Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متحورة "دلتا" تعيد شبح الإغلاق الكامل إلى المغرب

8.9 مليار دولار خسائر السياحة بسبب الجائحة خلال العام الحالي

إحدى أسواق مراكش في المغرب (غيتي)

منذ أن بدأ فيروس كورونا في الانتشار بنسخته الأولى، وصولاً لآخر متحورة منه "دلتا"، سريعة الانتشار، كان لدى الحكومات والمواطنين هاجس الحفاظ على صحة المجتمع حتى تحقيق مناعة جماعية، وهاجس حماية الاقتصاد من الانهيار بفعل إجراءات الإغلاق. وهنا، كانت تدابير الحكومات في مد وجزر خاضعة لتغير منحنى الحالات، فتارةً يتم الإغلاق، وتارةً يتم التخفيف منه. 

في المغرب مثلاً، فرضت الحكومة في مارس (آذار) الماضي إغلاقاً كلياً دام زهاء 4 أشهر ليتم تخفيفه جزئياً مع الحفاظ على بعض الإجراءات.

وبعد أن انتصر في معركته الأولى ضد الوباء بفضل نسبة تلقيح صنفت الأولى أفريقياً، وبعد أن نزلت أرقام الإصابات لنسب ضعيفة، عاد الوضع في الشهر الأخير للتأزم، خصوصاً بعد عيد الأضحى، وبعد تخفيف قيود السفر بين الدول لتشهد أعداد الحالات ارتفاعاً صاروخياً، حيث وصل عدد الإصابات اليومية إلى عشرة آلاف، فيما ظل عدد الوفيات يراوح المئة يومياً. 

وأمام هذا الوضع همست الحكومة بإمكانية العودة للحجر في صيغته الكلية، وفرضت أولاً إغلاقاً مسائياً، وهنا غصّت مواقع التواصل الاجتماعي بعلامات الاستفهام.

آثار الموجة الرابعة

وعلى الرغم من التأثير الواضح على مجموعة من القطاعات والأنشطة الاقتصادية التي إما عرفت توقفاً كاملاً، أو تراجعاً كبيراً، في أدائها الاقتصادي، يرى متخصصون أن المغرب تجاوز مرحلة الصدمة وسارع لإيجاد مقاربات كانت فعالة في مواجهة تداعيات كورونا. وهنا يقول الباحث الاقتصادي ناصر بن حميدوش، "على الرغم من وضعية الانكماش التي عاشها الاقتصاد الوطني خلال 2020، على غرار غالبية الاقتصادات العالمية، وعلى الرغم من أن مجموعة من التحليلات الاقتصادية تعتبر أن الاقتصاد الوطني لن يسترد عافيته قبل 2023 على اعتبار استمرار ظهور تأثيرات الأزمة الصحية خلال العامين الحالي والمقبل، فإنه بدأت تبرز بوادر تفاؤل حذر بتحقيق نمو اقتصادي في عام 2021". 

وأضاف ناصر بن حميدوش، أنه "بصفة عامة، بدأت الدورة الاقتصادية في المغرب تأخذ منحاها نحو التصاعد واستعادة عافيتها، حيث يتوقع بنك المغرب خلال هذه السنة نسبة نمو تعادل 4.7 في المئة ومعدل تضخم دون 1 في المئة، وذلك استناداً إلى عوامل عديدة على رأسها ارتفاع نسبة التلقيح ضد الفيروس، وتسجيل موسم زراعي جيد بفضل الظروف المناخية المواتية وعائدات الجالية المغربية بالخارج، وكذلك القطاعات التصديرية الصناعية، وعودة بعض الأنشطة ذات الطابع الخدماتي إلى نشاطها بشكل متدرج، مثل السياحة، مع استثمارات عمومية في 2021 ستصل إلى 230 مليار درهم (25 مليار دولار)، ما سيعزز من تنفيذ خطة إنعاش مختلف قطاعات الاقتصاد المغربي الرامية إلى الحد من الآثار السلبية للأزمة الصحية المرتبطة بكورونا، على النسيج الاقتصادي، وهو الأمر الذي يهدف إلى الرفع من القيمة المضافة في مجموعة من القطاعات الإنتاجية، ودعم قطاع المقاولات التي تعاني صعوبات مالية، والرفع من احتياطات العملة الصعبة". 

تداعيات اقتصادية واجتماعية 

وسط تخوفات من العودة للإغلاق الكلي وما له من تداعيات اقتصادية واجتماعية استبعد متخصصون ذلك، حيث يرى جمال الدين بوزيدي، اختصاصي في الأمراض التنفسية والحساسية والمناعة السريرية، رئيس العصبة المغربية لمحاربة السل والأمراض التنفسية، أن العودة للإغلاق الكامل أمر مستبعد طرحه من كل الجوانب، سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية، كما يربط ذلك بما حققه المغرب من نجاح على مستوى عملية التلقيح، حيث صنف الأول قارياً على اعتبار أن 50 في المئة من الجرعات الموزعة في أفريقيا تم توزيعها بالمغرب، ما ساهم في حماية الطبقات الأولى الأكثر استهدافاً من الفيروس، وهم المسنون وذوو الأمراض المزمنة والمناعية، كما يردف بوزيدي أن الإغلاق الأول صاحبه نقاش كبير حول نجاعته ودوره وسلبياته. 

