Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الانسحاب الأميركي... طائرتان ومشهدان

من فيتنام 1975 إلى أفغانستان 2021 تعزز السؤال: أين تبدأ المصالح وأين تنتهي؟

طابور من الفييتناميين يحاول التسلق إلى طائرة هليكوبتر أميركية في أبريل 1975 (أ.ب)

بغض النظر عن حجم الصدمة التي اجتاحت العالم بسبب تمكّن حركة "طالبان" من السيطرة على أفغانستان والعاصمة كابول حتى قبل خروج آخر جندي أميركي منها، فقد شُبِّه ما جرى ومحاولة أفغان الهرب بالطائرات المقلعة إلى أي مكان يستقبلهم بعيداً عن الحكم الطالباني المجرب والدموي والأصولي، بخروج الجيش الأميركي من العاصمة الفيتنامية سايغون عام 1975. وجرى نشر صورتين في أنحاء العالم، الأولى قديمة لمواطنين فيتناميين يحاولون التشبث بطائرة هليكوبتر فوق مركز الاستخبارات الأميركية في سايغون، والصورة الثانية حديثة من مطار كابول يحاول الأفغان فيها أيضاً التشبث والتعلق بالطائرات التي كانت تعمل على إجلاء رعايا الدول الغربية من العاصمة الأفغانية. وبالطبع، فإن هذه المقارنة ذات أهداف سياسية وعسكرية تقصد القول إن الانسحاب الأميركي أشبه بهزيمة من جهة، وإن الأميركيين يقدمون مصالحهم على مصالح الشعوب التي يحتلونها بحجة تحقيق الديمقراطية وبناء الأنظمة والحكومات التي تسعى للتقدم واحترام حقوق الإنسان، من جهة ثانية.

التاريخ يعيد نفسه على شكل مهزلة

بدأت الأحداث التي تصورها الصورة الأولى الملتقطة في 29 أبريل (نيسان) 1975 في سايغون، بعدما بثت إذاعة الجيش الأميركي خبراً مفاده أن "درجة الحرارة في سايغون تبلغ 105 درجات وترتفع"، وهذا الخبر كان رسالة مشفرة تعني أن الوضع العسكري منفلت تماماً وأنه قد بدأ الإجلاء الفوري لجميع الأميركيين المتبقين في فيتنام بعدما كانت الولايات المتحدة قد سحبت قواتها القتالية بعد توقيع اتفاقات باريس للسلام في عام 1973، تاركة نحو 5000 أميركي من بينهم الدبلوماسيون والحرس البحري والمتعاقدون وموظفو وكالة الاستخبارات المركزية. أما سبب هذا الإنذار المفاجئ والسريع، فكان استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون بسبب فضيحة "ووترغيت"، ما دفع الجيش الفيتنامي الشمالي لشن هجوم كبير في مارس (آذار) 1975، على الرغم من وعد نيكسون الفيتناميين الجنوبيين بحمايتهم ضد أي هجوم من الشمال. 

يقول توم كلافين، المؤلف المشارك لكتاب "Last Men Out: The True Story of America's Heroic Final Hours in Vietnam"، "لم تنوِ فيتنام الشمالية أبداً التزام اتفاقية 1973، كان هدفها النهائي هو توحيد البلاد"، وهي النية نفسها التي لطالما أعلنتها حركة "طالبان". لكن يبدو أن "التاريخ يعيد نفسه مرتين، وفي الثانية على شكل مهزلة"، كما يقول الفيلسوف الاقتصادي-الاجتماعي كارل ماركس. 

خلال اجتياح الجيش الفيتنامي الشمالي الجنوب لم يلقَ مقاومة تذكر ولا أي رد من العسكريين الأميركيين المتبقين. وبعد سقوط دا نانغ، ثاني أكبر مدينة في جنوب فيتنام، انطلقت موجة نزوح جماعية للفيتناميين الخائفين واليائسين من سيطرة الجيش الشيوعي وخوفاً من عمليات الانتقام المتوقعة. وتشبثوا بالدرج الخلفي لطائرة تابعة للخطوط الجوية الأميركية وسقط بعضهم أثناء تحليقها. واستقال الرئيس الفيتنامي الجنوبي نجوين فان ثيو وفر من البلاد، حيث وقف 150 ألف جندي شيوعي على ضفاف سايغون.

