Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإمبراطور يتأمل على بعد أمتار من ميدان القتال وساعات من ضجيج السلاح

"تأملات ماركوس أوريليوس" فكر إنساني من ملك تنويري سيء الحظ

تمثال لماركوس أوريليوس  (غيتي)

لنتخيل المشهد، وإن كنا نعرف أن من الصعب تخيله، أو حتى تصديق أنه يمكن أن يكون حقيقياً، واحد من آخر الأباطرة الكبار في تاريخ الإمبراطورية الرومانية يصر كل ليلة بعد أن يتوقف القتال الذي يخوضه ضد "البرابرة" على ضفاف نهر الدانوب، على أن ينفرد إلى ذاته وريشته وأوراقه في كل ليلة بعد أن يهدأ القتال في انتظار استئنافه غداً، ليدون مجموعة أفكار وخواطر يمكن لعنوانها الأصلي أن يقول لنا الكثير عنها وعن صاحبها. فهو وضع لها في الأصل عنوان "موجهة إلى ذاتي"، بمعنى أنه إنما كان يدونها يوماً بيوم لمجرد أن يقرأها هو ليس كذكريات أو كنصوص مسلية، ولكن كنوع من محاسبة الذات وتقريعها عند اللزوم في نوع من مراجعة يومية لما كان من أمره في اليوم السابق، واستكشاف مدى التزامه في تصرفاته بما كان يحمله من أخلاق ومبادئ ومُثل عليا.

تأملات إمبراطور محارب

كان اسم الإمبراطور ماركوس أوريليوس، أما العنوان الذي استقرت عليه تلك الكتابات في نهاية الأمر فهو "تأملات" تنقسم إلى اثني عشر جزءاً تتألف من شذرات وفقرات تبدو هادئة حيناً وصاخبة آخر. وفي العموم تأملية جديرة بأن تنتمي كما سيكون مآلها بالفعل إلى أجمل نصوص الفلسفة الرواقية، حتى وإن كان المؤرخون الأكاديميون في العصور اللاحقة يستنكفون اعتبار كاتبها فيلسوفاً رواقياً حقيقياً، على نمط شيشرون وابكتاتوس وديوجين وسينيكا وبلوتارخ وغيرهم من أولئك الذين جمعوا الفكرين اليوناني والإغريقي، مستخلصين منهما درراً في الأخلاق والسلوك وحتى في السياسة. ونعرف أن مكيافيللي سيكون أول وأبرز الذين حسبوا ماركوس أوريليوس في صفوف الرواقيين.

المفكر الأخير من نوعه

مهما يكن من أمر، لا بد أن نؤكد هنا أن صاحب "التأملات" كان الأخير بين كبار الأباطرة – المفكرين، وخاتمة الفكر الرواقي، هو الذي حكم قرابة عشرين سنة إمبراطورية كانت تمزقها في عهده الحروب والثورات والأوبئة والغزوات الخارجية آتية من الشرق من لدن الفرس، أو من الشمال من لدن الهمجيين من جدود الألمان الحاليين.

ولئن كان ماركوس أوريليوس قد عرف كيف يجابه ذلك كله بنفس مقدامة ودعة فكر نادرة، فإن ما لا بد أن نذكره، أنه إنما أتى في الحقيقة إلى قمة الحكم في أكبر إمبراطورية في العالم في ذلك الحين، من خارج الحق الشرعي في الوراثة. فكل ما في الأمر أنه إذ كان طفلاً في عهد الإمبراطور الكبير هادريان، تبناه هذا الأخير تماماً، وحض وريثه أنطونينوس على أن يتخذه ولياً لعهده، لذكائه وألمعيته وإمارات النجابة التي بدت عليه باكراً. وهكذا نفذ أنطونينوس الوصية، وتقلد ماركوس مناصب قيادية وفرت له فرص تعلم وتدرب مدهشة في القصر الإمبراطوري وخارجه، كما وفرت له اختلاطاً سيتبدى فائق الأهمية في حياته بالورثة الشرعيين للفلسفة اليونانية والفكر الرواقي. ومن هنا كانت شخصيته الغريبة التي ظهرت لديه حين تسلم السلطة العليا عام 1161، إثر رحيل متبنيه المباشر الإمبراطور السابق أنطونينوس. وهو كان حاكماً صالحاً على الرغم من سوء حظه، حتى وإن كان قد شاركه في الحكم أولاً أخوه بالتبني لوسيوس فيروس، ثم ابنه كومودوس الذي سيرثه لاحقاً.

