Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وباء كورونا وموسيقى شوبان يبنيان رواية واسيني الأعرج

"ليليات رمادة" بين تاريخ كوفيلاند الجزائرية وواقعها المأزوم

الروائي الجزائري واسيني الأعرج (صفحة الكاتب على فيسبوك)

كان وباء كورونا في شهوره الأولى عندما أسرعت إليه الرواية والقصة. وكان أول ما قرأت من ذلك رواية الكاتب السوري الكردي جان دوست "في قبضة الكابوس.. ثلاثون يوماً من حصار كورونا". ولعل السيرية ولعبة اليوميات هما ما أنقذا الرواية من فخ الكتابة الإبداعية عن الراهن. وسرعان ما تواترت الأخبار الثقافية: "ليالي الكورونا: الحب في زمن الكورونا" لأماني التونسي، و"النزيل رقم 1" لعبد الرحمن عسل، و"الكورونا في زمن الفراعنة" لعمرو فريد، وكذلك المجموعة القصصية "الكمامة الزرقاء" لأسامة إبراهيم، وأولاء جميعاً من مصر. وما إن أطل هذا العام حتى أطلت من قطر رواية "كورونا الحب والحرب: ملحمة كتبت أثناء الحجر" لجاسم سلمان، معلنة أنها الرواية العربية الأولى عن "كوفيد"، مع أن رواية الجزائري واسيني الأعرج "ليليات رمادة" (دار الآداب) أعلنت في الآن نفسه أنها الأولى. وبعد شهور صدرت في المغرب المجموعة القصصية "كوفيد الصغير" للطيفة لبصير. وبين يدي الآن رواية مخطوطة مغوية للكاتب السوري الكردي، هي "جرس إنذار" والكاتب، مثل جان دوست، لاجئ في ألمانيا.

مدينة كوفيلاند

يقدم واسيني الأعرج لروايته بما ينسبها إلى الحكاية العربية المتوارثة في صيغة "كان يا ما كان"، وتتبع ذلك ملاعبة التأرخة والتخييل، وتشغيل "استراتيجية اللا تعيين"، فيسمي الفضاء الروائي بـ"كوفيلاند" ويعينها بأنها مدينة بمثابة وطن، وسوف يلي أنها مدينة الأوبئة، ووطن الأوبئة، وأنها قاومت الأوبئة منذ القرن الميلادي الأول حتى اليوم. وهذه الكوفيلاند التي لا تخفى صياغتها من جماع وباء "الكوفيد-19" وكلمة "لاند"، تعددت أسماؤها التاريخية بمقتضى الأوبئة التي ضربتها. ففي سنة 1965 مثلاً، سميت أنطونيلاند تيمناً بطاعون أنطونين. وفي القرن السادس سميت جوستينيالاند تيمناً بطاعون جوستينيان الذي أودى بخمسين مليون إنسان. وبذا تكون كوفيلاند فضاءً عالمياً - كونياً، فيه مثلاً أوروبا وفيه الجزائر، وفيه سوريا كما توجه رمادة في حديثها عن مؤرخي كوفيلاند ومنهم لوسيان السميساطي السوري، الذي قال إن التبرك بالأوبئة يقلل من الخسارات. وعلى طريقة الإسناد العربية الكلاسيكية نصل بأسماء كوفيلاند إلى نهاية القرن التاسع عشر، عندما ضربتها الحمى الصفراء فصار اسمها المدينة الصفراء "جوانفيل"، وظلت تحمل هذا الاسم حتى استقلت عام 1962، كما سيلي تبيانه.

تطور الاسم بعد الاستقلال إلى أرض الجراد "كركيلاند" ثم السيدا عام 1981، عندما وقع فيها انقلاب أبيض فصار اسمها سيدلاند، ثم صار "كوفيدلاند" وجرى تخفيفه إلى كوفيلاند، الذي يظهر في العنوان الفرعي للرواية بجزأيها. ومن المهم هنا ما تتابعه الرواية من أن حرب الأسماء الطاحنة ما زالت قائمة حتى اللحظة، ومن أن جيلاً آخر يريد أن يقطع مع أسماء الأوبئة.

بعد أن هيأت استراتيجيةُ اللا تعيين قراءة الرواية لأن ترى في كوفيلاند هذه المدينة أو هذه البلاد، أو تلك، أسرعت إلى التلميح والتصريح، وإذا بكوفيلاند هي الجزائر التي كابدت الاستعمار العثماني، فالفرنسي، إلى أن استقلت عام 1962، وهي بلد المليون ونصف المليون شهيد. ففي هذه المدينة / الوطن / البلاد "كل شيء يتهاوى"، "كوفيد" فضح هزال الدولة. لا دولة. "الحياة هنا أصبحت بلا عمود فقري". وترى رمادة أن الوباء هو التاريخ الوحيد، وأن كل شيء تغير، والزمن يمر ثقيلاً ككتل الرصاص. وإذا كان العالم في حالة استنفار، وإذا كانت هذه فرصته ليتعلم أنه صغير أمام الطبيعة - لكنه لا يتعلم - فكوفيلاند/ الجزائر تكاد تكون كلها مصابة بالوباء، لكن مسرحية قنوات التلفزة الوطنية تبدأ في المساء. وهذه رمادة التي تشعر كأن كوفيلاند بدأت تتوحش، بينما يرى أخوها بكر المحارب للفساد "هذه البلاد لكي تصلح تحتاج إلى طاغية متنور، غير متوفر اليوم".

