Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران أمام احتمالات عدة للتعامل مع انتقال الحكم إلى "طالبان"

قد تطبق طهران الخبيرة بالحروب بالوكالة النموذج السوري أو العراقي أو اليمني في أفغانستان

جنود إيرانيون يقدمون مساعدات لأفغان نزحوا إلى حدود بلادهم مع محافظة سيستان وبلوشستان في جنوبي شرق إيران (أ ف ب)

سيبقى مشهد خروج الولايات المتحدة من أفغانستان يتكرر في الأذهان كمشهد مزعج من فيلم أميركي طويل، درامي وصادم. ولن تنجلي خلفيات الحدث إلا بعد مرور وقت طويل، تُثار خلاله تحليلات وتقارير. ولكن ذلك لن يعيد الأحداث إلى الوراء، ولن يلغي مشهد الناس المعلقة بعجلات الطائرات المغادرة، كالمعلق بحبال وهمية، هرباً من جحيم وطن، إلى بلاد "العم سام" حيث تحقيق الأحلام متاح. قارن كثيرون بين مشهد "سايغون" عاصمة فيتنام في عام 1975 ومشهد كابول عاصمة أفغانستان في عام 2021، ويرى البعض أن المقارنة قد تصح، طالما لم يُفهم الموقف الأميركي، وبقيت تصريحات المسؤولين الأميركيين في إطار الحفاظ على ماء وجه واشنطن. بينما يرى آخرون أنه بهذا الخروج، رمى البيت الأبيض كرة النار الأفغانية من يده إلى أيادي العالم أجمع.

أفغانستان التي "طردت" أكبر قوتين دوليتين هما الاتحاد السوفياتي 1989 والولايات المتحدة 2021، يصادف الشهر المقبل، الذكرى العشرين لاجتياحها من قبل الأميركيين وحلفائهم، فبعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، قررت أميركا انتقاماً لضحايا ذلك اليوم المفصلي في تاريخها، خوض معركتها ضد تنظيم القاعدة وزعيمها آنذاك أسامة بن لادن. وبعد نحو شهر، بدأ قصف أفغانستان وبدأت معه أطول الحروب الأميركية في التاريخ. ومع هذا لم تستطع واشنطن القضاء على "طالبان" التي سيطرت خلال أيام فقط على مقاليد الحكم، حتى قيل إن انتقال السلطة بين حركة "طالبان" والقوى الدولية كان أسلس من انتقال السلطة بين الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب وخليفته جو بايدن.

لماذا أفغانستان؟

تُعد أفغانستان من الدول الغنية بالمعادن، حيث تشير البيانات إلى أن المعادن الأرضية النادرة فيها تُقدر قيمتها بما يتراوح بين تريليون و3 تريليونات دولار في عام 2020، وفقاً لتقرير نشر في مجلة "ذا ديبلومات" (The Diplomat). وأصدرت وزارة الدفاع الأميركية في عام 2010، مذكرة داخلية بعنوان "أفغانستان المملكة العربية السعودية لليثيوم" (Afghanistan the Saudi Arabia of lithium) بعد أن اكتشف الجيولوجيون الحجم الهائل للثروة المعدنية في البلاد، من الحديد والنحاس إضافة إلى كمية هائلة من الليثيوم. كما تضم أفغانستان كميات كبيرة من معدن النيوبيوم، وهي مادة حيوية تدخل في تصنيع الفولاذ المقوى، وتحمل أرضها كميات من البترول والغاز الطبيعي واليورانيوم والفحم والنحاس والرصاص والكبريت والزنك وخام الحديد والملح والأحجار الكريمة. لذا عندما دخل مقاتلو "طالبان" إلى كابول في 15 أغسطس (آب) الحالي، لم يسيطروا على إدارة الدولة فحسب، بل استولوا على ثروة هائلة تسعى إليها دول عدة، مجاورة وبعيدة. وأصبح بمقدور الحركة استغلال كميات ضخمة من المعادن التي تُعد ضرورية لبناء اقتصاد الطاقة النظيفة العالمي. من هنا الخوف من أن تصبح البلاد مشرعة أمام أطماع دول تسعى لاستغلال تلك الثروات، وعلى رأسها الصين.

