قانون الأحوال الشخصية الموحّد لمسيحيّ مصر... عالق وسط حسابات مضنية

"الهجر" يحل أزمة آلاف القضايا في المحاكم... مصدر كنسي: هناك إشكالية حول المواريث والتبني... حقوقي: الزنا الحكمي يهدد السلم المجتمعي

تتجه الكنائس المصرية نحو التوقيع النهائي على مشروع قانون موحّد للأحوال الشخصية (أ.ف.ب)

11 عاماً من التعديلات التي أجراها بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية السابق، شنودة الثالث، على لائحة الأحوال الشخصية المعروفة باللائحة 38، والتي اختصرت أسباب الطلاق لدى المسيحيين المصريين من 9 أسباب إلى سببين فقط، هما الزنا أو تغيير الملة. هذه التعديلات كانت كفيلة بتكدّس آلاف الدعاوى القضائية الخاصة بالمسيحيين أمام القضاء، إما للحصول على الطلاق أو الحصول على حكم بالزواج الثاني. وتصاعدت  الأمور إلى درجة تظاهر من يعرفون بمتضرري الأحوال الشخصية داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في يوليو (تموز) 2015.

تتجه الكنائس المصرية الرئيسية الثلاث (القبطية والإنجيلية والكاثوليكية) نحو التوقيع النهائي على مشروع قانون موحّد للأحوال الشخصية لغير المسلمين (المسيحيين)، يونيو (حزيران) المقبل، بما يتناسب مع نصّ الدستور المصري لعام 2014 بأن "شرائع المسيحيين هي المبدأ الرئيسي في تشريعات الأحوال الشخصية".

بدأ أول اقتراح لإصدار قانون باسم الحريات الشخصية للمسيحيين في مصر عام 1978، واستمرت الدعوات والمطالبات بسنّ مثل هذا القانون حتى عام 2010، عندما غضبت الكنيسة المصرية من قرار صادر من المحكمة الإداريّة العليا يفرض عليها السماح بزواج الحاصلين على طلاق مدني من المحاكم. وبحسب إسحاق إبراهيم، الباحث لدى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إنه "في ذلك الوقت، أنشأت وزارة العدل لجنة لمراجعة مشروع قانون للحريات الشخصية، لكن لم يتم إقرار أي قانون. ويبدو أن تباطؤ الدولة عن الشؤون المسيحية قد تغير، بخاصة بعد إدراج المادة 3 في دستور 2012 وتعديلاته اللاحقة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد سنوات من العمل على صياغة قانون موحّد تتوافق عليه الطوائف الثلاث، وبينما أكدت مصادر كنسيّة قرب الانتهاء من المهمة ليطرح مشروع القانون أمام البرلمان للتصويت عليه، غير أنه لا تزال هناك نقاط خلافية بين الكنائس وبعضها. ويتعلق الخلاف الرئيسي حول "الطلاق" وتم التغلب عليه عن طريق تخصيص بنود للطوائف المختلفة، بحسب ما أفادت مصادر كنسية لـ"إندبندنت عربية". ومع ذلك لا تزال هناك نقاط عالقة خاصة بالتبني والمواريث.

التقينا العديد من ممثلي الكنائس ومتضرري الأحوال الشخصية بشأن مشروع القانون المزمع طرحه الشهر المقبل، والذي يبدو أنه سيحل قضايا آلاف الأقباط الأرثوذكس، بينما لم يغير شيئا للكاثوليك الذين يصرّون على رفض مبدأ الطلاق.

جدل الطلاق
الطلاق هو القضية المحورية التي يقوم عليها مشروع قانون الأحوال الشخصية، نظرا لوجود مئات آلاف القضايا التي تتعلق بأزواج مسيحيين أمام المحاكم للحصول إما على الطلاق أو الحق في الزواج الثاني، لكن مع الخلاف بين الطوائف المسيحية الثلاث بشأنه، أوضح المستشار جميل حليم، الممثل القانوني للكنيسة الكاثوليكية، أنه بينما تم التوافق على أغلب مواد القانون بين الكنائس الثلاث، تم تحديد باب منفصل لكل كنيسة فيما يتعلق بالطلاق.

