Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودانية البريطانية ليلى أبو العلا تواجه الإسلاموفوبيا بالحب

رواية "المترجمة" تتطرق إلى العلاقة بين الشرق والغرب من وجهة نظر دينية

الروائية السودانية بالإنجليزية ليلى أبو العلا (صفحة الكاتبة على فيسبوك)

تحظى روايات الكاتبة السودانية الأنغلوفونية ليلى أبو العلا المولودة في القاهرة من أب سوداني (1968)، التي تابعت دراساتها العليا في إنجلترا، وأقامت فيها حتى نيلها الجنسية البريطانية، باهتمام القراء الأنغلوفونيين وتلقى إقبالاً واسعاً. وكانت أبو العلا شرعت في نشر أعمالها بالإنجليزية منذ أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، بعدما وجدت نفسها قادرة على التعبير بهذه اللغة التي تجيدها تمام الإجادة، أفضل من العربية. ورحب بها النقاد الذين واكبوا أعمالها، وقيموا رواياتها، فمنهم من صنفها من الكاتبات القديرات اللواتي يمثلن البيئة السودانية خير تمثيل، ويذهب حتى إلى تصنيف أعمالها موازية لأعمال الطيب صالح الروائي المشهور. والواقع أن الكاتبة تركز في رؤيتها التي تنطلق منها إلى بناء عالمها الروائي، على العلاقة بين الإنسان السوداني-الأفريقي والإنسان الغربي، المتمحورة حول الهوية الدينية الثقافية، وأوليتها على ما عداها من السمات في مخاطبة الغرب والتحاور معه تحاوراً بناءً، لا صدامياً.

إذاً، الرواية بعنوان "المترجمة" وصدرت ترجمتها العربية في طبعتها الثانية عن دار الساقي (2021)، و تولى نقلها إلى العربية الشاعر الخاتم عدلان، وتحكي بعضاً من سيرة امرأة سودانية مقيمة في لندن، تُدعى سمر، تعمل كمترجمة من العربية الى الإنجليزية لأعمال ودراسات عربية أكاديمية ذات قيمة علمية تحت إشراف أستاذ جامعي إنجليزي يدعى راي، في مدينة إبردين في اسكوتلندا.

الراوي العليم

تنقسم الرواية جزءين، الأول وهو الأكبر (ص:7-198) وفيه تعرض الروائية، على لسان الراوي العليم، وبصيغة الغائب، حكاية الشخصية الرئيسة "سمر"، المرأة السودانية العاملة مساعدة مترجمة لأستاذ جامعي وباحث في الشؤون الفكرية وفي الحضارة الإسلامية، يدعى راي. وإذ يبين السياق أن سمر هي أرملة، مات زوجها الشاب طارق في حادث سير، وكان لها ابن من ذلك الزواج، ولما تزل شابة مقبلة على العمل والعلم والحياة، مؤمنة بالدين، وحريصة على تصويب النظرة الغربية إلى الدين الإسلامي. ويصدف أن يلفت المرأة الشابة عنوان دراسة أعدها الأستاذ الشاب راي، وهي بعنوان "الخطر الإسلامي الموهوم".

عندئذ، تتعاظم رغبتها في التعرف إلى هذه الشخصية الملتبسة، فهو الأستاذ الجامعي الاسكوتلندي، والإنجليزي اللغة والثقافة، والمطلق من زمن، كيف له أن يكون وجهة نظر تخالف التفكير السائد والمعادي للعرب والمسلمين، بصورة عامة، ومنهم السودانيون؟ فكان هذا التساؤل ما جعلها تزداد قرباً من راي، وشغفاً بالعمل معه، سواء في ترجمة الأعمال الفكرية والجدية من العربية الى الإنجليزية، أو ترجمة المقابلات التي كان يجريها مع أفراد سودانيين وعرب عالقين في الديار الإنجليزية أو مدانين بجنحات فيها.

وفي المقابل، فقد كان راي هذا لا يدع فرصة للقاء بسمر، والتواصل في شأن الإسلام والمسلمين والعرب، وفي كثير من المخاوف التي اصطنعها البعض عن المسلمين في الدول الأوروبية ومنها إنجلترا، وذلك قبل المواجهات الكبرى بين أميركا والقاعدة إثر مجزرة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001. ولم يزل راي يتقرب من سمر، ويختبر رقتها، ومدى إنسانيتها وتعاملها الذكي مع الآخرين، المختلفين عنها رأياً وديناً، حتى باح بحبه لها، وبرغبته العارمة في توطيد العلاقة بينهما، بأي سبيل، بعدما عاين فيها كل الصفات الحسنة، مع إدراكه بأن سمر مسلمة مؤمنة وممارسة إيمانها بأركانه وحدوده السمحاء. غير أن الأمور لا تلبث أن  تتعقد في ختام الجزء الأول، إذ ينتاب راي ضيق من إلحاح سمر عليه بلزوم إعلانه إسلامه، أو إبرازه الشهادتين، حتى تقبل به زوجاً لها، فيدعوها إلى الخروج من منزله، في إشارة إلى عدم رضاه بالشرط، بالتالي عدم القبول بها زوجة.

