟ 

داعم أساسي

يعتقد كثير من المسؤولين السابقين في الاستخبارات الأميركية، مثل بروس ريدل، الضابط السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية "سي آي أي"، أن هجوم "طالبان" الأخير وسيطرتها على أفغانستان، اعتمد بالأساس على الدعم الباكستاني، استناداً إلى أن الحركة الأفغانية تستخدم باكستان منذ فترة طويلة كملاذ آمن في قتالها ضد الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية السابقة برئاسة أشرف غني، بعدما فشلت جهود الولايات المتحدة في الضغط على إسلام آباد لكبح جماح "طالبان" على مدى العقود الماضية، وهو ما دفع إدارة جو بايدن في النهاية إلى تجنب رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، بدلاً من مغازلته كحليف استراتيجي مثلما كانت تفعل واشنطن في الماضي مع إسلام آباد.

لكن المحللين السياسيين في واشنطن يعتقدون أن باكستان يوجد لديها سبب قوي الآن لمعارضة أية هجمات محتملة من تنظيم "القاعدة" الإرهابي على الغرب بعد فوز حليفتها "طالبان"، وانتفاء أي سبب وجيه للمخاطرة بتشجيع عودة القوات الأميركية إلى أفغانستان، وهو أمر يمكن أن يحدث إذا ما شنت "القاعدة" والتنظيمات الإرهابية الأخرى هجوماً مرعباً على الغرب، لأن هذا العنف لا يخدم الأهداف الاستراتيجية لباكستان.

شكوك أميركية

مع ذلك، يرى دانيال بايمان، الأستاذ في جامعة "جورج تاون" الأميركية، والمتخصص في مكافحة الإرهاب، أنه لا يمكن للولايات المتحدة الاعتماد على باكستان كشريك في مكافحة الإرهاب في أفغانستان، لأن باكستان، بحسب ما يقول في مقال نشرته مجلة "فورين أفيرز"، استخدمت الأجانب لشنّ هجمات إرهابية في الهند وشنّ حرب في كشمير، كما كانت تفعل في الماضي، لذلك، قد ترغب "طالبان" في السماح للمقاتلين الأجانب بالتدريب وتحسين مهاراتهم القتالية في أفغانستان، على أمل أن تتمكن باكستان من توجيه النيران نحو نيودلهي، ولهذا السبب يطالب بايمان الإدارة الأميركية بضرورة التأكد من أن إسلام آباد تعلم أنها ستدفع الثمن إذا دعم حلفاؤها في حركة "طالبان" الإرهاب الدولي.

حسابات باكستان

غير أن مجلة "فورين بوليسي" الأميركية نشرت مقالاً كشف عن التشابكات المعقدة التي تحكم استراتيجية باكستان في أفغانستان، والتي جعلت إسلام آباد تتحفظ علناً بشأن إحياء "الإمارة الإسلامية" في أفغانستان عبر حكومة يتم تشكيلها بالقوة ورفضها الاعتراف الفوري بحكومة "طالبان"، والمطالبة بتشكيل حكومة شاملة تمثل كل الفصائل الأفغانية، وهو ما أثار غضب "طالبان"، التي كانت تتوقع دعماً صريحاً من باكستان.

ويرجع التحفظ الباكستاني إلى أن تقدم الحركة السريع في أفغانستان ورواية الانتصار المصاحبة له انعكست بوضوح على التنظيمات المتشددة من الإرهابيين الباكستانيين، الذين يستمدون القوة والإلهام من انتصار "طالبان" لتحفيز عمليات التجنيد والتمويل وزيادة أنشطتهم العنيفة داخل باكستان، وهو ما يحدث بالفعل.

خلافات مصلحية

وعلى الرغم من أن الحكومة الباكستانية مكّنت حركة "طالبان" الأفغانية عام 1996 من السيطرة على أفغانستان وإقامة "إمارة إسلامية" هناك، وكانت واحدة من ثلاث دول تعترف بحكومة "طالبان" الأفغانية، فإن كثيراً من الخلافات المصلحية دبّت بين الجانبين بعد طرد الحركة الأفغانية من أفغانستان عقب الغزو الأميركي عام 2001، بخاصة عندما نشر الجيش الباكستاني قواته في المنطقة الحدودية الباكستانية - الأفغانية لوقف حركة المسلحين من "طالبان" و"القاعدة" عبر الحدود تحت ضغط أميركي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأدى ذلك إلى إطلاق حملة عنيفة من قبل المتطرفين في المناطق القبلية على الحدود ضد الدولة الباكستانية، وبلغ الصدام ذروته حين اغتال هؤلاء رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بينظير بوتو عام 2007، واستهدفوا مقر الجيش في روالبندي عام 2009، ومطار جناح الدولي في كراتشي عام 2014.