حدود أفغانستان "الخطيرة"

إذاً، خلّف الانسحاب الأميركي وراءه، دولةً تتنازع على أرضها مصالح دول، ترتبط مع عدد منها بحدود مشتركة، كطاجيكستان وأوزباكستان وتركمانستان من الشمال، وإيران من الغرب، وباكستان من الشرق والجنوب، والصين من الشمال. وأطول تلك الحدود تمتد مع باكستان على مسافة أكثر من 2600 كيلومتر، تليها إيران حيث يبلغ طول الحدود الأفغانية معها نحو 945 كيلومتراً، وسيطرت طالبان على أبرز معبرَين بين الدولتين، وهما "إسلام قلعة" و"أبو نصر فراهي". ويريد قسم آخر من الدول استغلال أفغانستان لتثبيت نفوذ دولي، كروسيا والصين، بينما الكل يتهيب من عودة المنظمات المتطرفة مثل "القاعدة" و"داعش" إلى تأسيس ملاذات آمنة لها بين تضاريس تلك البلاد الوعرة. ومع أن المباحثات كانت تجري مع الحركة حول الانتقال السلمي للسلطة وتحقيق المصالحة الوطنية في أفغانستان، في العاصمة القطرية الدوحة، إلا أن معظم التقارير والمقالات البحثية تشير إلى أن "طالبان" تقدم نفسها كملهم ومرشد للحركات المتشددة في الإقليم. وعلى الرغم من أن "اتفاق الدوحة" شدد على عدم استخدام أفغانستان كنقطة هجوم على أميركا وحلفائها، فإن ذلك لا يعني فك الارتباط بينها وبين "القاعدة"، كما تربطها أيضاً علاقات بجماعة "ولاية خراسان" التابعة لـ "داعش". من هنا تتخوف إيران من سيطرة الحركة بشكل كامل على البلاد، فاستبَقت الخروج الأميركي واستضافت عبر وزارة خارجيتها وفدين من الحكومة الأفغانية وحركة "طالبان" في 7 و8 يوليو (تموز) الماضي، في محاولة سريعة لسد الفجوة الدبلوماسية التي أحدثها رحيل القوات الأميركية.
وإضافة إلى الدبلوماسية، تعزز طهران انتشارها العسكري على الحدود الأفغانية. وأظهرت مقاطع فيديو مصورة بهواتف محمولة، نُشرت أخيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، صفوفاً من المعدات والآليات العسكرية التابعة لـ"الحرس الثوري" الإيراني والقوات المسلحة الوطنية الإيرانية "أرتيش"، أثناء نقلها إلى الحدود مع أفغانستان. وتشمل هذه المعدات، دبابات القتال الرئيسة وناقلات جند مدرعة وأنظمة مراقبة وأصول الدعم. إضافة إلى ذلك، أفادت تقارير بأن القوات الجوية الإيرانية وضعت بعض طائراتها المقاتلة المتواجدة في الجهة الشرقية من البلاد، في حالة تأهب قصوى.
وفي تحليل لفرزين نديمي، الباحث المتخصص في الشؤون الأمنية والدفاعية المتعلقة بإيران ومنطقة الخليج، نُشر عبر "مركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" في يوليو الماضي، جاء أن "طهران تدرس خيارات مختلفة لتأمين مصالحها في البلد المجاور، سواء من خلال شن حرب بالوكالة، أو التدخل المباشر، أو العمل مع حركة طالبان، أو محاولة الحفاظ على الوضع الراهن".

