عض الأصابع في الخليج...هل ينتهي بمصافحة أو بحمام دم؟

تشير الدلائل إلى علاقة واضحة بين "تخريب الناقلات" وضرب "محطات الضخ"

خلال الأيام القليلة الماضية وقع حدثان مهمان في منطقة الخليج العربي: الأول يوم الأحد الماضي حين تم استهداف أربع ناقلات نفط قبالة سواحل دولة الإمارات العربية المتحدة، في إمارة الفجيرة، والثاني يوم أمس الثلاثاء باستهداف محطات ضخ نفط في عمق الأراضي السعودية، وبفارق يوم واحد فقط.

وعلى الرغم من التكتم الذي رافق تفاصيل الحدث الأول، فإن الثاني كان مصحوباً ببيانات أكثر تفصيلاً. ومع ذلك، وعلى الرغم من أن المتحدث باسم رئاسة أمن الدولة في السعودية أعلن عن "استهداف محدود" لمحطتي ضخ تابعتين لشركة أرامكو النفطية السعودية في محافظتي الدوادمي وعفيف التابعتين لإمارة الرياض، إلا أن الحدث مهم في رمزيته وأبعاده.

تقع المحطتان المستهدفتان على أنبوب ينقل النفط من المنطقة الشرقية في السعودية إلى ميناء التصدير في ينبع على ساحل البحر الأحمر، وطول الخط 1300 كيلومتر.

وتقع إحدى المحطتين في الدوادمي التي تبعد عن الرياض حوالى 300 كيلومتر جنوب غرب العاصمة السعودية، فيما تقع المحطة الثانية في محافظة عفيف التي تبعد حوالى 600 كيلومتر جنوب غرب الرياض.

وبحسب وزير الطاقة السعودي خالد الفالح فإن "هذا العمل الإرهابي والتخريبي، وتلك التي وقعت مؤخراً في الخليج العربي ضد منشآت حيوية لا تستهدف المملكة فقط، وإنما تستهدف أمان إمدادات الطاقة للعالم، والاقتصاد العالمي".

وبتأمل تصريحات الفالح يلحظ أنه عمد إلى الربط بين استهداف خط أنابيب النفط السعودي أمس وتعرض ناقلات نفط سعودية وإماراتية ونرويجية للتخريب قبالة سواحل إمارة الفجيرة، ملمحاً إلى أن الهدف هو التأثير على سوق الطاقة والاقتصاد العالمي.

ولو عقدنا مقارنة بسيطة بين الحادثتين لوجدنا أن المشتركات بينهما تتمثل في استهداف منشآت وناقلات في القطاع النفطي، واستهداف لمنشآت في دولتين عربيتين حليفتين للولايات المتحدة، ووقوع الحادثتين على وقع توتر العلاقات بين واشنطن وطهران إثر فرض البيت الأبيض عقوبات هي الأقسى على إيران، والتي تهدف إلى منع طهران نهائياً من تصدير نفطها، بالإضافة إلى عقوبات على قطاع التعدين والحديد والصلب في إيران، كما يبدو أن الهدف من الهجمات يأتي في إطار محاولات من قام بها الضغط للتأثير على أسواق النفط العالمية، من أجل وقف التصعيد الاقتصادي ضد إيران، حسب كثير من المراقبين.

وفي الوقت الذي حرصت فيه إيران على نفي ضلوعها في استهداف ناقلات النفط بشكل قاطع، ودعت إلى تحقيق دولي، فإن حلفاءها الحوثيين-وعلى العكس-تبنوا استهداف محطتي  الدوادمي وعفيف إلى الجنوب الغربي من العاصمة السعودية الرياض.

وتذهب بعض التقارير الغربية والإسرائيلية إلى أن استهداف ناقلات النفط كان بزوارق مفخخة يتم التحكم بها عن بعد، وهو الأسلوب ذاته التي قام به الحوثيون في اليمن ضد ناقلات نفط في المياه الدولية قبالة السواحل اليمنية في البحر الأحمر، الأمر الذي يسلط الضوء على المشتركات الكامنة في وسائل الاستهداف وتكتيكاته، والجهات التي تقف وراءه، أو التي أوعزت به.