أين تبدأ المصالح ومتى تنتهي؟

المشهد نفسه تكرر في أفغانستان، لكن في القرن الـ21 باتت الصورة تنتقل في لحظتها حول العالم ويشاهدها مليارات البشر على عكس ما كان عليه الوضع في السنوات الفيتنامية. وعلى الرغم من ذلك تركت الصورة الفيتنامية أثرها الكبير في الولايات المتحدة و"العالم الحر"، الذي اعتبر الأمر بمثابة خيانة للفيتناميين المتحالفين مع الأميركيين وتخلٍّ عنهم لصالح العدو الهمجي. أما الصورة الأفغانية فتركت الأثر نفسه ولكن هذه المرة بشكل مضخم جداً، ما دفع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى أن يصف الأمر بأنه "كارثة"، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وصفته بأنه لطخة عار على جبين الغرب، بل واضطر ديمقراطيو مجلسي الشيوخ والنواب إلى انتقاد خطوة الانسحاب الأحادية والتقارير الاستخبارية التي لم تكن قد توقعت مثل هذا السيناريو المفاجئ. وتساءل المحللون والساسة حول العالم عن جدوى الحرب الضخمة ومن ثم الاحتلال لمدة 20 عاماً صُرفت تريليون دولار خلالها من أموال دافعي الضرائب الأميركيين والأوروبيين، إذا كانت النتيجة هي عودة حركة "طالبان" إلى الحكم، أي العودة إلى نقطة الصفر. 

سيتذكر العالم تلك اللحظة الفارقة في تاريخ الأفغان والمنطقة بمزيج من الحزن والغضب على 20 عاماً قضتها الولايات المتحدة في أفغانستان، وصرفت فيها ما لا يقل عن 2.261 تريليون دولار، حسب "مشروع تكاليف الحرب" في جامعة براون، من دون أن تضع حتى أسساً بسيطة لبناء دولة أفغانية كان معظم الشعب الأفغاني في انتظار تحققها، معتقداً أن زمن "طالبان" قد ولَّى إلى غير رجعة. 

العودة إلى المقارنة

إبان الأزمة في فيتنام وداخل العاصمة الفيتنامية الجنوبية، رفض السفير الأميركي غراهام مارتن الدعوات المتكررة للإخلاء، كان يخشى إثارة الذعر في المدينة وأراد تنفيذ التزامه التفويض الممنوح له من قبل نيكسون للحفاظ على وجود فيتنام الجنوبية. في الحالة الأفغانية، لم يتمكن السفير الأميركي من التصريح أساساً، إذ إنه لم يكن أمامه سوى خيار واحد هو إعلان وجوب الإخلاء. فالمشكلة تكمن في التوقعات، إذ لم يتوقع أحد أن انسحاب الجيش الأميركي سيؤدي إلى سيطرة "طالبان"، اعتقاداً من الحكومة الأميركية أن الجيش الأفغاني قد حصل على التمويل والتدريب اللازمين للدفاع عن البلاد، وبالطبع لم يكن هذا التقدير في مكانه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في فيتنام، أسفر قصف القوات الفيتنامية الشمالية قاعدة تان سون نهوت الجوية في سايغون عن مقتل اثنين من مشاة البحرية الأميركية كانا يحرسان مجمع مكتب الملحق الدفاعي. كان العريف تشارلز مكماهون والعريف داروين جادج آخر الـ58000 جندي أميركي الذين قُتلوا في حرب فيتنام. بعد مسح الأضرار التي لحقت بالقاعدة الجوية، أقر غراهام مارتن بأن الوقت قد حان لمغادرة سايغون، ولكن مع إغلاق الممرات البحرية وعدم قدرة الطائرات التجارية والعسكرية على الهبوط، كان لا بد من خيار الجسر الجوي بطائرات الهليكوبتر. حينها اجتمع الأميركيون وحلفاؤهم الفيتناميون في مواقع مرتبة مسبقاً لركوب الحافلات والمروحيات لتقلّهم إلى سفن البحرية الأميركية الموجودة على بعد 40 ميلاً في بحر الصين الجنوبي. في البداية كانت الخطط تنصّ على إخراج الأميركيين فقط، لكن السفير أصر على إجلاء المسؤولين الحكوميين والعسكريين الفيتناميين وموظفي الدعم، لأنه ككثيرين غيره كان يتوقع حمام دم بمجرد دخول الفيتناميين الشماليين إلى المدينة.

بينما وقع الهرج والمرج خارج مكتب الملحق العسكري، حيث ينطلق الجسر الجوي بطائرات الهليكوبتر، تجمّع ما يقارب عشرة آلاف شخص، فكان أمام جنود البحرية الأميركية مهمة لا يحسدون عليها وهي تحديد من سينقذونه ومن سيتركونه أمامهم.

وفي الوقت نفسه استولى طيارو القوات الجوية الفيتنامية الجنوبية على عدد كبير من طائرات الهليكوبتر، وحملوا عائلاتهم وكل من يمكنهم حمله على متنها وهبطوا بها على ظهر حاملات الطائرات الأميركية في عرض المحيط، وبسبب العدد الهائل لهذه الطائرات اضطر الجنود العاملون على سطح هذه السفن إلى دفع المروحيات إلى البحر لإفساح المجال لطائرات أخرى بالهبوط.

غادر آخر جنود مشاة البحرية الذين أخلوا السفارة في سايغون بعد فجر يوم 30 أبريل، تاركين آلاف الفيتناميين الذين لم يتمكنوا من الفرار. في النهاية، كانت نتيجة عملية الإجلاء أرقاماً قياسية، إذ أُخلي 7000 شخص، من بينهم 5500 فيتنامي في أقل من 24 ساعة.

المزيد من تقارير