Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دمج الميليشيات في القوات العسكرية العراقية... حل أم معبر للحصول على الشرعية؟

إنهاء الدور السياسي والاجتماعي لزعماء الفصائل المسلحة يمثل أبرز المعوقات وتخوف من زيادة نفوذ تلك الجماعات على القرار الأمني في البلاد

تشكيل "هيئة الحشد الشعبي" صعب المهمة في ما يتعلق بتفعيل مشاريع دمج الميليشيات (رويترز)

ما يزال ملف الميليشيات والجماعات المسلحة خارج إطار الدولة يمثل الهاجس الرئيس في العراق، حيث يشغل هذا الملف العراقيين منذ أكثر من 15 عاماً من دون حلول حقيقية من شأنها إنهاء وجود السلاح المنفلت في البلاد.

وتتباين الآراء بشأن الحلول التي من شأنها إنهاء تلك الإشكالية التي تشعبت بشكل كبير، حتى باتت الميليشيات في البلاد تمثل كيانات موازية للدولة العراقية وطرفاً بارزاً في الساحة السياسية والاجتماعية، فضلاً عن كونها عاملاً من عوامل التوتر الرئيسة التي يعيشها العراق خلال السنوات الأخيرة.

ويرى باحثون وأكاديميون أن الإشكالية لا ترتبط فقط بإعطاء تلك الميليشيات عنواناً رسمياً فحسب، بل في القدرة على إخضاعها للدولة العراقية وتأهيل عناصرها وإعادة دمجها في المجتمع مرة أخرى، الأمر الذي لا تبدو بوادره متحققة حتى الآن.

محاولات بدوافع سياسية

وشهد العراق خلال السنوات الماضية العديد من الدعوات لإنهاء وجود الميليشيات، وتفعيل مشاريع من شأنها دمج تلك الجماعات المسلحة في المؤسسات الأمنية الرسمية، بشكل ينهي نفوذها، وعول كثيرون من النشطاء العراقيين على فكرة دمج الميليشيات في إنهاء الإشكالات التي تشهدها البلاد.

ولعل أولى محاولات تفعيل مشاريع دمج الميليشيات كانت في فترة حكم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وتحديداً في الفترة بين عامي 2008-2012 بعد انتهاء فترة الصراع الطائفي الذي شهدته البلاد، حيث تم تشكيل وزارة للمصالحة الوطنية غايتها حسم تلك الإشكالات وإدارة ملف دمج الميليشيات في القوات الأمنية الرسمية.

ومثلت تلك السنوات نقطة الشروع الأولى في ملف دمج الميليشيات، حيث كان من المفترض أن تقوم الدولة العراقية باستقطاب عناصرها وفك ارتباطها من جماعاتها المسلحة وإعادة دمجها في القوات الأمنية الرسمية، إلا أن هذا الملف لم يحسم حينها لأسباب سياسية، بحسب مراقبين.

ويبدو أن مسارات عدة أدت إلى فشل مشاريع دمج الميليشيات خلال تلك السنوات، ويرى الكاتب والصحافي، محمد حبيب، أن "فكرة دمج الميليشيات في فترة حكم المالكي لم تكن غايتها تدعيم قوة الدولة العراقية، بل مثلت مناورة سياسية لضرب خصومه، ما أدى إلى تشكيل ميليشيات جديدة تمثل مشتقات جيش المهدي العديدة، التي باتت الآن تشكل عماد الحشد الشعبي في العراق".

ولعل فشل مشاريع دمج الميليشيات كان يعود بالدرجة الأساس إلى كونها "مشاريع ضمن إطار الصراع السياسي في البلاد"، بحسب حبيب الذي يشير إلى أن هذا المشروع أفضى في النهاية إلى "تغيير ولاءات تلك الميليشيات فقط، من دون تفكيكها أو إدخالها ضمن السياق الرسمي للدولة العراقية"، ويتابع حبيب، أن كل مشاريع دمج الميليشيات التي حصلت خلال السنوات السابقة مثلت "معابر لها في سياق محاولاتها الحصول على الشرعية".

"الحشد الشعبي" ومعرقلات دمج الميليشيات

وبعد عدم نجاح دمج الميليشيات المسلحة في القوات الأمنية، وتشكيل "الحشد الشعبي" عام 2014 في نهاية حقبة المالكي، باتت الأحزاب التي تمتلك ميليشيات مسلحة تحاول إظهار تشكيل "الحشد الشعبي" على أنه يأتي ضمن مساعي إنهاء وجود السلاح المنفلت ودمج الميليشيات في المؤسسات الأمنية الرسمية.

