اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يزعزع الثقة بالاقتصاد التونسي

اتحادات الفلاحين والعمال ونقابات في القطاع الخاص ترفض التبادل الحر وتعتبر نتائجه مدمرة

رئيس الحكومة التونسي يوسف الشاهد في افتتاح اليوم الوطني للفلاحة في 12 مايو 2019 (الصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة التونسية)

أشهر قليلة تفصل تونس عن توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، والمسمى اختصاراً "الأليكا"، وهو مشروع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق، بين الجانبين. ويهدف الاتفاق إلى نقل تونس من مرتبة الشريك المتميز، التي حصلت عليها من الاتحاد الأوروبي في نوفمبر (تشرين الأول) عام 2012، إلى اندماج فعلي للاقتصاد التونسي في السوق الداخلية للاتحاد الأوروبي.

تخوف كبير من نتائج الاتفاق

ومع اقتراب موعد توقيع الاتفاق، ازدادت مخاوف مختلف القطاعات الاقتصادية في تونس، سواء التقليدية كنقابات العمال واتحاد الفلاحين ورجال الأعمال، من أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى قطاعات لم يسبق لها أن بادرت بالتعبير عن مواقفها من اتفاقات كهذه، إذ دعا المجلس الوطني لهيئة الصيادلة في تونس، الحكومة إلى توقيع اتفاق عادل يضمن حماية قطاع الصحة العمومية، في إطار المفاوضات التي تخوضها تونس مع الاتحاد الأوروبي، بشأن اتفاق "الأليكا".

وعبّر نائب رئيس النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة نوفل عميره، في تصريح إلى "اندبندنت عربية"، عن مخاوف الصيادلة من أن يؤدي الاتفاق إلى ضرب منظومة صناعة الأدوية في تونس، مشيراً إلى "أن الاتفاق، وفي حال أبرم، ينص على التحرير الكلي لمنظومة الأدوية".

وأوضح عميره أن "تحرير القطاع سيتبعه دخول مؤسسات صيدلانية أوروبية خاصة، لترويج الأدوية في تونس، بما يؤدي إلى استهداف القطاع بالمنافسة، في وقت لا تلتزم الصيدليات في أوروبا بالتوزيع الجغرافي، مثلما يتم توزيع الصيادلة في تونس، بحسب عدد السكان وحاجاتهم من الأدوية، مؤكداً رفض النقابة التام لهذا الاتفاق".

واعتبر أن تحرير قطاع الأدوية سيؤدي إلى تحرير تجارة الأدوية، بعد أن كانت تونس تفرض قيوداً على الأدوية المماثلة الموردة لما يتم صنعه محلياً، ما سيتسبب بخسائر كبيرة للمؤسسات المصنعة.

وندد عميره بمضي الحكومة في التفاوض حول الاتفاق بصفة أحادية، على الرغم من رفض أوساط المنظمات المهنية والنقابات توقيعه، منتقداً عدم تشريك المنظمات المهنية في المشاورات بمضامين هذه الاتفاقية.

مخاوف الفلاحين المتعاظمة

رفض اتحاد الفلاحين في تونس بشكل قاطع التوقيع على الاتفاق في صيغته الحالية، معتبراً أن إعادة تأهيل القطاع الفلاحي في تونس، يشكل أولوية وطنية لا يمكن ربطها بملف الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

أوضح رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري عبد المجيد الزار في تصريح إلى "اندبندنت عربية"، أن "الفلاح الأوروبي يتلقى دعماً 70 مرة أكثر من الفلاح التونسي، وهو ما يجعل المنافسة بينهما مستحيلة"، مضيفاً "هل يمكن أن نتسابق في ميدان لا نتمتع فيه بالامتيازات ذاتها؟ الفلاحة في أوروبا تلقى دعماً يساوي في بعض الأحيان أضعاف ميزانية تونس".

وأكمل الزار قائلاً "من الإشكاليات الكبرى أيضاً حرية التنقل، إذ يحق للفلاح الأوروبي الدخول إلى تونس لعرض منتوجاته والبحث عن فرص استثمارية، في حين أن التونسيين مطالبون بالتأشيرة"، مؤكداً أن "منظمة الفلاحين ستبقى رافضة لهذه الاتفاقية، إلا إذا جرى تأهيل القطاع والعاملين فيه، حتى نحظى بالقدرة التنافسية ذاتها".