في حال استهداف محطتي ضخ النفط، كان السلاح المستخدم طائرات مسيرة إيرانية، ويهدف تبني العملية من قبل الحوثيين إلى تحقيق أهداف الضغط على أسواق النفط، دون أن تتحمل إيران التبعات، جرياً على المنوال الإيراني، في "أكل البصل بأفواه الآخرين"، حسب المثل العربي المعروف. أما الحوثيون فمن السهل بالنسبة لهم إيجاد مبرر الاستهداف، حيث يعمدون دائماً إلى تسويغ ما يقومون به ضمن استراتيجية "الدفاع عن النفس".

ويشير استهداف محطات الضخ في السعودية إلى قدرة متنامية لدى الحوثيين على تسيير طائرات الدرونز. وتتهم السعودية والولايات المتحدة الأميركية إيران بتقديم دعم كبير للحوثيين في هذا الشأن. يقول الخبير الأمني السعودي العميد حسن الشهري إن "إيران حصلت على طائرات عسكرية أميركية سقطت في العراق وأفغانستان، وتمكنت من التوصل إلى التكنولوجيا المتطورة في مجال الطيران المسير". ويضيف أن "إيران قطعت شوطاً كبيراً في مجال تكنولوجيا الدرونز بعد أميركا وإسرائيل".

ويذكر الشهري أن إيران سلمت الحوثيين بعضاً من تلك الطائرات المتطورة، التي قدر أن لدى الحوثيين ما بين 500 إلى 700 طائرة منها.

ويشير إلى أن "الهدف من الهجمات اليوم (أمس) هو معنوي أكثر من أي شيء آخر، حيث تريد إيران أن تقول إن السعودية، حتى وإن أرادت تغيير وجهة التصدير، فإن لدى إيران القدرة على الوصول إلى مناطق غرب البلاد، بعيداً عن مضيق هرمز".

وبالمجمل فإن استهداف ناقلات النفط قبالة الساحل الإماراتي، ومحطات ضخ النفط في السعودية لا يمكن أن يفهم بعيداً عن تسارع الأحداث مؤخراً، والتوتر الحاصل بين واشنطن وطهران على خلفية الرغبة الأميركية والتي تشاركها فيها دول أخرى في إعادة التفاوض على الملف النووي الإيراني، وكذا تقليم أظافر طهران وأذرعها الإقليمية، بالإضافة إلى التفاوض على برنامجها الصاروخي.

وإذا كانت المؤشرات تشير إلى أن جهة واحدة تقف وراء الهجمات الأخيرة، وأن هذه الجهة مرتبطة بشكل أو بآخر بمراكز القوى العسكرية والاستخباراتية الإيرانية، وأن ذلك التصعيد جاء على وقع عقوبات أميركية غير مسبوقة على إيران، فإن السؤال الآن يتمثل في أي من المسارات يمكن أن يتخذها التصعيد الحالي؟

وهنا يجدر القول إن كلا الطرفين (واشنطن وطهران) يرغبان في تحقيق نتائج غير الحرب من لعبة عض الأصابع تلك. فأميركا تريد أن تعود إيران إلى طاولة التفاوض بخصوص الملف النووي بالإضافة إلى مطالب أخرى ذكرت أعلاه، فيما تريد طهران من التصعيد الضغط على سوق الطاقة ليتبين حجم الكارثة التي يمكن أن تحدث فيما لو استمرت واشنطن في الضغط على إيران، ناهيك عن الكوارث التي يمكن أن تنجم عن اندلاع حرب ضدها، وبالتالي الضغط على واشنطن للتراجع عن العقوبات المفروضة.

ولكن هل ستظل لعبة عض الأصابع بين الطرفين تسير في مسارات يمكن التحكم بها، أم أن خطأ بسيطاً يمكن أن يحدث-هنا أو هناك-قد يغير قواعد اللعبة تماماً، ويفضي إلى نتائج غير مقصودة وغير مرغوب بها للأطراف المعنية كلها؟

المزيد من الشرق الأوسط