وفيما يخص الارتفاع الصاروخي لحالات كورونا يُرجعه بوزيدي لعدة أسباب ذاتية وموضوعية، منها عملية "مرحباً"، ودخول مغاربة الخارج، إضافة لعيد الأضحى، وما رافقه من طقوس وحركية كبيرة، ثم خروج المغاربة في عطلتهم الصيفية، فيما يشدد على أن أهم الأسباب تتمثل في التراخي الذي شهده سلوك المغاربة تجاه الإجراءات الاحترازية من تباعد وتعقيم، بل إن فئة من المواطنين رفضت فكرة التلقيح في مرحلة أولى، التلقيح الذي ختم بوزيدي بالقول إن له الفضل في حفظ أرواح المغاربة، إذ إنه لو واجه المغرب متحورة "دلتا" من دون تلقيح لسجل آلاف الوفيات يومياً كما هو الشأن بالنسبة لبعض الدول. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السياحة تحصي خسائرها للعام الثاني  

في مقابل تفاؤل البعض الذين استبعدوا إمكانية العودة للحجر الشامل هناك الشركات العاملة في السياحة التي تتوجس من هذا الاحتمال لما له من تداعيات كارثية على قطاع السياحة، وهنا يرى الزوبير بوحوت، المتخصص في القطاع السياحي، أن السنة الحالية ستتكبد فيها السياحة المغربية خسائر فادحة مقارنة مع سنة 2019 التي سبقت ظهور الوباء، حيث يتوقع انخفاض عدد الوافدين من 12 مليون سائح سنة 2019 إلى ثلاثة ملايين سائح هذه السنة، أي بانخفاض نحو 75 في المئة. 

وفيما يخص ليالي المبيت، وبعد أن سجلت سنة 2019 أكثر من 25 مليون ليلة، يتوقع ألا تتجاوز هذه السنة 5 ملايين ليلة مبيت بتقلص نسبته نحو 70 في المئة، حيث سينخفض عدد ليالي مبيت السياحة الخارجية من 17 مليوناً إلى أقل من 4 ملايين ليلة، فيما سيتقلص عدد ليالي السياحة الداخلية من أكثر من 7 ملايين إلى مليوني ليلة مبيت. 

هذا التراجع في المؤشرات السياحية الذي وصفه الزوبير بوحوت بالمخيف سينعكس سلباً على مستخلصات العملة الصعبة من قطاع السياحة، حيث توقع خسارة 8.9 مليار دولار بين السياحة الخارجية وأنشطة شركات الطيران هذه السنة. 

وكالات السفر وشبح الإغلاق  

بعد العودة لتعليق الرحلات الجوية وتقييد السفر داخل المغرب بشروط عادت وكالات السفر المغربية لتعاني الركود في ظل ضعف مداخيل السياحة الداخلية. 

ولعل ما عمق جراح هذا القطاع هو توقف الدعم الحكومي الخاص بصرف أجور المستخدمين فيه، عن طريق الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، منذ شهر يونيو (حزيران) الماضي، وسط مطالب بإعادة هذا الدعم للحفاظ على مناصب الشغل. 

وأمام هذا الوضع، وتخوفاً من كل احتمال للعودة للإغلاق الشامل، دقت وكالات السفر ناقوس الخطر، محذرة من أن استمرار الركود بقطاع يضم نحو 1600 وكالة يهدد بالدرجة الأولى العمال على اعتبار أن مالكي المقاولات باتوا من دون سيولة لدفع الأجور.

الفنادق الصغيرة مهددة بالإفلاس 

أمام حالة شبه الركود التي بصمت الحركة السياحية، وكباقي المؤسسات السياحية، تأثرت الفنادق الصغيرة الشعبية ودور الضيافة "فنادق ذات طابع تقليدي"، حيث انخفض رقم معاملاتها بـ80 في المئة. 

ومن دون تحقيق المداخيل المعتادة تراكمت ديون المصارف والموردين على هذه المؤسسات، إضافة إلى المستخلصات الضريبية على مقاولاتهم السياحية. 

ونبّه مهنيون إلى أنه من أصل 1200 دار الضيافة فقط 50 منها تمكنت من استئناف نشاطها بشكل جزئي وبسبب عدم قدرة المستثمرين الصغار المالكين لهذه المشاريع على مواجهة مصاريف تشغيلها في غياب أي دعم حكومي في هذا الشأن، فإن ما يربو على 5000 من الوحدات الفندقية الصغيرة ودور الضيافة باتت مهددة بالإفلاس القريب. 