ويضيف إن "الكنيسة الكاثوليكية لا تعترف بالطلاق، ولكن لديها ما يعرف بـ(الانفصال الجسماني)، وهو المذكور في القانون. فحتى الزنا لا يبرر وقوع الطلاق ولكنه يؤدي إلى الانفصال الجسماني حتى يُراجِع الأطراف أنفسهم ويكون هناك مجال للتوبة والغفران"، ويوضح "أعلم أن هناك تشدداً من الكنيسة الكاثوليكية، لكن الغرض الحفاظ على الأسرة وليس هدمها".

وبالنسبة إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، أوضح بيتر النجار، المحامي المختص بقضايا الأحوال الشخصية والمقرّب من الكنيسة الأرثوذكسية، أن "مشروع القانون يقرّ التطليق بناء على أمرين، في حالة استحالة العِشرة أو ما يسمى (الهجر) بين طرفي العلاقة لمدة 3 سنوات في حالة عدم وجود أطفال، و5 سنوات في حالة وجود أطفال، إذ يتم إبطال العقد الكنسي ومن ثم يتم الانفصال رسميا عن طريق المحكمة، وبناء عليه يُمنح الطرف الداعي ما يسمى (تطليق للهجر)، وهو شرط جديد لم يكن موجودا من قبل. هذا بالإضافة إلى التطليق بسبب الزنا الفعلي أو الحكمي، والأخير منصوص عليه بالفعل في المادة 50 من لائحة الكنيسة الحالية، والزنا الفعلي في المادة 51 المعمول بها حاليا".

 

وأشار النجار إلى أن "المشكلة الأساسية تتعلق بالأقباط الأرثوذكس الذين تتزايد مشاكلهم بحكم تعدادهم، إذ تمتلئ أروقة المحاكم بآلاف القضايا، والتي ربما لا تقل عن 10 آلاف قضية، مما دفع البابا تواضروس لتهيئة المجلس الإكليريكي الحالي لحل مشكلات الزواج". ويرى النجار أن "اهتمام الدولة بتخصيص قانون يحلّ أزمة أولئك الساعين إلى الطلاق بما يتوافق مع شريعتهم احترام واستكمال لمبدأ المواطنة".

وفيما يتعلق بالطائفة الإنجيلية، أوضح الدكتور القس إكرام لمعي، رئيس لجنة الإعلام والنشر بالسنودس الإنجيلي (الهيئة العليا بالكنيسة الإنجيلية)، أن "هناك اختلافا فيما يتعلق بالزواج والطلاق، لكن البارز أن الكنيسة الأرثوذكسية وافقت على استحالة العِشرة (الهجر). وبينما تتشدد الكنيسة الإنجيلية وتؤكد على أن الزنا وتغيير الدين هما السببان الوحيدان للطلاق، لكن هناك توجّه للسير على خطى الكنيسة الأرثوذكسية بعد تزايد حجم المشكلات".

القانون لن يطبق بأثر رجعي
لن يُطبق قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين بأثر رجعي على القضايا الحالية في المحاكم، كما أنه يلغي شرطا هاما كان يلجأ إليه كثير من الراغبين في الطلاق، وهو تغيير الملة أو الطائفة. ويقول جميل حليم "بمجرد صدور القانون تُطبّق شريعة العقد، بمعنى أن تغيير الطائفة أو الملة لا يغيّر شريعة العقد، ولا تُطبّق عليه أيضا الشريعة الإسلامية. ومن ثم فإنه بعد صدور القانون لن يستفيد من يغير ملّته أو طائفته، إذ لا يغيّر الأمر شيئا من وضع الزواج ولا يترتب أي أثر على العقد، ويخضع الزوجان لشريعة الطائفة التي تزوجا بموجبها حتى في أمور الطلاق".