النقابات العمالية ترفض الاتفاق

الموقف الرافض ذاته عبّر عنه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، الذي قال بشكل صارم إن "اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مع الاتحاد الأوروبي "الأليكا" لن تمر"، معتبراً أن "التفاوض حول هذه الاتفاقية ليس حكراً على الحكومة، بل هو شأن وطني يهم كل المنظمات والمجتمع المدني وكل الطّيف السياسي".

ورأى الطبوبي أن اتفاقية "الأليكا"، "ستنسف القطاع الفلاحي إذا ما جرى توقيعها في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به البلاد".

وقال الطبوبي "أستغرب أن تهرول تونس لإمضاء اتفاق هو بالأساس خيار استراتيجي وطني، يشمل قطاعي الفلاحة والخدمات، ولا يمكن الحسم فيه إلا بإشراك المنظمات الوطنية كافة والمجتمع المدني وكل مكونات الطيف السياسي، حتى يكون خياراً يخدم المصلحة الوطنية".

فترة انتقالية

اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، الذي يمثل الحرفيين ورجال الأعمال وأصحاب المؤسسات، عبّر عن موقفه على لسان رئيسه سمير ماجول، الذي طالب بضرورة "إعطاء تونس فترة انتقالية كافية، حتى تقوم بتأهيل القطاعات المعنية باتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق، وتكون بذلك قادرة على المنافسة".

تطمينات الحكومة

رئيس الحكومة يوسف الشاهد تدخل في محاولة للتأكيد على أن "حكومته لن تسمح بأن يكون الاتفاق على حساب المصالح والمؤسسات التونسية"، وتابع "إنه لن يُوقع أي اتفاق لا يحافظ على مصلحة تونس وعلى مصلحة الفلاحين والبحارة، لا يوجد أي اتفاق أو إجراء نهائي بخصوص اتفاقية الشراكة والتبادل الحر الشامل والمعمّق أليكا".

وأضاف الشاهد أن "المفاوضات لا تزال في مستوى الشروط والمبادئ العامة وإحصاءات لمستوى التجارة المتبادلة".

هذه التطمينات عززها عبدالله الرابحي، كاتب الدولة لدى وزير الفلاحة المكلف بالموارد المائية والصيد البحري، الذي أعلن أن "الاتفاقية موضوع خاضع للعديد من المناقشات مع الاتحاد الأوروبي، محورها المبادئ والأسس التي ستكون لمصلحة المنظومة الفلاحية في تونس"، وأكّد أنه لا توقيع على الاتفاقية إن كان فيها ما يضر بالقطاع الفلاحي"، معتبراً أنه "لا وجود للمقارنة بين الفلاحة في الاتحاد الأوروبي والفلاحة في تونس".

وأفاد الرابحي بأن "رئاسة الحكومة لن تسمح بتضرر القطاع الفلاحي في تونس"، معتبراً أنه "ليس من مصلحة الاتحاد الأوروبي أن يضر بالمنظومة الفلاحية، القطاع الفلاحي في تونس يستحق الدعم، خصوصاً أنه يشغّل قرابة 16 في المئة من اليد العاملة"، مشدداً على ضرورة "الارتقاء وإصلاح القطاع الفلاحي ليصبح قادراً على توقيع اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي".

الاتفاق بين المخاوف المفرطة والتفاؤل

وفي انتظار استكمال التفاوض بين الحكومة التونسية والاتحاد الأوروبي، انقسم الموقف في تونس بين غالبية ترفض الاتفاق وتطالب "باعتباره خطراً على السيادة الوطنية ويمهد لاستعمار جديد مباشر"، وبين من يعتبره "فرصة حقيقة لتطوير آليات الاقتصاد في تونس، شرط وجود فترة انتقالية تكون مناسبة لإعادة تأهيل القطاعات، التي ستكون مفتوحة أمام الشراكة وبمساواة في الحقوق والواجبات". وهذه النقطة يعتبرها الكثير من التونسيين العائق الأكبر أمام إمكان تحقيق الاتفاق وتطبيقه بشكل عادل.

المزيد من العالم العربي