بلاد فقدت عقلها

والخلاصة الروائية هي أن كوفيلاند تسير اليوم نحو حتفها برضا حكامها وشعبها، فقد أظهر الوباء هشاشة كل شيء، والحس الانتحاري يخترقها. وسوف نقرأ أن خمسين مليون انتحاري هم سكانها. وستكتب رمادة لحبيبها شادي أن هذه البلاد لم تفقد ذاكرتها ودمها فقط، بل عقلها أيضاً. ومن ورث الفرنسيين فيها هم سدنة التاريخ المسروق الذين استباحوا الأجساد والبلاد الذين يخبئون الوباء اليوم. وإذا كانت كوفيلاند تقاوم الأوبئة، فهي آيلة إلى الموت ممزقة إلى أجزاء صغيرة، بعدما كانت مثالاً للحياة والاستمرار، وهنا تخرج الرواية من الدلالة الجزائرية إلى ما هي عليه سوريا وليبيا واليمن و... مثلما تخرج إلى ما هو عليه العالم اليوم، حيث تضاعف من وبائية "كوفيد-19" أوبئةُ الحروب والتطرف والاحتكارات والتنافس غير الشريف والصراعات على لقاحات كورونا. ورواية "رمادة" لا تفتأ تضمر وتعلن هذا النظر إلى الوباء، ليس في كوفيلاند أو الجزائر فقط، بل في العالم كله.

اختار الوالد لرمادة هذا الاسم هرباً أو تبركاً بـ"الرماد" الذي حل بالبلاد سنة 1993، ودرءاً لعودة سنة الرمادة (18هـ) التي ضرب الهلاك فيها الأرض فسوّدها.

ورمادة هي الراوية التي تبني الرواية برسائلها إلى شادي الموسيقار. ولئن كان هذان العاشقان يتقاسمان بطولة الرواية، فالبطولة الروائية من قبل ومن بعد هي لكورونا والموسيقى. وبالوصول إلى الموسيقى، بعد ما تقدم في الكورونا، يبدأ الحديث بالبناء الموسيقي للرواية على هيئة الليليات التي ابتدعها شوبّان. فكل ليلية روائية تبدأ بمناجاة رمادة لشادي (بالحرف الطباعي المائل) ثم تأتي الرسالة / السردية، بحمولتها من الشخصيات والأحداث والأفكار والذكريات والتحليلات.

سحر الموسيقى

ما أكثر ما حضرت الموسيقى في روايات واسيني الأعرج، إن بالبناء كما في "سوناتا لأشباح القدس" أو بالشخصية كما في "مملكة الفراشة" أو "سيدة المقام". وصنيع الكاتب هذا يعزز حضور الموسيقى في الرواية العربية منذ عهد مطاع صفدي وحنا مينة وجبرا إبراهيم جبرا وإدوار الخراط وأسعد محمد علي... إلى مي خالد وعلي بدر وربعي المدهون وسواهم. أما في "رمادة" فالموسيقى تحضر - بالأحرى تشكّل - البناء والشخصية معاً. حتى كريم زوج رمادة المتوحش والمتخلف تؤنسنه الموسيقى - بالطبع بفعل رمادة - فيصير يقبل بالكلاسيكي منها لمرافقة لحظته الحميمية مع زوجته. أما المايسترو شادي فيحدث رمادة عن نشأته الموسيقية على يد أبيه الموسيقي وصولاً إلى دراسته في فيينا، فعودته إلى كوفيلاند.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتوالى اللحظات الحاسمة روحياً وبنائياً، من حفلة الأوبرا التي قادها المايسترو شادي مؤلف "آلام لالا مريم" إلى شرارة العشق التي قدحت بالفن، إلى الليلة الوحيدة التي توحد العاشقين وتورث حمل رمادة، إلى البوليسية التي تبدت واستطردت في انتحار الزوج كريم (!؟) وفي إيقاع رمادة وشقيقها بكر بالضابط الفاسد شريف، على النقيض من الضابط الشريف كمال.

أوقع الكورونا بالمايسترو في فيينا، وأجهضت رمادة التي أورثها المايسترو كل ما يملك، بينما السلطة التي أدمنت الكذب - كما تكتب رمادة للمايسترو - معطلة، والشعب غارق في بلهه. فالأمر كما يشخصه الدكتور هيري، هو تحكّم السياسي بالطبي والعلمي، وبدفع البلاد نحو الهلاك.

وعلى نقرات بيانو شوبّان التي تملأ قلب رمادة في الليلة السابعة عشرة، يأتي الختام، ملوحاً للمستقبل بما أوصى به المايسترو من تحويل بيته إلى دار للموسيقى الكلاسيكية، يتعلم فيها الشباب، أو إلى دار للضيافة تستقبل موسيقيين عالميين للعمل في عزلة تامة، أو تكوين جمعية موسيقية كلاسيكية يكون البيت مقرها، وتحمل اسم "إقامة الملكة الخضراء".

إنها كوفيلاند البلاد وكوفيلاند الرواية التي يتلاطم فيها الوباء والتطرف والفساد والعنف، وتتفكك فيها الأسرة كما يتفكك المجتمع، فأنَّى للحب أو للفن أن يقوما في الكتاب غير المقدس لليباب والتباب؟

المزيد من ثقافة