Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحِداء… عندما تكون وسيلة التواصل "أغنية"

يتخاطب الرعاة مع الإبل بواسطة لغة شعرية بأوزان وبحور محددة يفهمها الطرفان

قد لا تكون المعلومة مُحكمة بما يكفي لاعتبارها أول ظهور للشعر عند العرب، لكنها مثيرة كفاية لكي نبدأ بها القصة، بخاصة أنها وردت لدى عدد من الباحثين بصفتها اللحظة الأولى التي قرر فيها البدوي أن ينشد أصواتاً مسجوعة موزونة سماها بعد ذلك شعراً. إذ نسب عدد من المراجع إلى مضر بن نزار، الجد السابع لرسول المسلمين محمد، أنه سقط من على بعيره فكسرت يده، فظل يصرخ من الألم "وايداه… وايداه"، وهو الذي عرف بصوته الشجي، وأخذ صراخه ينتظم مع حركة بعيره وخطواته، ليكون ذلك أول التقاء للعرب بالشعر، بعد أن كانت نظماً للكهان في وقت سابق.

المثير في هذه الحادثة، الذي يجعل منها فاتحة جيدة للقصة، هو أن مضراً الذي أسقطه جملهُ لم يدر بخلده أنه ينظم أول الحِداء بينما كان جبر يده وتسكين الألم هو أقصى ما تمناه في تلك اللحظة، الجانب المثير الآخر هو أننا لو سلمنا بهذه القصة فنحن ندين للإبل بنظم بيوت الشعر وإيقاعات غنائها، حتى وصل ببعض الباحثين في أخبار البادية أن دانوا لها بإلهام الخليل الفراهيدي بمفاتيح العروض والأوزان الشعرية عن طريق بحر الرجز، المأخوذ من خطواتها المتقاربة عندما تكون مقيدةً، وهو الصوت الذي يسميه ملاك الجِمال "الرجاز".

وبعيداً عما ينشره الباحثون، قضاء أيام داخل مجتمع الرعاة وملاك الإبل سيكون كافياً للتسليم بصحة رواية التاريخ الذي ينسب إلى الإبل، لا هوميروس درس الأغنية الأولى لإنسان الصحراء قبل انفتاحهم على اليونانيين. فالكائن الصحراوي الشهير في الخليج يملك أذناً موسيقية تجعله يتفاعل بها مع غناء الراعي، يتلقى الأوامر بأغنية، ويرد الماء بأغنية، ويقف بأغنية ويرتحل بأخرى، وهو بذلك كائن قادر على تعليم الأغاني، أو كما يسميها أهل الصحراء "حِداء".

أول الحِداء

يجدر بنا أولاً تعريف المصطلح قبل الخوض في فنونه، فالحِداء أو الحَدو كما جاء في "تاج العروس" للجوهري "سَوق الإبل والغناء لها، والحدواء ريح الشمال لأنها تسوق السحاب، والحوادي الأرجل لأنها تتلو الأيادي في المسير".

و"الحِداء" اصطلاحاً كما أورده الباحث سليمان الفليّح في كتاب "الحداء لحن الموت" هو "إيقاع صوتي يغنيه الرعاة عند إلقاء الدلاء في البئر كنوع عُرف بالهوبال، وذلك بتكرير (مستفعلن) مرتين غالباً في قطع التفعيلة الثانية وتحويلها إلى مستفعل فقط"، وهو ما بات فناً شعرياً في السعودية، وتحت اسم "الونّة" في الإمارات العربية المتحدة، حين يلقى بشكل كئيب يشبه الونين، بحسب الفليّح

هذا الفن على الرغم من الزيادات التي طرأت عليه فإنه في الغالب يأتي ثنائي التفعيلة، إذ يضيف الباحث "كان هذا الفن قديماً يختص بالغناء على ظهور الإبل، وخصص له بحر الهجيني"، ويميل الفليّح إلى رواية ابن نزار وكسر يده، إذ يؤكد أن أنينه بكلمة "وايداه" توافق مع حركات إبله التي باتت تسمى "الزرفلة والهوجلة والهوبلة".