ويتخذ البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، نهجا أكثر إصلاحا حيال قضايا الانفصال. في اجتماع عام 2015، ضم 270 أسقفا كاثوليكيا من 120 بلدا حول العالم، تحدّث عن انفتاح "مشروط" في قضية المطلقين الذين تزوجوا مرة ثانية خارج الكنيسة. وخلال الاجتماع ذاته تم مناقشة السماح للكاثوليك المطلقين والذين تزوجوا مرة أخرى بإمكانية العودة إلى المشاركة الكاملة في الكنيسة، كل حالة على حدة، بعد تلقي المشورة الروحية من الكهنة فيما يسمى "المنتدى الداخلي". وبحسب الاقتراح الذي تم قبوله جزئيا، فإن الكاثوليك المطلقين والمتزوجين مدنيّاً "يجب ألّا يشعروا بالاستبعاد"، وكذلك يجب إدماج أطفالهم في الكنيسة.

بطلان العقد
غير أن المستشار القانوني للكنيسة الكاثوليكية المصرية أشار إلى أن الكاثوليك في مصر سوف يخضعون للقانون الجديد فقط. وأوضح أن "الكاثوليك لا يحصلون على تصريح بالزواج مرة ثانية تماما، من منطلق احترام الكنيسة الكاثوليكية لمبدأ الزوجة الواحدة، إلا في حالة بطلان العقد، وهي مشتركة بين الكنائس الثلاث"، لافتا إلى أن "البطلان ليس هو نفسه الطلاق، فعقد الزواج يكون باطلا بسبب غياب الرضا أو أن رضا أحد الزوجين مشوب بعيب. إذ تبطل الكنيسة العقد بسبب مرض أخفاه أحد الأطراف قبل الزواج أو العلة، لذا هنا تُشترط الموافقة الكتابية لإتمام الزواج، أو في حالة شخص له زواج سابق وأخفاه، لكنها حالات نادرة".

الزنا الحكمي
يقول الباحث الحقوقي، إسحاق إبراهيم إنه "حتى الآن لا توجد نسخة واضحة رسمية معلنة من الكنائس الثلاث بشأن ما توصّلوا إليه حول القانون، ويبدو أنه لا يزال هناك خلافات حول بعض النقاط، أهمها ما يتعلق بـ(الزنا الحكمي)، الذي سيكون له تداعيات اجتماعية وقانونية سلبية"، وأضاف أن "التوسّع في مفهوم الزنا ليشمل رسائل متبادلة أو مجرد الاجتماع على أنه دليل على الزنا يمثل أولاً إشكالية قانونية لأن مفهومه يختلف عما في قانون العقوبات المصري، كما أنه يؤثر على السلم الاجتماعي، لأنه سيؤدي بالمتزوجين إلى التلصص على بعضهما البعض، ومن ثم سيكون أثره مدمرا على الأسرة".

 

وأشار إلى أن "ما يتعلق بالزنا الحكمي مشترك بين الكنيستين الإنجيلية والأرثوذكسية، وربما صعّب القانون الأمر ولم يسهله، لكن قضية استحالة العِشرة مهمة للغاية وشيء يستحق الإشادة لأنه سيحل الكثير من الأمور". وأضاف أن "انحصار أمر الطلاق على الزنا كان صعباً لأن الكثير من العائلات كانت ترفض الحديث عنه بسبب طبيعة مجتمعنا ومفهوم الشرف".

خلاف حول المواريث والتبني
ينصّ الدستور المصري في المادة الثانية على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وهو ما يضع الكنائس في موقف يتعارض مع الدولة فيما يتعلق باثنين من الأمور الهامة للمسيحيين. فمن بين القضايا المهمة التي يسعى القانون إلى معالجتها هي قضيتا المواريث، حيث تنص العقيدة المسيحية على المساواة بين الذكر والأنثى، وأيضا قضية التبني.

وبحسب مصدر كنسي، فإن "هناك ضغوطا بشكل غير رسمي على اللجنة المشكلة من ممثلي الكنائس الثلاث بشأن القضيتين، إذ لا تقبل الشريعة الإسلامية التبني وتخشى اختلاط الأنساب لذا ربما يتم إلغاء المواد المتعلقة بالتبني من قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، كما تنص أن للذكر ضعف نصيب الأنثى في المواريث، وهو ما ترفض الكنائس فرضه على المسيحيين باعتباره مخالفا لشريعتهم".

