Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروائي ياسين عدنان يعتمد لعبة القرين الحيواني والإنترنت

رواية "هوت ماروك" تحمل صورة مراكش الراهنة الى قراء الفرنسية والإنجليزية

مشهد عام لمدينة مراكش (وزارة الثقافة)

تبدو رواية "هوت ماروك" للكاتب المغربي عدنان ياسين في ترجمتيها الفرنسية والانجليزية وفية جدا للجو السردي الذي تميزت به منذ صدورها بالعربية عن دار العين (القاهرة). إنها اشبه بكوميديا حيوانية، كما يصنفها كاتبها، ويمكن اعتبارها رواية ساتيرية ساخرة تدور أحداثها حول شؤون إنسان المغرب الحديث والتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تشهدها مراكش، بل هي رواية الفضاء الافتراضي والإنترنت وطبائع البشر والانتخابات السياسية والنفس البشرية. هي رواية الرجل الذي يتحول من نكرة في المجتمع، وفي الواقع إلى عملاق على الشبكة العنكبوتية، عملاق جبار ومخيف ينشر الإشاعات للنيل من الناس وهدم أحلامهم وبث الكراهية والحقد والبغضاء بينهم.

استقبلت الصحافة الثقافية الفرنسية والإنجليزية ترجمة هذ الرواية بحفاوة وحماسة. فرواية "هوت ماروك" تمت ترجمتها إلى الفرنسية عام 2020 ضمن سلسلة "سندباد" التي تنضوي تحت لواء دار "أكت سود" (ترجمة فرانس ماير)، ثم تمت ترجمتها كذلك أخيراً إلى الإنجليزية وصدرت عن منشورات جامعة سيراكيوز 2021.

وليس العنوان الغريب المختار لهذه الرواية "هوت ماروك" سوى اسم الجريدة الإلكترونية التي يختار أن يكتب فيها رحال العوينة ويبث سمومه على موقعها. ورحال العوينة هو بطل ياسين عدنان، أو البطل المضاد كما يصنفه عدنان نفسه في إحدى مقابلاته، رجل جبان رعديد يتحول فجأة إلى خطر حقيقي  بطريقة تعامله مع الفضاء الرقمي. والإنترنت الذي كان من المفترض أن يكون مساحة تعبير وتعلم وحرية واكتشاف، يتحول على يدي بطل ياسين عدنان إلى سجن نفسي يوظفه لنشر السموم والأخبار المسيئة. ويستغرب القارئ هذا العنوان المؤلف من كلمة إنجليزية وأخرى فرنسية، وينتظر طويلاً قبل أن يفضح الكاتب أوراقه، ويكشف بعد نحو مئتي صفحة أن "هوت ماروك" هو عنوان موقع إلكتروني للأخبار وبالتالي سبب اختيار العنوان.

وقد يستشف البعض في رواية "هوت ماروك" أسلوب الكاتب ياسين عدنان في السرد، هو الذي عود القارئ العربي على التركيز على شخصية واحدة في قصصه القصيرة ليتعمق بها ويوسعها ويقدمها لقارئه متينة دسمة. وفي عمله الروائي الضخم الذي يتعدى أربعمئة وخمسين صفحة، والذي يحضر لجزئه الثاني، يختار ياسين عدنان أن يركز فضاءه السردي على شخصية رحال العويني الذي لا يريد شيئاً معيناً من هذه الدنيا، إنما يختار العمل في الظل بأسماء مستعارة ليبث النميمة والفتنة بين الناس.

حيلة سردية

يوظف ياسين عدنان السخرية والتشبيهات الحيوانية والمقاربات بين الناس والحيوانات أو بين الأحزاب والحيوانات ليعمق نقده للمجتمع. وعلى الرغم من أن عدنان لم يكتب ولو فصلاً واحداً من الرواية بينما كان موجوداً في المغرب، وبينما استغرقته عملية الكتابة حوالى أربع سنوات، فإنه تمكن أن يجسد مراكش بوضوح وتماسك، وأن يقدمها لقارئه من منظور ثقافي ساتيري تماماً كما اعتبر عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين الذي ذهب إلى القول إن فهم العالم لم يعد ممكناً بمنظور العلم الاجتماعي أو الاقتصادي وحده، وإنما بالمنظور الثقافي.