"طالبان" الباكستانية

لهذا، فإن ما يقلق باكستان الآن هو أن توفر "طالبان" الأفغانية ملاذاً آمناً لحركة "طالبان" باكستان التي تشكلت من القبليين الباكستانيين على الحدود بعد إطاحة نظام "طالبان" الأفغاني بسبب التدخل الأميركي في أفغانستان عام 2001 كنوع من رد الجميل لإيواء قادة وعناصر الحركة الأفغان، آنذاك، فضلاً عن عناصر تنظيم "القاعدة".

وحسب تقرير "فورين بوليسي" الذي كتبه عبدالباسط، وهو باحث في المركز الدولي لبحوث العنف السياسي والإرهاب بجامعة "نانيانغ" التكنولوجية في سنغافورة، فإن "طالبان" الأفغانية تشترك مع الباكستانية في روابط أيديولوجية وعرقية وتنظيمية وثيقة، وتستمد "طالبان" الباكستانية إلهامها الأيديولوجي من نظيراتها الأفغانية، وتعتبر أميرها الأفغاني هو أميرها، وتتعهد بالولاء له، كما يسكن أعضاء كلتا المجموعتين المنطقة الحدودية الباكستانية - الأفغانية إلى جانب عناصر تنظيم "القاعدة".

وتعززت الروابط بين "طالبان" الأفغانية وحركة "طالبان" باكستان بشكل أكبر عام 2015 بعد أن انتقلت الأخيرة إلى شرق أفغانستان في أعقاب عملية تطهير للجيش الباكستاني ضد عناصر "طالبان" باكستان الذين قتلوا 143 طالباً في مدرسة بمدينة بيشاور في ديسمبر (كانون الأول) عام 2014، وهي العملية التي لم تنتقدها حركة "طالبان" الأفغانية ولم تتخذ أي إجراء ضد منفذيها الذين انتقلوا إلى مناطق سيطرتها.

مخاوف إسلام آباد

ورداً على مخاوف إسلام آباد بشأن "طالبان" باكستان، كان رد "طالبان" الأفغانية هو أن أراضي أفغانستان الواقعة تحت حكمهم لن تُستخدم ضد أي دولة أخرى، وهي التأكيدات نفسها التي قدمتها "طالبان" للولايات المتحدة في ما يتعلق بـ"القاعدة" بموجب اتفاق الدوحة، ومع ذلك، تشير الدلائل إلى أن العلاقات بين "طالبان" و"القاعدة" تزايدت، وهو ما يعزز مخاوف باكستان، وبخاصة أن "طالبان" الأفغانية استخدمت حركة "طالبان" باكستان كوسيلة ضغط ضد الحكومة الباكستانية، مثلما فعلت حين شجعتها على زيادة هجماتها العنيفة في باكستان رداً على منح إسلام آباد الإذن للقوات الأميركية باستخدام مجالها الجوي لشنّ غارات جوية ضد تقدم "طالبان" الإقليمي في أفغانستان.

على عكس التصور العام بأن باكستان تمسك بخيوط "طالبان"، فقد تضاءل تأثير إسلام آباد على الحركة الأفغانية خلال السنوات القليلة الماضية، وعززت ذلك المكاسب الإقليمية لـ"طالبان" في أفغانستان، والاكتفاء الذاتي مالياً، والعلاقات المتنوعة للحركة مع الدول الإقليمية الأخرى ما قلل من اعتمادها على باكستان.

إحياء "بشتونستان"

غير أن أكثر ما يثير الفزع للحكومة الباكستانية، هو ذلك التحول في أهداف زعيم "طالبان" باكستان، نور والي محسود، الذي حوّل موقفه في مقابلة مع شبكة "سي أن أن" في يوليو (تموز) الماضي، من موقف الجماعة المتمثل في أسلمة باكستان عبر الكفاح المسلح، إلى المطالبة بضم المنطقة القبلية الاتحادية لضم "البشتون" الذين يشكلون 25 في المئة من سكان باكستان إلى أفغانستان، وهي نقطة خلاف رئيسة بين باكستان وأفغانستان تعود إلى اتفاقية "خط ديورند" عام 1893 التي قسمت "البشتون" المنتشرين في هذه المنطقة، بين أفغانستان، وما كان يعرف آنذاك بالهند البريطانية، وهي الحدود التي ورثتها باكستان الحالية عقب تقسيم الهند عام 1947.