ويبدو أن تشكيل "هيئة الحشد الشعبي" صعب المهمة في ما يتعلق بتفعيل مشاريع دمج الميليشيات، ويرى مراقبون أن الميليشيات الرئيسة باتت تحتمي خلف هذا العنوان بوصفه مؤسسة رسمية لا يمكن المساس بها.

وعلى الرغم من أن قادة الميليشيات لطالما تحدثوا أن الهيئة تمثل مؤسسة رسمية تأتمر بأمر القائد العام للقوات المسلحة، إلا أن ما حدث خلال العامين الماضيين يمثل مساراً مغايراً ابتداء من قصف البعثات الدبلوماسية الذي تتهم به ميليشيات داخل الهيئة، وصولاً إلى اقتحام المنطقة الخضراء في أكثر من مناسبة من قبل فصائل تابعة للهيئة باستخدام عجلات رسمية تابعة لـ"الحشد الشعبي"، فضلاً عن إطلاق تهديدات بحق رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.

وإضافة إلى كل تلك العوامل، مثل انفكاك الألوية التابعة لمرجعية رجل الدين الشيعي علي السيستاني من "هيئة الحشد الشعبي" والارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة ضربة أخرى لشرعية الميليشيات المسلحة الموالية لإيران.

وأعلنت "ألوية العتبات" في ديسمبر (كانون الأول) 2020، الانفصال التام عن الجزء الموالي لإيران من "هيئة الحشد الشعبي"، بعد المطالبات الكثيرة التي وصلت إلى النجف خلال السنوات الماضية بالإيذان بتفكيك منظومة "الحشد الشعبي"، والتي حصلت على شرعية حمل السلاح بعد فتوى السيستاني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جاء هذا الإعلان بعد أشهر من تأكيد الألوية الأربعة، وهي "فرقة العباس القتالية"، و"فرقة الإمام علي القتالية"، و"لواء أنصار المرجعية"، و"لواء علي الأكبر"، في أبريل (نيسان) 2020، انفكاكها عن الهيئة، في حين أشارت إلى أنها "تدرس انضمام بقية القوات والألوية الراغبة في ذلك وفق المعايير الوطنية والضوابط القانونية والالتزامات الدستورية".

وأثار هذا القرار منظومة الميليشيات الموالية لإيران التي وصلت إلى حد أن تقوم أطراف مقربة من التيارات الولائية بشن هجوم إعلامي على حشد المرجعية، ويرى مراقبون أن هذا القرار يقلل من طموح بعض الفصائل التي ترغب في أن يكون "الحشد الشعبي" مؤسسة رديفة تنافس الوزارات الأمنية، وتؤثر في القرار السياسي.

وسائل حزبية للنفوذ

ويرى مراقبون أيضاً أن الإشكالية لا ترتبط فقط بالميليشيات المسلحة، بل بالكتل السياسية والأحزاب الوازنة التي تستخدم تلك الجماعات لتدعيم نفوذها على حساب الدولة العراقية، الأمر الذي يصعب مهمة الحصول على توافق سياسي لإنهاء ملف الميليشيات.

ويرى الباحث في الشأن السياسي أحمد الشريفي أن "المشكلة الرئيسة ليست في الميليشيات، بل في الأحزاب التي لا تؤمن بدولة المؤسسات، وهذا الأمر دفع تلك الأحزاب إلى التمسك بالأجنحة المسلحة أكثر من المؤسسات الضامنة للأمن وسيادة البلاد"، ويضيف الشريفي، "الأحزاب وجدت في ميليشياتها بديلاً للمؤسسات الأمنية، تارة للاستقواء على المنافسين، وتارة أخرى للبقاء أقوى من المؤسسات الأمنية الأمر الذي يمكنها من السيطرة على الدولة ومواردها المادية والبشرية".

وتمثل الميليشيات، بحسب الشريفي، "إحدى المخرجات الرئيسة للمتبنيات السياسية للأحزاب العراقية"، مستبعداً إقامة أي مشاريع من شأنها تفعيل قضية دمج الميليشيات مرة أخرى.

سطوة اجتماعية

ولا يبدو أن الإشكالات من وجود الميليشيات باتت محصورة في السياق السياسي، وامتدت سطوتها إلى المجتمع العراقي، الأمر الذي يصعب عملية إعادة اندماجها بالمجتمع مرة أخرى.

ويستبعد الشريفي إمكانية إعادة دمج عناصرها بالمجتمع العراقي مرة أخرى، ويشير إلى أنها "حصلت على امتيازات عالية قد تنتهي بانتهاء دورها الميليشياوي، وهو ما قد يدفعها للقتال من أجل الاحتفاظ بتلك الامتيازات، لا سيما مع استمرار المظلة الحزبية الراعية لها".