"الحداء" هوبالٌ وعوبال

وعلى وقع تلك الخطوات سرنا لأيام في متابعة اللغة الغنائية التي لا تبدو مستغربة بالنسبة إلى ملاك الإبل، وهم الذين يرونها كائناً أذكى مما نعتقد لشواهد كثيرة تتجاوز كونها كائناً طروباً.

إذ يحكي لنا نايف بن ناصر السيحاني، أحد ملاك الإبل في السعودية، الذي قضينا في مزرعته وقتاً راقبنا فيه هذه العلاقة الرفيعة التي تجمعه وأقرانهم بكائنهم المحلي، "الإبل كائنات ذكية وعاطفية، لا تنسى من أحسن إليها ولا تسامح من أساء، تملك فطنة وقدرة عالية في التعامل مع الظروف، فإن تاه صاحبها في الصحراء يوليها القيادة حتى تقوده إلى أقرب بقعة ماء، وإن فقدت ابنها تعود إلى آخر موقع أرضعته فيه حيث يفترض أن يعود إليه هو الآخر".

هذه العلاقة كانت جليّة بين نايف وإبله، التي كانت تحجبه عنّا كلما رفعنا كاميرة التصوير في وجه، فالجهاز الأسود الصغير كان جسماً مستهجناً بالنسبة لها، ومدعاة للقلق دفعها لحجبه عنّا بغرض حمايته.

وحول الحداء يقول إن كل مالك بعلاقته مع إبله يدربها على أوامر صوتية، قائمة أوزان محددة، للورود إلى الماء أو الرحيل أو الوقوف أو التجمع، ويضيف أن الحداء يأخذ شكلين، الهوبال والعوبال، "الهوبال هو غناء يخص مسير الإبل في الصحراء، يقوم به الراعي كي يحكم سيطرته على قطيعه أثناء المسير وينجح في توجيهها بشكل منظم، فهي تستأنس لصوته وتتجمع حوله ولا تتفرق في الصحراء".

أما الشكل الآخر فيقول السيحاني "يسمى العوبال، وهو غناء يُؤدَّى أثناء سقاية الإبل عند توريدها على الماء، فيؤديه الراعي أو يتبادل راعيان الغناء بالترداد بينهما، وإن كانوا أكثر من اثنين فيجتمع كل اثنين ويتبادلان الغناء".

بين المتدارك والرجز

وعلى الرغم من أن النوعين ينقسمان في وظيفتهما، فإنهما ضربان متقاربان من الشعر البدوي، كما يقول نايف السيحاني "هما ضربان متقاربان يقومان على أبيات خفيفة الوزن يطرب بها الراعي نفسه وإبله، وغالباً ما يكون على وزن (مستفعل ومستفعلن)، على شطر واحد غالباً وليس شطرين كما جرت العادة في الشعر الشعبي. ومن الممكن أن يكون ثلاثي الوزن (مستفعلن مستفعلن مستفعلن) أو رباعي (مستفعلن مستفعلن مستفعلن مستفعلن)".

وفي الهوبال ينزاح في صورته العروضية من بحر الرجز ليقترب شيئاً فشيئاً من بحر المتدارك بجرسه "فعلن فعلن فعلن"، وهو على صورة قريبة من الرجز، حيث إنه على نفس وزن "مستفعل مستفعل" ووزن "مستفعلن مستفعلن"، بحسب رأي السيحاني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما في الضرب الثاني، العوبال الذي يسميه "حداء الآبار"، فهو بدوره ينقسم أيضاً إلى قسمين، حداء ورجز، "أما الحداء فهو ما يغنيه أثناء انتظاره الدلو وهو يصعد من قاع البئر إلى حين الإمساك بها، بينما شعر الرجز يخص المرحلة التي تلي تلقيه للدلو أي منذ الإمساك به حتى يفرغه في الحوض". 

ومن أمثلة المرحلة الأولى يتلو نايف "أم السنام الشايح، توايقت للمايح، تحسب ولدها طايح"، وفي شكل الرجز "هذا ولدي... ماهو ردي... يوم العوا... حشّ وروا".

إن الإبل لطروب

وبعد الخوض في هذا التأصيل الأدبي والبلاغي، يجدر التذكير بأن ما سبق يخص لغة للتواصل مع نوع من الكائنات غير العاقلة كما تُصنف في قوائم الكائنات الحية.