السنوات الأصعب

ولد ماركوس أوريليوس في روما في مثل هذه الأيام تماماً قبل 1900 سنة، أي في ربيع عام 121، ليرحل بعد ذلك بـ58 سنة عام 180. هو الذي أمضى في السلطة السنوات العشرين الأخيرة من حياته، وكانت بعض السنوات الأكثر صعوبة في تاريخ الإمبراطورية الرومانية كما أشرنا. غير أنه عرف على أي حال كيف يسلم الإمبراطورية لدى رحيله بأفضل كثيراً مما كان تسلمها، بعدما استطاع الانتصار على كل المصاعب التي اعترضت طريقه ما جعل ماكيافيللي يعتبره بعد ذلك بثلاثة عشر قرناً، واحداً من الأباطرة الخمسة الذهبيين الكبار في التاريخ الروماني، ناهيك عن اعتباره الإمبراطور الأخير الذي عرف كيف يحافظ على السلام الروماني (باكس رومانا) في المنطقة المتوسطية. ومع ذلك لا بد من أن نكرر هنا، أن التاريخ أبقى على ذكر ماركوس أوريليوس بوصفه مفكراً إنسانياً كبيراً بأكثر مما وصفه رجل سياسة أو حرب. وكان ذلك بفضل "التأملات"، ولكن كذلك بفضل عدد من النصوص الأخرى له. ولكن ما هو كتاب "التأملات"؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إبداعات ساعات الراحة

هي تلك الأفكار والتعليقات التي سطرها ماركوس أوريليوس خلال ساعات راحته القليلة بين معركة وأخرى في الحملة الدانوبية الثالثة، وكان العمر قد تقدم به وبدا سئماً من القتال والسياسة يحن إلى لحظات صفائه الماضية، ويتذكر الكتب التي قرأهها، بخاصة تحت إشراف أستاذه فرونتون الذي كان من حملة فكر تنويري ورواقي متقدم، كما تحت إشراف هيرودوس آتيكوس، علماً بأن الاثنين كانا يدينان بالممتع من أفكارهما لإبيكتيتوس وللفكر الإغريقي بصورة عامة. وفي هذا السياق لن يدهشنا أن يكون ماركوس نفسه قد كتب "التأملات" باليونانية التي كان يتقنها إتقانه اللاتينية، لكنه كما يبدو جعل لاتينيته للحرب والسياسة بينما كرس يونانيته للفكر والتأمل الفلسفي.

لعل أول ما يمكننا ملاحظته في الفقرات والمقطوعات وحتى السطور الصغيرة التي حملت تأملاته هو رنة الكآبة التي تسيطر عليها، على الرغم من أن الفكر الرواقي بشكل عام كان لا يخلو من تعاط مريح وأحياناً لاهٍ مع شؤون الحياة نفسها. ولكن ألم نشر أعلاه إلى أن من الصعب بعد كل شيء أن نصنف فيلسوفنا الإمبراطور رواقياً خالصاً؟ وألا يمكننا أن نجد تأثير الوضع السياسي الصعب الذي عاشه، غامراً أفكاره، نائياً بها عن ذلك الحبور الفلسفي العميق الذي طبع الفكر الرواقي؟

تشاؤمية ما

في نهاية المطاف كانت رواقية ماركوس أوريليوس، لا سيما في طابعها الأخلاقي والإنساني العميق تقربه من تشاؤمية إبيقورس في بحثه عن ترياق لمعاناة البشر تحت ربقة الشرط التاريخي لحياة الإنسان. ومن هنا نراه يمزج رواقيته بقدر كبير من النزعة الإغريقية التي ما برحت تتطلع إلى العثور عن عدالة ما في حياة البشر. ومن هنا كذلك لم يكن غريباً أن يحول الإمبراطور المتأمل مجمل نظريات الرواقيين الذين سبقوه إلى نوع من تفحص دائم للضمير وسعي إلى التساؤل عما حل بالسعادة التي وُعد بها البشر. ولم يكن إميل برهييه بعيداً من الصواب حين كتب في دراسة له عن ماركوس أوريليوس و"تأملاته" أن "الموضوعية التي تشكل محور تأمله ليست سوى موضوعية ارتباط الفرد بالكون الذي يعيش فيه. فهذا الارتباط هو الشيء الوحيد الذي يعطي، في رأيه، "معنى ثابتاً للحياة التي هي في طبعها متقلبة عارضة". كما لم يكن بعيداً من الصواب أيضاً مؤرخ الفلسفة الفرنسي آلان ميشال، إذ كتب عن أوريليوس يقول، إن هدفه "لم يكن تطوير مذهب فلسفي متساوق، بل تطبيق مثل هذا المذهب في كل لحظة من لحظات حياته الواعية. ومن المحقق أن فلسفته قد تأثرت بهواجسه، ويمكن القول أيضاً أنه ما أخذ بتلك إلا ليتغلب على هذه، ومن هنا أراد فكره أن يجمع جوهر المأثور اليوناني بنظيره الروماني في وقت من أوقات الأزمة: الرواقية، الحرية والفضيلة". هذا بينما نرى ديدرو أحد أئمة التنوير الفرنسي يكتفي بأن يقول عن ماركوس أوريسليوس، "يشعر الإنسان في ذاته بمتعة خفية عند الحديث عن ذلك الإمبراطور، حيث لا يملك المرء حين يقرأ عن حياته إلا أن ينتابه نوع من حنين خفي إلى تحنان ما...". بينما أشار المفكر المصري عبد الرحمن بدوي إلى أن "نزوعاً معيناً إلى وحدة الوجود المتفائلة يغلب على التأملات، حيث إن العالم عنده بكل ما فيه من موجودات وأحداث وكائنات، تسري فيه روح الألوهية فتقوده هذه الروح إلى غاية كلية".

المزيد من ثقافة