Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في "مسرح الجريمة" العائلة كلها متهمة بقتل فتاتها

عرض مصري يشرك الجمهور في الحدث والبحث عن القاتل

مشهد من عرض "مسرح الجريمة" المصري (الخدمة الإعلامية للفرقة)

يدخل المخرج المسرحي المصري محمد علام، في أحدث عروضه "مسرح الجريمة"، منطقة جديدة بالنسبة إليه، وبالنسبة إلى المسرح المصري عموماً، إذ لم يسبق لغيره خوض مثل هذه التجربة من قبل، خصوصاً على المسرح، فثمة برامج إذاعية فعلتها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

العرض إنتاج نقابة المهن التمثيلية برئاسة الفنان أشرف زكي، وإشراف مهندس الديكور وائل عبدالله، المسؤول عن مسرح النقابة. وحسناً فعلت النقابة برعايتها العرض، فمثل هذا النوع من العروض ربما لا يتحمس له منتجو القطاع الخاص، باعتباره مغامرة غير مضمونة النجاح.

مسرح تفاعلي

التجربة اعتبرها المخرج، في تقديمه لها، مسرحاً تفاعلياً، يشارك الجمهور في صناعته، أو فك شفرته، عقب انتهاء الأحداث مباشرةً، ويدخل في حوار مع الممثلين، ليتوصل في النهاية إلى الشخص الذي يظن أنه ارتكب جريمة القتل التي حدثت خلال العرض.

النص إنتاج ورشة كتابة "مسرح الجريمة"، ويدور حول ابنة توفي والدها الرجل الثري الذي يملك كازينوهات عدة، تاركاً ثروة ضخمة. ولأن سلوكها غير سوي، وعلاقتها بوالدها لم تكن على ما يرام، بسبب سلوكياتها، فإن الوصية التي تركها الأب تخصص لها جزءاً بسيطاً، بينما تذهب بقية الثروة إلى العم والعمة والخادمة.

تتفق الفتاة مع محامي العائلة على تزوير الوصية، لتحصل وحدها على الثروة، ويحدث عديد من المفارقات، خاصة أن المحامي يتلاعب بالجميع، ويعد عميلاً مزدوجاً لدى الفتاة، من جانب، ولدى أفراد العائلة، من جانب آخر. ونتيجة للصراعات التي نشأت بعد وفاة الأب، للاستحواذ على ما تركه من أمول ومنشآت، ولخوف الفتاة من ضياع هذه الثروة، تدبر مكيدة للعائلة كلها، بحيث تدعوهم لحفلة عشاء، وتضع لهم السم في الطعام، لتتخلص منهم دفعة واحدة، لكنهم لم يتناولوا الطعام. فقد منعتهم الخادمة التي علمت بالأمر، وفي النهاية يتم التخلص من الفتاة نفسها بالقتل.

غير أسوياء

فضلاً عن الفتاة، فإن كل شخصيات العمل غير سوية، العم، والعمة، والزوج الذي ارتبطت به في السر، لكونه متزوجاً بأخرى، وابن العم، والمحامي، والخادمة، ولاعب الورق، الذي كان يعمل في كازينو الوالد، وارتبطت به الابنة أيضاً في علاقة عاطفية. وكل منهم لديه سبب للتخلص من الفتاة، ما يوسع دائرة الاتهام، ويثير خيال المشاهد بحثاً عن القاتل. وقد انحصر الأمر في النهاية في ثلاثة أشخاص هم العم والخادمة والزوج، بعد سؤالهم من قبل المحقق، وورود أدلة البحث الجنائي.

عقب انتهاء العرض أعاد المخرج حدثين، طلبهما الجمهور، كعاملين مساعدين يمكن أن يتوصل من خلالهما إلى تحديد شخصية القاتل، ثم بدأت تساؤلات الجمهور التي وجّهها إلى الممثلين، كي يتوصل، من خلال أجوبتهم، إلى شخصية القاتل، وإن أغلقت الليلة على مجموعة من التكهنات التي لم يتم حسمها، ليظل السؤال عالقاً: من القاتل؟

البناء الدرامي

وعلى الرغم من أن الهدف كان إشراك الجمهور في تحديد شخصية القاتل، فإن العرض لم يسقط في فخ تقديم الألغاز، ولم ينشغل فقط بطرح جريمة قتل. وانتبه صُنّاعه إلى أنهم يقدمون مسرحاً، ومن هنا جاء العرض، على مستوى الدراما، مبنياً بإحكام. هناك قضية واضحة يتناولها، وثمة تطور في الأحداث، يجري بشكل طبيعي، وإيقاع منضبط. والأمر لم يتوقف على جريمة القتل فحسب، بل تم الغوص في أعماق الشخصيات للكشف عن طبيعتها وصراعها المحموم من أجل المال، حتى لو أدى ذلك إلى ارتكاب جريمة قتل، فضلاً عن جانب أخلاقي خفي. وحسناً أن جاء خفياً، ويتلخص في أن الأموال التي جمعها الأب من العمل في الملاهي ودور اللهو، كانت وبالاً على العائلة كلها، ولم يبرزها العرض بشكل واضح، ولم يُشر إليها من قريب أو بعيد، فقط هي الأحداث والتأمل فيها، ما يفضي إلى ذلك.