إلا أن ابن ناصر السيحاني يراها كائنات لديها قدرة على التواصل تفوق نظيراتها من الأنعام الأخرى، ويتجاوز هذا بالقول "يقطعك ذودٍ ما يطرّب صاحبه"، أي لا خير في إبلٍ لا تسعد صاحبها وتطربه، ويستطرد "استجابة الإبل لهذه الهوابيل ومدى حماسها وسرعة حركتها محل تنافس وتحدٍّ بين أصحاب الإبل لإثبات قوة الإبل وسرعتها، وعادةً ما تكون هذه الهوابيل في المرواح العصر أو أثناء الرحيل (الشديد) من مكان لآخر خصوصاً إذا كان هناك أكثر من ذود".

 

وحول اللغة الطربية التي تجمع الراعي بإبله، يضيف "الهوبال أيضاً يجعل الإبل تقبل على الحوض و(تتداحم) عليه، وفي العادة تكون هناك (ناقة دَحُوم) أي مزاحمة ومدافعة، معروفة في الإبل وتكون في العادة من أغلاهن ثمناً"، إذ يتفاخر بها راعيها عندما ترد أحواض الماء "فعندما تزدحم الإبل على الحوض وتقف بشكل متراص لا يمكن اختراقه، يطلقون الناقة الدحوم لتخترق الصف وتخلخله لتشرب ورفيقاتها من الماء".

أغنية البجعة البدوية

وبالخوض في ضرب الحداء وأنواعه، تجدر الإشارة إلى ذلك النوع الذي وصفه سلمان الفليّح الذي أتينا على ذكره في بداية القصة بـ"نشيد الموت"، وهو نوع يأخذ الأوزان المذكورة أعلاه ليبني عليها أبياتاً تكون مؤنساً لقائلها من صورة ملك الموت ورائحة الدماء في طريق المقاتلين إلى المعركة، أو في طريق النساء إلى دورهن وحيدات بعد أن خطف سيف الحرب رجالهن.

إذ يصفه الفليّح في أحد نصوصه الشعرية بصوت "خوار الضبعة العرجاء... نواح الأم والأخوات والأبناء… على فتى قد مات… من أجلهم، لكي يعود بناقلة هزيلة جرباء"، ذلك اللحن الذي لا يشبهه إلا تلك الأسطورة التي تقول إن البجعة تغرد بأجمل ألحانها لحظة موتها، وهو ما يحاول البدوي فعله باستخراج أفضل ما لدى رجاله سائرين إلى الموت، إذ يورد سليمان أمثلة لذلك في كتابه "ذيبٍ بالبيضا لا يغيب… اروبعنا زادوا عشاه… (رَمحه) خذينا ثارها… تسعين لحية بالفلاه"، ويورد في أخرى أكثر قتامة "السربة اللي بيّنت… يا عبيد وش جرى لها… اجثثهم مثل الخشب… لليل ما احدٍ شالها". وفي مثال آخر يقول "ولله على ظهر صهاه… وشلفاه شطير حدها… شلفا صوابه ما يطيب… حتى العظم ما ردها".

وبالحديث عما يتلى في طريق الحرب، هو في العادة صديق للخيل لا الإبل كما هو في المثال السابق، بحسب الدكتور سعد الصويان، في كتاب حِداء الخيل، الذي يصفها بأنها "أهازيج يهزج بها الفرسان على صهوات جيادهم وهم في طريقهم إلى الغزو أو بعد عودتهم منتصرين، ويقصد به إدخال الرعب إلى قلوب الأعداء أو بث الحماس في نفوس المحاربين".

وكان يجدر المرور على هذا النوع على الرغم من أنه بعيد عما سارت فيه القصة لتشاركها في المساحة، إلا أن القصة أتت بعد مراقبة ميدانية لعلاقة بين كائنين على هذا الكوكب يتواصلان بعضهما مع بعض عن طريق أغنية بعد أن عجزت لغات العالم عن إيجاد همزة وصل تجمعهما سوى أنهما كانا طروبين.

المزيد من ثقافة