التخصيص لمواجهة الجائحة

وتعمل مصالح وزارة الاقتصاد والمالية على إعداد مشروع جديد للتخصيص في إطار خطة الإنعاش لما بعد مرحلة فيروس كورونا بغايات وتوجهات جديدة. 

ويدخل هذا المشروع ضمن إجراءات إعادة هيكلة القطاع العمومي بغية تسريع بيع حصص الأقلية المباشرة وغير المباشرة التي تملكها الدولة، إضافة إلى فتح رأسمال بعض المقاولات العمومية. 

وبحسب التقرير السنوي لسنة 2020 لمديرية المنشآت العامة والخصخصة، التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، فقد تم بسبب ظروف الجائحة تأجيل تفويت مساهمات الدولة المقررة في قانون مالية 2020 لعامي 2021 و2022. 

وبحسب معطيات التقرير نفسه، تضم المحفظة العمومية للدولة في نهاية 2020 ما مجموعه 268 مؤسسة ومقاولة عمومية، بينها 225 مؤسسة عمومية و43 شركة مساهمة مملوكة بشكل مباشر من الخزينة، بالإضافة إلى 492 شركة تابعة أو مساهمة عمومية غير مباشرة. ومن بين هذه المؤسسات والمقاولات العمومية، هناك شركتان فقط مدرجتان في بورصة الدار البيضاء، يتعلق الأمر بشركة اتصالات المغرب وشركة "SODEP". 

وقد أثرت الجائحة على قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية، بشكل متباين، وذلك حسب طبيعة أنشطتها، حيث إن المقاولات والمؤسسات التي تنشط في قطاعات المطارات والطرق السريعة والسكك الحديدية والطاقة، وفي القطاع السمعي - البصري، والتهيئة، شهدت توقفاً واضحاً أو شبه كلي لنشاطها، فيما كان لقطاعات أخرى كالبنوك والموانئ والاتصالات، والتعدين مقاومة أكبر لتخفيف الأضرار. 

وسجل التقرير أن الدولة واكبت المؤسسات والمقاولات العمومية الأكثر تضرراً من هذه الأزمة، حيث ناهزت الحاجة التمويلية الإجمالية للمؤسسات والمقاولات العمومية النشطة في المطارات والطرق السريعة وقطاعات السكك الحديدية والطاقة والقطاع السمعي - البصري، والتهيئة، نحو 1.4 مليار دولار برسم سنة 2020. 

توقعات بتعافي الاقتصاد

وربط صندوق النقد العربي في تقرير "آفاق الاقتصاد العربي" تطور الوضع الوبائي في ظل ظهور السلالات المتحورة، ومدى تقدم المغرب في عملية التلقيح بمدى التأثير المتوقع على النمو الاقتصادي للبلاد. 

وسجل التقرير أن مواصلة الدعم المالي والنقدي ضمن حزم التحفيز، بقيمة 2.3 مليار دولار، هو عامل مؤثر آخر على الاقتصاد المغربي من خلال المساهمة في تمويل المشاريع الاستثمارية الهيكلية الكبرى وتعزيز رأسمال الشركات ودعم الأنشطة الإنتاجية. 

وبحسب صندوق النقد العربي فمن المنتظر أن يسجل الاقتصاد المغربي انتعاشاً ملحوظاً بـ5.3 في المئة خلال السنة الجارية، بعدما عرف انكماشاً يقدر بنسبة 6.3 في المئة العام الماضي. ويرجع المصدر نفسه التعافي المتوقع هذه السنة إلى التحسن في ناتج القطاع الفلاحي بنسبة 17.6 في المئة. 

وفيما يخص عام 2022، يتوقع الصندوق أن يرتفع النمو الاقتصادي بـ3.3 في المئة، ما يعني انخفاضاً متوقعاً بنسبة 2 في المئة للقيمة المضافة الفلاحية، مع إمكانية تحقيق مستوى متوسط لإنتاج الحبوب. 

وحذر الباحثون بنفس المؤسسة من تحد كبير يواجه الحكومة المغربية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، وهو المتمثل في تحقيق التوازن بين الحاجة إلى مواصلة إجراءات الدعم من جهة، التي نتج عنها ارتفاع مستوى الدين العام والعجز المالي، وبين ارتفاع مديونية عديد من القطاعات وضمان الاستقرار المالي من جهة أخرى. 

وختم تقرير صندوق النقد العربي، بكون تحقق كل التوقعات مرتبط بالأساس بمدى تطور الحالة الوبائية، والنجاح في توسيع عملية اللقاح لتحقيق مناعة جماعية تجنب البلاد الدخول في حالة إغلاق شامل يشلّ أغلب قطاعات الاقتصاد المغربي.