إيران تستبق "التداعيات المحتملة"

خلال زيارة وفد "طالبان" لطهران في يناير (كانون الثاني) الماضي، بقيادة الملا عبد الغني برادر، رئيس المكتب السياسي للحركة، الذي قدم إلى طهران من مكتبه في الدوحة، التقى رئيس "المجلس الأعلى للأمن القومي" الإيراني علي شمخاني. وأكد برادر خلال الزيارة على ضرورة الحفاظ على أمن الحدود بين أفغانستان وإيران، معلناً عن استعداد "طالبان" للتعاون في هذا المجال. في المقابل، وجه شمخاني، انتقادات حادة لسياسة الولايات المتحدة في أفغانستان، مضيفاً أن "الولايات المتحدة لا تسعى للسلام والأمن في أفغانستان، واستراتيجيتها قائمة على استمرار الحرب وإراقة الدماء بين مختلف الفئات الأفغانية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


ويُذكر أن إيران رفضت استبعاد الحكومة الشرعية في كابول بقيادة الرئيس أشرف غني، عن الحوار بين واشنطن و"طالبان"، وحاولت بموازاته، فتح مسار من الحوارات بينها وبين "طالبان" من جهة، وبينها وبين حكومة غني من جهة أخرى، خوفاً من التداعيات المحتملة لتفرد الحركة بالاتفاق مع واشنطن. ونقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية حينها عن وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، الذي التقى برادر، قوله، "نحن نؤيد حكومة إسلامية شاملة في ظل وجود كل الأعراق والأديان، ونعتبرها ضرورة لأفغانستان. شعب أفغانستان مستقل ولا يجب استهدافه". من هنا، يبدو واضحاً أن التقارب بين الحركة وإيران يتم على قاعدة "عدو عدو صديقي"، وهي قاعدة ثابتة بين الطرفين، وضع أسسها قائد "فيلق القدس" السابق الجنرال قاسم سليماني منذ عام 1997. كما يتضح عمل إيران المتسق للإبقاء على نفوذ "طالبان" بموازاة حكومة أفغانية، في ترسيخ لنموذج عملت عليه في العراق، واليمن، ولبنان، أي إنشاء أو دعم كيانات موازية للدولة الرسمية. وبهذا تكون طهران تعمل على خطين متوازيين، فهي تدعم الحكومة الأفغانية عبر حليفها "تحالف قبائل الشمال"، وتدعم "طالبان" في ذات الوقت، ما يشير إلى التمدد الأخطبوطي لإيران في تلك البلاد.

إيران "الشيعية" و طالبان "السنية"

من جهة أخرى، ما يقلق إيران تحديداً هو الانسحاب الأميركي الذي تم بعيداً عن التفاهم معها، مما قد ينتجه من فوضى إثر "استيلاء" طالبان السريع على مقاليد الحكم. الجدير ذكره، أن طالبان الحركة السنية (تتبع المذهب الحنفي)، والنظام الحاكم في إيران الذي يتبع ولاية الفقيه (مذهب الإثنا عشرية الشيعي) كانا عدوين على مدى عقود. من هنا، عملت إيران ضمن هذه العلاقة المتشابكة مع الولايات المتحدة، حيث نازعتها في أجزاء كثيرة من الشرق الأوسط، ولكن في أفغانستان كانت لهما أهداف مشتركة. من هذه الزاوية تعتبر بعض التحليلات الإعلامية، أنه ليس مستبعداً حدوث احتكاك، استناداً لما حدث عام 1998، حين قتلت الحركة ثمانية من عناصر "فيلق القدس" ومراسلاً في القنصلية الإيرانية في مدينة "مزار الشريف"، ما دفع بقاسم سليماني إلى وضع خطة بالتعاون مع "التحالف الشمالي" الأفغاني، تقتضي اقتحاماً عسكرياً انتقامياً، للاستيلاء على محافظة هرات (الشيعية، التي تقع على الحدود مع إيران) وجرّ موارد "طالبان" إلى هناك، ما يمكن قبائل "التحالف" من الاستيلاء على كابول ثم الارتباط بالإيرانيين في هرات. وفي هذا الإطار تحدث مقال نُشر في "بلومبيرغ" بتاريخ 12 يوليو الماضي، عن إيران والتوجس من "طالبان"، يقول إنه "أحياناً يكون عدو العدو أسوأ من العدو نفسه". ويضيف أن "هزيمة الولايات المتحدة المهينة في أفغانستان أفرزت عدواً لإيران أشد شراسة هو طالبان، حيث إن التهديد الذي تشكله الحركة بالنسبة إلى طهران قد لا يكون وجودياً كما هو شأن الوجود العسكري الأميركي، الخصم الأقوى لإيران، ولكن مع ذلك فإن الحركة المنتصرة تشكل خطراً جسيماً على طهران في لحظة حساسة".