وأوضح المستشار جميل حليم أنه "يُجرى إعادة صياغة المواد التي تتعلق بالمواريث بشكل تتوافق عليه الكنائس الثلاث والدولة، كما أن تلك المتعلقة بالتبني تحتاج إلى أن تُصاغ بدقة، لأنه يجب أن تكون الأسرة التي ترغب في التبني مسيحية وأن يكون الطفل من أبوين مسيحيين، وقت التبني، ويثبت ذلك بصورة رسمية، الشروط لا بد أن تكون واضحة لذا يجرى صياغة المواد بعناية".

 

ويشير النجار إلى أنه "وفقا للدستور لا يجب إصدار قانون يخالف الشريعة العامة لذا يُستبعد إقرار (التبني) ضمن القانون". أما ما يتعلق بالمواريث، فيوضح أنها "منصوص عليها في لائحة الكنيسة الأرثوذكسية منذ عام 1938 والدولة مصدقة عليها والمحاكم تعمل بها". وأضاف أن "عدم احتكام المحاكم إليها، طيلة السنوات الماضية، كان مجرد عرف، فضلا عن أن المدعين لم يكونوا يتقدمون بإعلام وراثة وفقا لشرائعهم، لذا كانت المحاكم تستند إلى الشريعة الإسلامية وهو خطأ قانوني. لكن هناك محاكم في الآونة الأخيرة، وتحديدا منذ 2016 أصدرت أحكام مواريث طبقا للائحة مواريث الأقباط الأرثوذكس عندما طلبنا الاحتكام إليها".

القانون يصعب صدوره
ومع ذلك يرى النجار أن "القانون يصعب صدوره لأن الكنائس الثلاث لم تتفق بشكل نهائي بسبب الخلاف حول مواد التطليق وفكرة التبني، وطالما لم يتفقوا لن يمر القانون أمام مجلس الشعب". ولفت إلى أن "الدولة لا تزال معترضة على أن كل طائفة تضع لائحة مختلفة، ويريدون تجميعها كلها في قانون واحد".

بينما يرى إبراهيم أنه "لم يتم الإجماع على ما يتعلق بالمواريث والتبني، حتى الآن لأن القيادات الدينية متأثرة بالسياق الشعبي والذكوري الخاص بأن يأخذ الرجل ضعف الأنثى، لذا لا يوجد إلحاح أو إصرار على تطبيق تعاليم المسيحية في هذا الصدد". كما أكد لمعي أن "هناك ضغطا من شعب الكنيسة بضرورة ذكر المواريث وفقا للشريعة المسيحية، وهذا لا يسيئ للمسلمين في شيء، والأهم أن هناك دعما من الرئيس عبد الفتاح السيسي لاحتكام المسيحيين لشريعتهم انطلاقا من احترامه لمبدأ المواطنة".

تفاؤل بين المتضررين
بالنسبة إلى المتضررين ممن عانوا لسنوات بين القضاء المدني والكنيسة في هذا الصدد، يأتي القانون كبارقة أمل لحياة جديدة. وقال هاني عزت، رئيس رابطة متضرري الأحوال الشخصية "منذ وجّه الرئيس السيسي بعمل قانون موحد للمسيحيين، توقعت أن يكون التوافق صعبا، لكن هذه المرة هناك ضغط من الدولة لإخراج القانون للنور. وفي مارس (أذار) 2016، وعقب استغاثتنا بالرئاسة وبدعم من البابا تواضروس الذي يتبنى أفكارا إصلاحية، تم اتخاذ خطوات جادة نحو وضع القانون".

وأضاف أن "اللائحة الجديدة تتضمن أمرا يستحق الإشادة، وهو مبدأ استحالة العِشرة وغيرها من الأسباب التي تقف وراء المشكلات في المحاكم". وتابع "القانون الحالي سيحل مشاكل جديدة لكن لا يزال هناك مشكلات تتعلق بالحضانة، لا بد من جلسات استماع للمتضررين والتعرف على شكواهم، واقترحت على البابا عندما التقيته ضرورة الاستماع لنا. ليكون القانون الصادر شاملا لأغلب المشكلات". غير أن "عزت" أعرب عن مخاوفه مما اعتبره "انحياز بعض الجهات للمرأة كنوع من التباهي بمناصرة حقوقها".

المزيد من سياسة