المكان الاول

أما الجزء الثاني (ص:201-302) فيمثل عودة سمر إلى إطارها المكاني الأول، إلى السودان لتحيا في فناء منزلها، في أم درمان، أو في الركن الذي ورثته عن المرحوم طارق، لتحيا فيه وولداها إلى جانب شقيقة المتوفى وعمته. ومن الواضح أن قرارها هذا جاء نتيجة رفض راي - أو هذا ما خيل إليها- شرطها الوحيد للقبول به زوجاً، أي أن يعلن إسلامه، ليس إعلاناً شكلياً، كما في سائر الزيجات المختلطة، على حد وصف سمر، وإنما يقيناً ثابتاً بالرسالة الإيمانية وبالقيم الكبرى فيها وبالأركان التي لطالما صنعت تمايزها الروحي عن سائر زميلاتها وزملائها الملاحدة في القسم، حيث كانت تعمل في الجامعة.

ولدى عودتها، وبدء استقرارها المستغرب من قبل أقربائها، صارت تتكشف لسمر وقائع البلاد، وظروفها الشديدة القسوة على المواطنين، من غياب الوظائف إلى الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي، فإلى الغلاء الفاحش في أسعار الأدوات، وإلى المشاحنات الأخوية حول الميراث الذي تركه الآباء، وزوجها المتوفى طارق، فإلى التهم الجوفاء التي وجهتها إليها عمتها إذ قالت إنها هي من ألح على طارق لشراء السيارة التي كانت سبباً في مقتله بحادث سير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن سمر، وإن عاشت حياة مترفة في مدينة إبردين شأن سائر المواطنين والعاملين في تلك البلاد، فإنها تحب وطنها وتبدي استعدادها لخدمته، على الرغم من الظروف المادية القاهرة التي يمر بها، وتقرر المباشرة في محو الأمية وتعليم الكبار القراءة والكتابة. وفي هذه الأثناء، تصلها رسالة من فريد خليفة، زميلها العربي في العمل، ويتضح من فحوى الرسالة أن راي آيلز الحبيب الذي لم يغب طيفه ولا ذكراه عن قلبها، حمل هذا الصديق رسالة مفادها الطلب من سمر أن تقبل به زوجاً بعد أن أدى الشهادتين وأعلن إسلامه. ثم لا يتأخر راي عن طلب عنوانها في مدينة أم درمان، ويهم بملاقاتها، حيث تقيم مع أقربائها.

بين الشرق والغرب

لا شك أن الرواية، بل سائر الأعمال القصصية والروائية للكاتبة ليلى أبو العلا، تطرح للبحث والتحليل العلاقة بين الرجل الشرقي (المسلم) وبين الغرب (المسيحي ضمناً)، وتنضم بالتالي إلى سجل سردي قديم نوعاً ما، منذ أحمد فارس الشدياق وكتابه "الساق على الساق"، أوائل القرن التاسع عشر، وروايات جرجي زيدان التاريخية، وصولاً إلى رواية "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، الحاملة هموم التمدن الشرقي، والاختلاف الديني مع الغرب، وانتهاء برواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، التي  تسم هذه العلاقة الصراعية بميسم الفعل العنفي-الجنسي ضد المرأة رمز الاستعمار، فإلى علاقة تأثير روحاني معاكس، وإهداء للرجل الغربي الملحد إلى الإسلام، من سبيل الحب، هذه المرة.

بالطبع، قد يكون نافلاً القول، إن وجهة نظر الكاتبة بالإنجليزية ليلى أبو العلا، تمثل وجهة نظر فريق من المثقفين والأدباء العرب، في ما خص صلة الإنسان الغربي والشرقي بالدين.

للكاتبة السودانية -البريطانية ليلى أبو العلا، عديد من المسرحيات من مثل، الحياة الخفية، وأسد الشيشان، وغيرهما. كما أن لديها مجموعات قصصية من مثل، طبيب على سطح الليل، والنعامة، والأيام دوارة، وكرم الأعداء، ومتاهة كل صيف، وأضواء ملونة وغيرها. أما الروايات فهي، المترجمة، زقاق الأغاني، والمئذنة، وغيرها.

    

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة