Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سرعة انهيار نظام كابول ملفتة أكثر من انتصارات "طالبان"

بعد عشرين عاماً أنفق خلالها الأميركيون 2.3 تريليون دولار يبدو الادعاء أن القوات المسلحة كان ينقصها الوقت والموارد هو مجرد تهرب سخيف من المسؤولية

يبدو أنه من المتعذر إيقاف انتصار حركة "طالبان" في أفغانستان وهي ماضية في السيطرة على كبرى المدن الإقليمية كقندهار وهرات إلى غزنة، من دون أن تواجه مقاومة فعالة من جانب القوات الحكومية الأفغانية. فالجنود وعناصر قوى الأمن الأفغانية يفرون، أو يستسلمون، أو يغيرون ولاءاتهم ويلتحقون بـ"طالبان"، باعتبارهم لا يجدون مبرراً للموت في سبيل قضية خاسرة.

وفاجأت حركة "طالبان" العالم بسرعة نجاحها، وذلك كما تعمدت أن تفعل من دون شك. ولم يكن هناك "فاصل زمني لائق [مقبول أو كافٍ]" بين رحيل الولايات المتحدة والهجوم الذي شنته الحركة هذه، كتلك الفجوة الزمنية التي شهدتها فيتنام بين الانسحاب الأميركي النهائي في 1972 وهزيمة الحكومة الفيتنامية الجنوبية على يد جيش فيتنام الشمالية في عام 1975.

ويؤكد انهيار كل ما حاربت الولايات المتحدة وبريطانيا من أجله في أفغانستان على امتداد عقدين بهذه الوتيرة السريعة، حجم الهزيمة التي يتكبدها الغرب، كما سيعزز الاعتقاد أن نهاية مرحلة أحادية الولايات المتحدة كقوة عظمى في العالم قد شارفت على نهايتها. وكما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي في ثمانينيات القرن الماضي، فإن الإخفاق في أفغانستان ينطوي على تداعيات عالمية تتخطى حدود تلك البلاد، حيث تدور الحرب بأشواط بعيدة. وفي الواقع فإن هذه الهزيمة تعد أكثر شمولاً من تلك التي كانت من نصيب الاتحاد السوفياتي في الثمانينيات، فبعد انسحاب قوات موسكو بقيت حينذاك الحكومة الشيوعية في كابول على رأس عملها لسنوات عدة، في تناقض حاد مع الهزيمة الكارثية الحالية.

ولعل الرئيس جو بايدن قد توقع، حين أعلن في 14 أبريل (نيسان) الماضي، الانسحاب الكامل للقوات الأميركية، أن تخسر حكومة كابول الحرب في نهاية المطاف، ولكن ليس بهذا الشكل السريع والحاسم. كان الرئيس دونالد ترمب هو الذي أطلق عملية الانسحاب في مراحلها الأخيرة، غير أن بايدن هو الذي سيدفع الثمن السياسي لقاء هذا الفشل الأميركي.

يتمتع الجنرالات الغربيون بالجرأة الكافية ليقولوا إن انسحاب الولايات المتحدة كان متسرعاً، وإنهم كانوا في حاجة لمزيد من الوقت لتدريب القوات المسلحة الأفغانية، لكن بعد عشرين عاماً أنفق خلالها الأميركيون 2.3 تريليون دولار، يبدو الادعاء بأن القوات المسلحة كان ينقصها الوقت والموارد هو مجرد تهرب سخيف [عبثي] من المسؤولية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم تسقط بعد كابول التي يبلغ عدد سكانها 4.5 مليون نسمة، بيد أن عدم وجود مقاومة في مناطق أخرى من البلاد يعني أنها العاصمة لن تصمد لفترة طويلة أمام زحف "طالبان". ليس من الصعب تفسير الفشل الكامل لنظام كابول المدعوم من قبل الغرب. ولم تكن هزيمة "طالبان" في عام 2001 حاسمة كما قيل في ذلك الوقت، لأن مقاتليها ذهبوا ببساطة إلى قراهم أو عبروا الحدود إلى باكستان، حيث كانوا هم وقيادتهم في أمان.

ويمثل دور باكستان عاملاً رئيساً في هزيمة الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية، وهو يأتي نتيجة عدم تصدي أميركا للسلطات الباكستانية على امتداد 20 عاماً [في شأن علاقتها بـ"طالبان"]. ولم يكن هذا الدور غريباً، ولا سيما أن باكستان تملك جيشاً قوياً، ويبلغ عدد سكانها 216 مليون نسمة، كما أن لها حدوداً مشتركة مع أفغانستان بطول 1616 ميلاً (2600.69 كلم). والواقع أن جهاز الاستخبارات الباكستانية لم يقدم الدعم فحسب للمتمردين، بل قام بتوجيههم استراتيجياً وتكتيكياً. كان هذا هو الحال عندما استولت "طالبان" على كابول للمرة الأولى في عام 1996، ومن المرجح أن هذا هو الوضع القائم حالياً فيما تستعد الحركة للسيطرة على العاصمة مجدداً.

لكن، يقف وراء انتصار "طالبان" ما هو أكبر بكثير من وجود داعم أجنبي قوي. فقد استطاع قادتها أن يجندوا مقاتلين كانوا مستعدين لتحمل غارات جوية أميركية مدمرة شنت من أجل دعم القوات البرية الأميركية التي وصل عدد أفرادها إلى 100 ألف عسكري في ذرة قوتها. أما القوات الأفغانية الحكومية فلم يكن لديها على الإطلاق مجموعة أساسية مشابهة من المقاتلين الأشداء المستعدين للموت في سبيل قضية ما.