ويبدو أن أحد أبرز المعرقلات أمام فكرة دمج الميليشيات بالقوات المسلحة العراقية، كما يعبّر الشريفي، ترتبط بأن "زعماء تلك الميليشيات يعتقدون أن دورهم السياسي والاجتماعي سينتهي مع انتهاء وجود جماعاتهم المسلحة، وهذا الأمر يجعل الدولة غير قادرة على إقناعهم"، ويلفت الشريفي إلى أن دمجها في المؤسسات العسكرية والأمنية "يجب أن يتم بدراسة دقيقة لكيفيات الدمج بطريقة علمية، وما إذا كانت ستؤدي إلى تجانس بين المقاتلين أم بقاء هوياتهم الميليشياوية داخل المؤسسة"، ويشير إلى أن "ما حصل في السنوات السابقة هو دمج للميليشيات من دون ضوابط، ما أدى إلى تشتيت الولاءات داخل المؤسسات العسكرية".

تفكيك العقيدة

ويشير باحثون في الشأن السياسي إلى أن الإشكالية الأبرز لا تتعلق بتفعيل مشاريع الدمج من عدمها، بل في عدم بناء "عقيدة عسكرية" قادرة على إزاحة العقائد الأيديولوجية لعناصر الميليشيات بعد دمجها في القوات الأمنية، ويعتقد الكاتب والباحث أحمد الياسري أن "القاعدة التي ارتكزت عليها مفاهيم دمجها كانت خطأً، لأن الإشكالية تتعلق بعقيدتها الأيديولوجية المرتبطة بمشروع خارجي، وهذا ما يجب تفكيكه قبل الشروع بقضية إعادة دمج عناصرها"، مبيناً أن الفشل في هذا المشروع على مدى السنوات الماضية لـ"اصطدامه بعقائد عناصر تلك الميليشيات".

ويوضح الياسري أن السبيل الوحيد لتفعيل دمجها بشكل ناجح يرتبط بـ"تمكن الدولة العراقية في بناء عقيدة عسكرية للميليشيات خارج إطارها الأيديولوجي"، ويتابع أن عدم وضع تلك الخطوات في مقدم مشاريع دمجها سيؤدي إلى "أن تصب عملية الدمج في صالح الميليشيات، وتمكنها من صناعة نفوذ أكبر داخل الدولة"، مبيناً أن "هذا ما حصل في تشكيل الحشد الشعبي، والذي بات يمثل دولة موازية لا تؤمن بالعقيدة العسكرية للدولة العراقية".

ويبدو أن ارتباط الميليشيات برؤوس سياسية وازنة في البلاد، يمثل العقبة الأكبر أمام إمكانية تفكيكها، ويشير الياسري إلى أن تلك الميليشيات لم تعد مكونات عسكرية فقط بل باتت تمثل "إرادة سياسية وتشريعية"، مبيناً أن "هذه المعضلة هي التي زادت من عمر الميليشيات مدة أطول"، ويختم الياسري أن "سلوك تلك الميليشيات بدأ ينفصل عن سلوك المجتمع العراقي، إذ باتت تشعر أنها تمتلك الأحقية بإدارة الدولة والمجتمع على حد سواء، وهذه إشكالية من الصعب معالجتها من خلال الاكتفاء بدمج عناصر الميليشيات سواء بالدولة أم المجتمع".

دمج أم زيادة نفوذ في المؤسسات العسكرية؟

وفي مقابل الدعوات المستمرة لإنهاء ظاهرة الميليشيات، تتزايد المخاوف من احتمالية أن تفضي أي عملية دمج لتلك الجماعات المسلحة في الجيش العراقي إلى زيادة في نفوذ تلك الجماعات على القرارين العسكري والأمني في البلاد.

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية هيثم الهيتي، أن "عملية دمج عناصر الميليشيات في القوات الرسمية يجب أن تخضع لضوابط صارمة"، مبيناً أنها من الممكن أن تؤدي إلى "تحويل الجيش إلى ميليشيات من خلال اختراقه من قبل عناصر عقائدية لها ولاءات لأطراف أخرى"، ويضيف، عدم اتخاذ منهجية صارمة في هذا السياق، سيمثل "مخاطرة كبيرة"، لافتاً إلى أن "تحقيق نوع من التصحيح في هذا الإطار يتعلق باتخاذ تدابير تسبق الدمج تتعلق بالتمييز بين العناصر العقائدية داخل الميليشيات والمقاتلين الاعتياديين"، ويلفت إلى أن "عملية الدمج يجب ألا تجرى بطريقة عشوائية، إذ يجب اختيار الصنوف التي سيتم زج عناصر الميليشيات فيها بعناية فائقة"، متابعاً أنه بالإمكان استخدام صنوف ثانوية لعملية الدمج وإبعاد عناصر الميليشيات من القوات ذات المهام الرئيسة.