وفي حين لاتزال إسلام آباد تعتبر "خط ديورند" حدوداً شرعية، إلا أن كابول ترفضه على أساس أن أي اتفاقية بين الهند البريطانية وأفغانستان أصبحت لاغية، في وقت يعتبر قرار حركة "طالبان" باكستان التحول إلى الانفصالية العرقية واستخدام الجهاد كوسيلة لإحياء فكرة "بشتونستان" أخباراً مزعجة لإسلام آباد التي تخشى أن تدير القيادة العليا لحركة "طالبان" باكستان محاولاتها الانفصالية بالقتال في باكستان من خلال ملاذاتها الأفغانية تحت حماية "طالبان".

منظور أمني

وعلى الرغم من ذلك، ظلت سياسة باكستان تجاه أفغانستان على مدى عقدين من الزمن، مدفوعة بالهدف الوحيد المتمثل في إبقاء نفوذ الهند خارج أفغانستان، فقد ظلت تقول إن الهند استخدمت أفغانستان كنقطة انطلاق لزعزعة استقرار باكستان من خلال تمويل وتسليح الجماعات الانفصالية البلوشية وبعض فصائل "طالبان" الباكستانية، ولهذا السبب، ساعدت باكستان حركة "طالبان" الأفغانية من دون التفكير في العواقب السلبية طويلة المدى لهذه الاستراتيجية على أمنها الداخلي.

ولم توسع باكستان سياستها حيال أفغانستان إلى ما هو أبعد من العدسة الأمنية الضيقة التي تركز على الهند، ولم تنوع علاقاتها مع الجماعات العرقية والسياسية الأفغانية الأخرى إلا أخيراً فقط، ولكن بعد فوات الأوان، ما جعلها تعتمد كلياً على حركة "طالبان" البشتونية.

الهند تترقب

في المقابل، تخشى الهند أن تصبح أفغانستان التي تسيطر عليها "طالبان" مرة أخرى شريكاً لباكستان في استخدام الجماعات الإرهابية كرأس حربة ضد الهند، وتتوقع نيودلهي أن يؤدي انسحاب كل القوات الأميركية من أفغانستان إلى تسريع الاتجاهات الحالية في علاقاتها الخارجية من تعاون أكبر مع واشنطن، ونزاعات أعمق مع بكين، وانشقاقات أوسع في الشراكة الاستراتيجية التقليدية مع موسكو، وذلك نتيجة التحولات الهيكلية لعلاقات باكستان المتغيرة مع القوى الدولية الثلاث.

وتشعر نيودلهي أن انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان يمكن أن يضعف بشكل كبير الشراكة الاستراتيجية الحالية بين واشنطن وإسلام آباد، بعدما شكلت أفغانستان حجر الأساس الذي بنت عليه الولايات المتحدة شراكة مع الجيش الباكستاني، بما في ذلك جناحه الاستخباري على مدى نحو ربع قرن، وعلى الرغم من أن أفغانستان سوف تستمر كنقطة للتعاون في العلاقات بين الولايات المتحدة وباكستان، إلا أنه من المرجح الآن أن تتطور العلاقة في اتجاه مختلف تماماً.

ومن المؤكد، حسب "فورين بوليسي" أن تزداد مخاوف الهند بشأن الإرهاب العابر للحدود مع عودة أفغانستان إلى حكم "طالبان"، لكن ربما تكون نيودلهي أكثر استعداداً من ذي قبل للتعامل مع باكستان، بما في ذلك استغلال الأخيرة للحركات الإسلامية في أغراض السياسة الخارجية.

وتنظر الهند بقلق إلى شراكة الصين القوية مع باكستان، التي تتمتع بنفوذ كبير مع "طالبان"، بما يعزز فرص ونفوذ الصين، خصمها التقليدي، في أفغانستان، وإن كان ذلك يرتبط بمدى تحقق السلام والاستقرار في أفغانستان ومدى صدق تأكيدات "طالبان" بشأن النأي بنفسها عن الحركات الإسلامية في منطقة "شينجيانغ" المضطربة في الصين، ومع ذلك، فإن بكين تبدو متفائلة، إذ لم يكن من المستغرب أنها كانت من بين أول من قدم ترحيباً مشروطاً باستيلاء "طالبان" على السلطة في كابول.

المزيد من تحلیل