أثار مدى ضعف الحكومة وعدم شعبيتها دهشتي أكثر مما لفتتني قوة "طالبان"، وذلك خلال زيارات قمت بها لأفغانستان على مر السنوات. كان الأصدقاء والمعارف العابرين هناك ينددون بالحكومة معتبرين أنها ليست أفضل بكثير من عصابة من المحتالين الذين يبتزون الناس ويبتلعون أموال المساعدات الأميركية أو عائدات عقود التوريد والإنشاءات المربحة.

كانت الحكومات الغربية في حالة إنكار حول هذا الأمر. فمثلاً، أقيل بيتر غالبريث، وهو مسؤول كبير في الأمم المتحدة اتخذ من كابول مقراً له، على الفور لأنه قال إن الولايات المتحدة وحلفاءها يفتقرون إلى شريك محلي جدير بالثقة، وذلك في إشارة إلى الحكومة الأفغانية حينها. وكان التعامي عما يحصل متعمداً، إذ زار الدبلوماسيون الغربيون معاقل القوات الأفغانية القوية في المناطق الريفية وهم يشيحون بأنظارهم بتهذيب جم عن أعلام "طالبان" التي كانت ترفرف فوق أشجار وأعمدة في القرى المجاورة.

رأيت ذات مرة في كابول لوحة إعلانات بالقرب من مركز للشرطة كتب عليها بأحرف إنجليزية كبيرة عبارة " طوق من الفولاذ"، غير أن المركز كان خالياً تماماً. وتساءلت ما إذا كانت العبارة مجرد نكتة أفغانية. غير أنني قررت أن الشعار وغياب قوات الأمن كانا يوضحان تماماً للمرء مدى قوة النظام الأفغاني.

أنفقت الولايات المتحدة مبالغ تقدر بتريليونات الدولارات في أفغانستان، بيد أن الجنود الأفغان كثيراً ما كانوا لا يجدون ما يسدون به رمقهم، كما لم يكن لديهم ما يكفي من الذخيرة، والوقود، حتى إنهم لم يستطيعوا استبدال الأسلحة حين تتعطل. ألقى الغربيون اللوم بسبب هذه الإخفاقات على فساد الدولة والمجتمع الأفغاني، بيد أن القسط الأكبر من أموال المساعدات الأميركية لم تخرج على الإطلاق من قبضة المستشارين والشركات الأمنية الأميركية المحكمة. وبصرف النظر عن كيفية إنفاق هذا القدر السخي من المال، فهو على أي حال لم يجد طريقه إلى جيوب 54 في المئة من الأفغان الذين كانوا يعيشون دون خط الفقر على 1.90 دولار في اليوم.

ومع ذلك، فقد كنت أشعر بسخرية عميقة حيال قوة الجيش والحكومة الأفغانية، ولا أزال مذهولاً من السرعة التي تفككوا بها في الأسابيع القليلة الماضية. فقد كانوا أضعف مما افترضه أولئك الذين كانوا ينتقدونهم. وحصل انهيارهم الأخير نتيجة لهجوم عسكري خططت له "طالبان" جيداً، إذ ركزت جهودها منذ مرحلة مبكرة على شمال البلاد. فهناك تهيمن أقوام عرقية من الطاجيك والأوزبك والهزارة العرقية التي كان أبناؤها الفصيل الأهم في المقاومة المناهضة لـ"طالبان" التي يشكل أفراد جماعة البشتون العرقية غالبية أعضائها.

ويُفترض أن "طالبان" تأمل من خلال مهاجمة المناطق الشمالية أولاً أن تحول دون إعادة إنشاء معارضيها تحالف الشمال المؤلف من أمراء الحرب القديمين المُعادين لـ"طالبان"، والذي سيطر على شمال البلاد قبل عام 2001.

الحرب في أفغانستان هي تماماً كما يراها العالم الخارجي. وينقل قادة القبائل والميليشيات والمدن والقرى وعموم الأفغان، ولاءاتهم كي يلتحقوا بالطرف الذي يوشك على الانتصار. وثمة مثل قديم يقول إن الأفغان لا يخسرون حرباً، وذلك لأنهم ينضوون تحت راية المنتصر على الدوام قبل أن ينتهي الصراع. هكذا أفادت "طالبان" بأن إسماعيل خان، وهو أمير حرب نافذ في هرات، قد انضم إليها، على الرغم من أن مصادر الحكومة تشير إلى أنه وقع في الأسر.

وتفسر تحولات من هذا النوع في الولاء، سبب زخم التقدم الذي تحققه "طالبان". رأيت أعضاء حركة "طالبان" قبل عشرين عاماً وهم يخرجون من كابول وقندهار وهرات وغزنة، من دون قتال. إلا أن ترسيخ نجاحاتهم الحالية قد يكون صعباً لأن "طالبان" إما مكروهة أو أنها تُعتبر بغيضة في معظم أجزاء البلاد، ولا سيما في هذه المدن الكبيرة، حيث سيكون بإمكانهم أن يحكموا فقط عن طريق العنف أو التهديد.

© The Independent

المزيد من تحلیل