انعكاسات هجمات ناقلات وأنابيب النفط على أسواق الطاقة العالمية

استهداف محطات الضخ في السعودية يهدد أمن الطاقة الدولي

منصة نفطية في ولاية تكساس الأميركية (أ.ف.ب.)

أصبح من المعتاد أن تُهاجم المنشآت النفطية في أي منطقة صراع في العالم لسببين رئيسيين، الأول هو أن المنتجات النفطية هي مصدر حركة المواصلات، والمواصلات مهمة، لأنها تمس حياة أغلب السكان، ومهمة في أي عملية عسكرية، الثاني أن النفط هو مصدر الدخل الأساس في الدول النفطية، ومصدر قوتها المالية، وبالتالي العسكرية والسياسية، لهذا فلا غرابة في الهجوم على السفن أو الأنابيب أو المنشآت النفطية في الخليج.

إلا أن العمليتين الإرهابيتين ضد حاملات النفط في ميناء الفجيرة ومحطتي الضخ في أنابيب شرق - غرب التابعة لأرامكو تميزتا بوجود عامل مشترك بينهما، وهو أن كليهما يتلافى مضيق هرمز، وخط أنابيب حبشان في أبو ظبي ينتهي في الفجيرة متلافياً مضيق هرمز. وإيران تعتقد أن من أهم وسائل الضغط، التي تملكها ضد المجتمع الدولي هو قدرتها على التحكم بمضيق هرمز، وبالتالي التحكم في صادرات نفط المنطقة للعالم أجمع.

لهذا فإن الهجوم على السفن ومحطات الضخ يعكس إدراك من قام به بالأثر السلبي لهذه البدائل على مضيق هرمز، كما يوضح أنه عمل مخابراتي، وليس تصرفات فردية يتطلب معرفة ومعلومات دقيقة، كما يشير إلى قيام المخططين لهذه العمليات بدراسة أهداف كثيرة، تم اختيار أكثرها بعداً وأقلها حماية.

الأثر في أسواق النفط

جاء الهجوم على ناقلات النفط يوم الأحد عندما كانت الأسواق العالمية مغلقة، إلا أن أسعار النفط ارتفعت في التعاملات الإلكترونية، ثم تراجعت بعدها، ثم ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ بعد الهجوم على محطتي الضخ في السعودية، لكن سرعان ما انخفضت لعدة أسباب، أهمها التأكيد السعودي على عدم تأثر الإمدادات والتزام السعودية بتعهداتها لعملائها، وإعلان الصين زيادة الرسوم الجمركية على وارداتها من الولايات المتحدة كردة فعل على زيادة الرسوم الأميركية على الواردات من الصين، وعودة قناة هيوستن في ولاية تكساس للعمل بعد توقفها بسبب الفيضان، الذي نتج عن الأمطار الغزيرة، التي هطلت في الأسبوع الماضي، وكون مخزون النفط التجاري الأميركي مرتفعاً بشكل كبير، في وقت قامت فيه الحكومة الأميركية  ببيع بضع ملايين من النفط من الاحتياطي الاستراتيجي. هذا البيع كان مقرراً منذ فترة كجزء من الموازنة الفيدرالية لتمويل إدارة المخزون الاستراتيجي.

باختصار، راوحت أسعار النفط في مكانها تقريباً منذ يوم الأحد الماضي، ويتفق عدد من الخبراء على أن أثر الحرب التجارية السلبي في أسعار النفط كبير، لدرجة أن أحداثاً مثل التي حصلت في الإمارات والسعودية لم تؤثر في أسعار النفط بشكل ملحوظ، ويرى البعض أن أثر تأزم العلاقات مع إيران محسوب مسبقاً في أسعار النفط، وإن ما حدث في الإمارات والسعودية هو جزء من أثر هذا التأزم، إلا أنه من الواضح أن كلتا الحادثتين لم تؤثرا في الإمدادات، لذلك كان الأثر ضعيفاً. 

خلاصة القول، إن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وعدم تأثر إمدادات النفط منعت أسعار النفط من الارتفاع.

الانعكاسات العالمية

استهداف محطتي الضخ في قلب السعودية لم يكن هدفه عرقلة ضخ النفط إلى البحر الأحمر فقط، إنما استهدف أيضاً الموقع العالمي والاستراتيجي للسعودية، كونها مصدراً آمناً، يُعتمد عليه لتزويد العالم بالنفط.

وسواء كان الأمر مقصوداً أم لا، فإن العمليتين الإرهابيتين قد تؤديان إلى تدويل الصراع في المنطقة، وبالتالي استنزافها مالياً وسياسياً، وهذا هدف سياسي لأعداء المنطقة سواء كانت إيران أو غيرها. كل ما يمكن تصوره هو أن السفن الثلاث (الرابعة كانت نرويجية) لم تكن سعودية وإماراتية، إنما بريطانية وأميركية وفرنسية، إلا أن الأمر الأهم هو أن كبار الدول المستهلكة النفط والغاز المسال تعتبر أن أمن الطاقة جزء من أمنها القومي، فإذا ما تهددت إمدادات الطاقة فإنه يجب حماية الأمن القومي. وبالتالي فإنه من السهل تصور كيفية تدويل الصراع في المنطقة إذا أصرت إيران على قطع إمدادات النفط، وبشكل غير مباشر، قطع إمدادات الغاز المسال من قطر والإمارات.

ويتخوّف البعض من أن تؤدي هذه العمليات الإرهابية التي استهدفت النفط الخليجي إلى استعادة ذكريات وسياسات الماضي في الدول المستهلكة، بحجة عدم استقرار المنطقة، فقد ينتهز البعض هذه الفرصة للتركيز على سياسات تهدف إلى تخفيف اعتماد الدول المستهلكة على النفط الخليجي، وعلى سياسات قد تستهدف استخدام النفط بشكل عام.

وفي ظل مشروع قانون "لا أوبك" في الكونغرس الأميركي، الذي يطالب بتطبيق قوانين محاربة الاحتكار الأميركية عليها، ومشروع الديموقراطيين "الصفقة الخضراء"، وفكر "استقلال الطاقة الأميركي" بعد أن أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم بسبب ثورة النفط الصخري، واتجاه عديد من الدول نحو "الطاقة الخضراء" والسيارات الكهربائية، يمكننا أن نرى كيف يمكن أن تستغل الأحداث في الخليج للترويج للسياسات التي يريدونها. 

كما أن هناك تخوفاً آخر، وهو أن التركيز على عدم أمان المنطقة قد يدفع بعض الدول إلى زيادة إنتاجها لتأكيد فكرة أمن الإمدادات، الأمر الذي قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار، إلا أنه حتى لو تم تبني هذه السياسة فإنه يعتقد أنها تكون مؤقتة.

خلاصة الأمر، إن هذه العمليات الإرهابية كانت صغيرة، إلا أن انعكاساتها العالمية كبيرة بسبب التاريخ الطويل للمشكلات السياسية في الدول النفطية وأثرها في اقتصادات الدول المستهلكة. هذا يعني أن أي عملية إرهابية تمس النفط تبنى على تاريخ سياسي طويل، وبالتالي تأخذ أكبر من حجمها سياسياً وإعلامياً.

المزيد من رأي خبير