وقد تكون أبرز سمات سرد ياسين عدنان اعتماد القرين الحيواني الذي يمنحه لكل شخصية ولكل حزب، ليتحول الفضاء الروائي إلى كرنفالية حيوانية تعتمد أوجه الشبه بين طباع الناس وخصائص الحيوانات. حتى إن عدنان يفرغ الأحزاب السياسية من قضاياها وعقائدها وأيديولوجياتها ويحولها إلى رموز حيوانية منطقية ومبررة دائماً سردياً.

أصداء حول الترجمة

في كلام سابق للإعلامي ياسين عدنان معنا، اعتبر هذا الأخير أن الرواية العربية اليوم هي أكثر الأجناس الأدبية تحرراً من أسطورة الخطوط الحمر، ولعلها الأكثر جرأةً بين باقي الأجناس الأدبية والأقدر على تخطي هذه المحرمات. وقد تكون وجهة النظر هذه بالتحديد هي التي حركت النص ومنحته تفرّده، والتي جعلته يبلغ الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2017.

وقد قرأ صحافيون فرنسيون وأميركيون  مدينة مراكش في رواية ياسين عدنان، فمنهم من ذهب إلى اعتبارها قراءة سردية حكواتية بطريقة الـx-ray للمجتمع المراكشي كالكاتبة الجزائرية-الفرنسية المقيمة في باريس حسينة مشاي، ومنهم من وجد في شخصية رحال العوينة إياغو معاصراً، علماً بأن إياغو هو شخصية من مسرحية "أوتيلو" أو "عطيل" التي وضعها شكسبير في بدايات القرن السابع عشر.

وعلى الرغم من أن نقاداً وصحافيين وجدوا في نص عدنان تخطياً للتابوهات الاجتماعية والسياسية في المغرب وتخطياً للخطوط الحمر، بقي الرأي العام أن هذا النص هو قراءة سوسيو سياسية أكثر من كونه مجرد استفزاز أو نقد. فوجد الكاتب المغربي فؤاد العروي الفائز بجائزة غونكور عام 2013 أن رواية "هوت ماروك" تحفة فنية، وصنفها ضمن أفضل ثلاث روايات مغربية مكتوبة بالعربية، أو بأي لغة أخرى. كما اعتبر الكاتب المغربي الذائع الصيت الطاهر بن جلون، والحائز أيضاً جائزة غونكور (عام 1987) وصاحب رواية "طفل الرمال" ورواية "تلك العتمة الباهرة"، أن ياسين عدنان شاهد على عصره كأي كاتب حقيقي، فهو يرسم صورة معقدة ومتوهجة لمغرب يتجاوز فيه الواقع الخيال في كثير من الأحيان. ويضيف بن جلون إن هذه الرواية هي فعلاً امتداد رائع لموجة جديدة من الكتاب الشباب الذين يقدمون أعمالاً مبدعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعتبر كذلك مارغريت ليتفين، مترجمة رواية "الجليد" للكاتب المصري صنع الله إبراهيم، أن ثنائية هجاء ياسين عدنان الظريف من ناحية، وترجمة إيلينسون الماهرة من ناحية أخرى، تقدم لمحات لذيذة حول الفساد الإعلامي والمؤامرات السياسية والطريقة التي تزدهر بها كل الأكاذيب التي يسهلها الإنترنت في المغرب.

ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار أن رواية "هوت ماروك" تجسيد للوظيفة الأولى للرواية، أو بالأحرى لما كان من أسباب ازدهارها في عصرنا اليوم، بمعنى أن الرواية تفضح وتكشف وتخبر وتنقد، "أصبحت تقوم بوظائف لا يستطيع أن يؤديها الشعر بحكم طبيعته" (جابر عصفور، زمن القص، ص163). فـ"هوت ماروك" جولة مرحة وبارعة في المغرب، جولة في السياسة والمجتمع والإنترنت والإنسان، جولة ستضع شيئاً من مراكش في متناول القارئ الأجنبي بحنكة ولباقة.

المزيد من ثقافة