وحرص مخرج العرض على إكمال الصورة، حتى خارج العرض نفسه، فموظفو الاستقبال والمساعدون في العمل، يرتدون جميعاً زياً أقرب إلى أزياء رجال الشرطة، وكأننا بالفعل داخل مخفر يتم التحقيق فيه مع متهمين بجريمة قتل.

 

حرص صناع العرض أيضاً على جانب الترفيه، أو التسلية، وهو من وظائف المسرح، فحفل العرض بعديد من المشاهد الكوميدية النابعة من المواقف، والمطعمة كذلك ببعض "الإفيهات"، من دون الاستغراق فيها حتى لا يخرج العرض عن مساره، وذلك لتقديم وجبة مسرحية بقدر ما فيها من عمق وجدية، بقدر ما فيها من خفة تجعل العرض مقبولاً لدى المشاهدين من غير المتخصصين، فهو يقدم نفسه أساساً للجمهور العام، وهذا أمر يحسب له، وإن ذهب إليه بشروط الصانع، وليس بشروط المتلقي، التي يصعب لعرض، يريد أن يكون جادّاً، الاستجابة لها كلها.

جودة التمثيل

التمثيل كان أحد العناصر المهمة في العرض، راندا البحيري، في دور الابنة، أداء واعٍ، وفهم جيد لطبيعة الشخصية، واستفادت من خبراتها في السينما والتلفزيون، ووعت متطلبات العرض المسرحي، فمثلت عموداً فقرياً للعرض، ليس بحجم دورها فحسب، ولكن أيضاً بكيفية تقديم الدور، بما يناسب الوسيط الذي تتعامل معه. محمد يوركا في دور العم الذي لعبه بخفة دم ملحوظة أضافت الكثير إلى العرض، كان واعياً لطبيعة هذا العم الشرير الخفيف الدم، فأدى الدور ببساطة وتلقائية. محمد علام (مخرج العرض) في دور المحقق، وياسر الرفاعي في دور الزوج السري، طاقة كوميدية هائلة لم تأخذ بعد المساحة التي تستحقها، وكذلك عبير فاروق في دور الخادمة، الذي أدّته برصانة وتنظيم جيد لانفعالاتها وردود فعلها. ومعهم شيماء علي، وسحر حسن، وإبراهيم سعيد، ونيللي الشامي، وعبدالله عبدالغني، ومادونا، وإسلام عرفة، ومحمد حمدي، ومؤمن محمد، وعادل دياب، ونور أبو البيه، كل في حدود المساحة التي شغلها، كفريق على قدر عالٍ من التناغم، واستطاع المخرج توظيف طاقاتهم بشكل جيد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الديكور الذي صممه مصطفى حامد عبارة عن بهو كبير لقصر العائلة، جاء واقعياً، فيه من الرصانة والفخامة ما أسهم في تدعيم صورة العرض بشكل جيد. تفاصيل كثيرة ودقيقة حرص عليها، واختيار واعٍ لألوانه. وتضافرت معه إضاءة وليد درويش الواعية، هي الأخرى، بلحظات التوتر والصراع، وهو ما سارت عليه موسيقى أشرف محروس، التي أسهمت في صناعة دراما العرض، وأدرك واضعها أنه بصدد عمل فيه من التشويق والإثارة، ما يتطلب جملاً موسيقية تسهم في تعميق أحداثه.

يحسب لصناع هذا العرض التفكير خارج الصندوق، ومحاولة صناعة مسرح مختلف، وتحفيز الجمهور على التفاعل والمشاركة والسعي إلى اكتشاف القاتل. ولكون العرض يغلق على عدم إعلان القاتل، فهو ذكاء من المخرج، فالغرض ليس التسابق إلى معرفة القاتل، بل فكرة التحفيز على المشاركة هي المطلوبة هنا، خاصة أننا أمام عمل مسرحي توافرت له عناصر طيبة، وطرح قضية اجتماعية معيشة، ولم يلجأ إلى موضوع غرائبي يتيح له مساحة أوسع من الخيال ليفعل ما يريد، من دون أن يمس قضية تخص الجمهور، وهذا في حد ذاته أمر جيد.

المزيد من مسرح