هل تشن إيران حرباً بالوكالة؟

اتهمت واشنطن في السابق إيران، بتقديم مساعدة سرية لمقاتلي "طالبان" ضد قواتها. ودأبت طهران على تسليح قبائل الهزارة الشيعية في البلاد، استعداداً لمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي. وتشير تقارير استخباراتية وبحثية كثيرة، عن نشاط "فيلق القدس" لتشكيل فصائل مسلحة في أفغانستان من أبناء أقلية الهزارة. واعترفت إيران رسمياً بعلاقتها بتلك الميليشيات، إذ بعد سلسلة مواقف صدرت عن الحكومة الأفغانية واعتبارها ما يحصل تدخلاً إيرانياً في شؤون بلادها الداخلية، صرح ظريف حينها، أن "عددهم لا يتجاوز خمسة آلاف مقاتل، وهم جزء من جهود مكافحة الإرهاب، ومستعدون للتعاون مع الحكومة الأفغانية". إيران الخبيرة بالحروب بالوكالة (Proxy War) من سوريا إلى العراق واليمن، قد تستخدم هذا السلاح في الداخل الأفغاني، وهي تحسبت لهذا الأمر عبر "لواء فاطميون" المخضرم، الذي أنشأته من مقاتلين أفغان من المهاجرين الهزارة الذين استقروا في إيران اعتباراً من عام 1989، حين اندلعت الحرب الأهلية الأفغانية. تم تجنيدهم وتدريبهم وتجهيزهم من قبل "فيلق القدس" للقتال في سوريا، دعماً لنظام بشار الأسد، خلال الحرب ابتداءً من عام 2012. وسُجلت زيارات عدة قام بها القائد الحالي لـ"فيلق القدس" إسماعيل قآني، (وقبله سليماني)، إلى بلدة البوكمال في سوريا، حيث يتمركز "لواء فاطميون". ولن تعدم إيران وسيلة لدعم هذا اللواء من عناصر أفغانية شيعية أخرى، مستغلةً الأوضاع الاقتصادية والبطالة الموجودة في المناطق النائية.
وستواجه إيران تهديدات أخرى مع بسط طالبان سيطرتها على أفغانستان، من ضمنها مشكلة الحشيش الذي يُعد المصدر الرئيس لإيرادات الحركة. وتُعد إيران ممراً جيداً لتصدير الحشيش إلى الأسواق الغربية، إذ تسجل أعلى معدلات الإدمان على المخدرات في العالم. وحسب مقال "بلومبيرغ"، إنه "من شبه المؤكد أن ترتفع تلك النسبة مع زيادة طالبان صادراتها من المخدرات بعد انسحاب القوات الأميركية، لتأمين مزيد من الأسلحة والمقاتلين في معاركها ضد القوات الحكومية".
يقول الباحث فرزين نديمي "يرى كثيرون في إيران أن سيطرة طالبان هي الخيار السياسي العملي الوحيد في أفغانستان، أو على الأقل الخيار الوحيد لكسب ود هذه الدولة الإسلامية". وقد تكون التحركات العسكرية الإيرانية الأخيرة على الحدود الأفغانية مجرد إجراء دفاعي احترازي، أو ربما تشكل تحضيرات لتنفيذ اقتحام عبر الحدود. ومن المهم بمكان أخذ احتمال أن تقوم طهران بتطبيق النموذج السوري أو العراقي في أفغانستان، ربما باستخدام الميليشيات الوكيلة لإنشاء ملاذ آمن للشيعة في محافظة هرات وأماكن أخرى. وبمرور الوقت، يمكن أن تنتج مثل هذه الاستراتيجية قوة عسكرية قوية تدعمها إيران بالتوازي مع قوات الأمن الأفغانية، ويشبه ذلك إلى حد كبير، ما حدث مع "الحشد الشعبي" العراقي. من هنا يجب مراقبة أي عملية نقل لقوات "لواء فاطميون" من سوريا إلى أفغانستان.

المزيد من تقارير